عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التقي معاشر الصحافيين والاعلاميين أمس (الأربعاء) بالبروفسور سمية أبو كشوة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي، ضمن الملتقى
الراتب لأهل الصحافة والإعلام في "حديث الأربعاء الأسبوعي الإعلامي" الذي يبذل الرسلاء والرسيلات في مكتب المتحدث الرسمي باسم
وزارة الإعلام، جُهدا مقدرا في تنظيمه بمباني وزارة الإعلام بالخرطوم. وقد وجهت إلي دعوة خاصة فيها شيء من الإلحاح لحضور هذه
الفعالية، باعتباري من الصحافيين الأكاديميين، مهنة وممارسة، شاكرا لهم حسن الظن، ومقدرا فيهم جهد الدعوة والتنظيم. يجد الأكاديميون
الذين ينشغلون بالعمل الأكاديمي والصحافي والإعلامي في ان واحد، أنه من الضروري متابعة مسار عملية التعليم العالي، ومدارسة مسير
العملية التعليمية من خلال التقويم والإصلاح سواء في محاريبهم الجامعية أم في سوح وسائطهم الصحافية والإعلامية، بُغية تحقيق
التوقعات المأمولة، والأهداف المنشودة، والمقاصد المرجوة، في نجاعة المعرفة، ومدراكة مناحي الحياة.
وفي رأيي الخاص، لم يعد التعليم العالي اليوم، ترفا ذهنياً، ولا عنواناً لمقدرة مالية، بل صار جزءاً لا يتجزأ، وركناً ركيناً، وضرورة لا
غنى عنها، ومعولاً مهماً من معاول بناء الأمة، واستنهاض همم الشعوب.
وقد شهدت البروفسور سمية ابو كشوة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي، سيلا من التساؤلات، وسلسلة من التعليقات، على حديث الأخ
البروفسور إبراهيم أحمد عمر رئيس المجلس الوطني (البرلمان) حالياً، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي في تسعينات القرن الماضي،
والذي كان يمثل عراب ثورة التعليم العالي، حماسةً وتنفيذاً، لا يقبل فيها تراجعاً، ولا يرضى عنها بديلاً، خلال مخاطبته ورشة عمل حول
"العنف وسط الطلاب" التي نظمتها لجنتي التربية والتعليم والأمن والدفاع في المجلس الوطني، بالتنسيق مع الاتحاد العام للطلاب السودانيين
أخيراً، حيث قال في اعتراف بينٍ، وإقرارٍ واضحٍ، لا لبس فيه ولا غموض، بضرورات المراجعة: "توسعنا في المباني والقبول، لكن ألم
نهمل النشاط الطلابي الآخر؟، أين النشاط الثقافي في الجامعات والجمعيات الأدبية والميادين وغيرها من الأنشطة؟"، مشيراً إلى أن ثورة
التعليم العالي أدت إلى طفرة كبيرة بالتعليم بالبلاد غير مسبوقة في إفريقياً وفي العالم العربي، لكن الآن يجب النظر فيها بلا خجل أو خوف
لأننا نحن من قمنا بها. والعلم الذي درسناه قبل 15 عاماً يحتاج لإعادة نظر كذلك. وأضاف البروفسور إبراهيم أحمد عمر: "ما يحدث في
الجامعات من عنف لا يخرج من هذا الأمر.
ورأى البروفسور إبراهيم أحمد عمر أن هنالك قوى خارجية تستهدف السودان وتؤلب أبناءه ضده، وذلك من خلال الحركات المسلحة التي
لها أذرع بالجامعات من الطلاب يرون أن الحل يأتي بالقوة وحمل السلاح.
وأضاف رئيس المجلس الوطني: "لثورة التعليم آثار لما يحدث بالجامعات والحال بالبلد كذلك، لذلك يجب على وزارة الداخلية الحفاظ على
الأمن والتصدي لمن يعتدي على الجامعات، وإلا فتعتبر الشرطة مقصرة".
