عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مما لا ريب فيه، أن الكثيرين من أبناء جنوب السودان، كانوا يحلمون بأن الانفصال عن السودان سيدر عليهم - ذكراناً وإناثاً - خيراً وفيراً، ورزقاً عميماً. مما يجعل ذاكم الانفصال الذي تم في يوليو 2011، مدخلاً مهماً، يساهم بقدرٍ فاعلٍ في تشكيل الدُعامة الأساسية في بناء نهضة البلاد، واستنهاض شعبها. وكانت الحركة الشعبية لتحرير السودان قد أملت المواطن الجنوبي بأن غد الانفصال سيوفر له كريم العيش، ونعيم السلام وإرساء العدالة، واستدامة التنمية في بلده الجنوب. بينما واقع الحال اليوم يؤكد سراب ذاك الحلم، اذ لم يتحقق منه شيئاً، بل على النقيض زادت حروب الجنوب القبلية وصراعاتة السياسية، فلم يعد حُلم الحركة الشعبية لتحرير السودان واقعاً فى تحقيق السودان الجديد بالجنوب. وبدأ يتحدث المراقبون  للشأن السياسي لجنوب السودان عن توقعاتهم من واقع الحال، تدخل المنظومة الأممية في الشأن الجنوبي بفرض الوصاية الدولية عليه، إنقاذاً لأرواح عشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء الذين ساحوا في فجاج الأرض نزوحاً ولجوءاً بحثاً عن الأمن والطمأنينة وإطعام من مسغبة ضربت أرجاء البلاد.  
كان السودان حريصاً عن النأي بنفسه عن الصراعات والتقاطعات والتباينات السياسية في جنوب السودان في الوقت الراهن، لذلك لم يتحمس كثيراً لطلب  حكومة جنوب السودان بشأن زيارة النائب الأول للرئيس الجنوبي تعبان دينق قاي إلى السودان، ويجيء هذا التحفظ الحكومي السوداني الى التزام السودان بموقف دول الإيقاد وتجنبه اتخاذ أي موقف فردي، ولكنه بعد مراجعة بعض التقديرات السياسية، وافق السودان على هذه الزيارة التى تمت يوم الأحد الماضى، حيث جرت خلالها مباحثات ثنائية مع النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق أول بكرى حسن صالح، حول العلاقات الثنائية بين البلدين والوضع الراهن في جنوب السودان، إضافة إلى مناقشة الاتفاقيات الموقعة بين البلدين. وقد حرصت الخرطوم في هذه المباحثات التركيز على مناقشة الملفات والمصفوفات المبرمة بين البلدين. فلا غرو، إن حاول جاهداً النائب الأول للرئيس الجنوبي تبديد المخاوف وبناء قدرٍ من الثقة بين حكومتة وحكومة السودان. فبادر خلال زيارتة للسودان إلى التأكيد على إزالة أسباب توتر العلائق السودانية – الجنوبية، حيث كشف عن اتفاق مع الرئيس السوداني عمر البشير على طرد الحركات المسلحة والمعارضة للخرطوم وجوبا، معلناً تسلمه ملف العلاقات بين السودان وجنوب السودان، ولم يتردد تعبان دينق في اعتبار الحركة الشعبية قطاع الشمال وحركات دافور المسلحة سبباً رئيسياً للأزمة والتوترات بين السودان وجنوب السودان. وأعلن في تصريحات صحافية عقب لقائه الرئيس عمر البشير عن اتفاق بين الخرطوم وجوبا لحل القضايا الأمنية والاقتصادية خلال 21 يوماً. وكشف في الوقت نفسه، عن تغيير سيطال اسم الجيش الشعبي قريباً.
أثار هذا الوعد الذى قطعه النائب الأول للرئيس الجنوبي تعبان دينق المتعلق بطرد الحركات المسلحة من الجنوب، ردود فعل متباينة لدى كثير من المراقبين لشأن العلائق السودانية – الجنوبية، حول امكانية إنفاذ هذا الوعد الرئاسي الجنوبي، لا سيما وإن مصفوفة الاتفاقيات المبرمة بين السودان وجنوب السودان عالجت الكثير من هذه القضايا المطروحة في جدول مباحثات تعبان دينق مع الحكومة السودانية. ويعتقد بعض هؤلاء المراقبين السياسيين أن تعبان دينق سيعمل جاهداً على انفاذ وعده، لأنه يعتبر أٌس مشاكل جنوب السودان مع السودان، الحركة الشعبية لقطاع الشمال وهو على خلاف كبير مع ياسر عرمان الأمين العام للحركة، الى درجة انه هدده يوماً بالقتل، وعندما التقاه مرة في أديس أبابا أبان له اسباب مغاضبته للحركة الشعبية قطاع الشمال، بقوله: "أنا بديك طلقة أقتلك.. نحن بيننا وبينكم دم"، مضيفاً "انتو في قطاع الشمال والجبهة الثورية قتلتوا أولادنا النوير". من هنا يتضح جلياً، أن كيمياء العلاقة بين تعبان دينق وياسر عرمان فيها قدرٌ من التوتر والمشاددة، مما يعنى أن تعبان دينق سيستغل منصبه الرئاسي في العمل على طرد الحركة الشعبية قطاع الشمال من الجنوب. ويتذكر بعض المراقبين السياسيين حديث دينق ألور وزير خارجية جنوب السودان إلى صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية الذى أكد فيه متانة العلائق ما بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال قائلاً: "من قال إننا سنتخلى عن حلفائنا في الحركة الشعبية قطاع الشمال أو يتخلى المؤتمر الوطني عن حلفائه وناسه في الجنوب". وأضاف "إن الحركة الشعبية قطاع الشمال كانت جزءاً من الحركة الشعبية، وهو ما يجعلنا نعرفها أكثر من الناس الاخرين..". والغريب أن هذا الوعيد الذى أطلقه دينق الور المتعلق بعدم تخليهم عن الحركة الشعبية قطاع الشمال، صرح به وهو في زيارة الى الخرطوم. مما يعنى أن هنالك فسطاطين في الجنوب من ناحية النظر الى علاقة جنوب السودان بالسودان من ساسة الجنوب والمتنفذين منهم، أحدهما يرى ضرورة التخلي عن الحركة الشعبية – قطاع الشمال، والآخر يتمسك بها لأسباب