فبعد ما يزيد عن عقدين من الزمان، خضع فيه التعليم العالي إلى تجارب بغرض تحسين مخرجاته وتطويرها، وزيادة اعداد خريجيه
ومضاعفتها، فتحقق الأول، وتعثر تحقيق الثاني، تعثرا واضحا، مما اقتضى المراجعات، وأفضى الى التراجعات. لم يكن البروفسور
إبراهيم أحمد عمر في سني العهد الأول من ثورة التعليم العالي، وفي حماسته لإعادة الطلاب المبتعثين في الخارج إلى الجامعات السودانية،
يقبل من يراجعه الرأي في هذه السياسة، ولا يستمع لمن ينتقد له الفكرة. فكان هو وبعض رجالات الإنقاذ قد عقدوا العزم على توسيع
مواعين التعليم العالي، واستيعاب أعداد هائلة من الطلاب والطالبات من داخل السودان وخارجه، بحُجية أن هذه ثورة لا تراجع ولا
تتراجع، ولكن بعد مضي أكثر من عشرين سنة، بدأ البروفسور إبراهيم أحمد عمر يتحدث عن ضرورات المراجعة، من أجل التقويم
والإصلاح. وقد آثارت دعوة البروفسور إبراهيم أحمد عمر ردود فعل متباينة، يرى البعض أنها دعوة جاءت متأخرة، بعد ان ضيعت
صيف اللبن، توسع التعليم العالي في جامعاته وكلياته، الحكومية منها والخاصة، فضعف المنتج، وساءت المخرجات. فصار الوصف
الدقيق لبعض هؤلاء الخريجين والخريجات، "أنصاف المتعلمين". فاللغة العربية عندهم، غريبة اللسان، اكتسابها فيه قدرٌ من المشقة، وفيه
عليهم كثير عسر، ناهيك عن اللغات الأجنبية. فتلحظ أن خريج جامعة الخرطوم في حاجة إلى ترجمان. والانكأ من ذلك، أن بعض ممن لم
يحصل على الشهادة السودانية (الثانوية) في غابر الأزمان، استطاع أن يحصل على بكالوريوس من المعاهد والمراكز التي أنشأتها
الوزارات، وشجعت منسوبيها وغيرهم في دخولها، فيسرت لهم البكالوريوس ومن ثم الماجستير والدكتوراه. ومن كان في زمننا وأزمان ما
قبلنا، لا سيما في "الجميلة ومستحيلة"، أعني جامعة الخرطوم، فاليوم هي بحق وحقيقة، "الحنينة السكرة"، إذ أصبح ذاكم الفاقد التربوي
بعض من أساتذتها، وبعضهم يتمتع بالزمالة البحثية فيها. من هنا، صرخ البعض مؤيداً لأطروحة مراجعة البروفسور إبراهيم أحمد عمر
تأييداً، مرددين المقولة الشهيرة: "أن تأي متاخراً خيراً من ألا تأتي أبداً". لذلك يرون من الضروري، إحداث بعض المراجعات المهمة في
ثورة التعليم العالي، من حيث مخرجاتها، وتراجع التوقعات منها. فالحق أحق أن يتبع ولو بعد حين.
احسب أن البروفسور سمية ابو كشوة أتت أمس، عاقدة العزم على أن تحدثنا عن سياسات وزارتها، في توسع الجامعات والكليات الجامعية،
إنشاءً وإزدياداً، الحكومية والخاصة، وعن التوسع في القبول للجامعات، طلاباً وطالباتٍ، وعن مضاعفة أعداد الخريجين والخريجات، ولكن
الرسلاء كانوا حريصين على أن تحدثهم عن المستجدات في السوح الجامعية، عنفاً وعطالةً، وتراجعاً ومراجعةً.
أخلص إلى أن دعوة الأخ البروفسور إبراهيم أحمد عمر إلى ضرورات مراجعة ثورة التعليم العالي، مدارسة في مخرجات التعليم العالي
الذي أدى إلى تكدس الخريجين والخريجات الذين يسوحون في فجاج الأرض داخل السودان وخارجه، اناء الليل وأطراف النهار، بحثا عن
العمل، مزودين بالأمل في الانتقال من العطالة إلى العمالة، بشهادات قضمت أطرافها السنون. فالإحصاءات تشير إلى إزدياد العاطلين من
الجامعيين، عاما بعد عام، فحتى السنوات السبع العجاف، عند انطلاق ثورة ااتعليم العالي في تسعينات القرن الماضي، لم تبشر بسنوات
سبع سمان، بالنسبة لهؤلاء الخريجين والخريجات. ويمكن أن نقول إنه من ضمن حيثيات أسباب زيادة اعداد العاطلين من الجامعيين
والجامعيات، أننا أغفلنا التعليم الفني الوسيط والعالي، واهتممنا بالتعليم الأكاديمي التجريبي الإنساني، على حساب الفنيين والعمال المهرة،
الذين في بلاد قدمت منها (بريطانيا) تبنى على أكتافهم، وتعمر بسواعدهم الأوطان. فهلا خلال هذه الدعوة الى مراجعة مخرجات ثورة
التعليم، أحدثنا حراكا في العملية التعليمية الجامعية؟. عليه كتبت اليوم هذه العجالة، بمثابة توطئة لكتابة عُجالات أُخر، تناقش هذا الأمر
الحيوي في مقبل الأيام، بالوسائط الصحافية والإعلامية، في سبيل نهضة الأمة، واستنهاض بنيها.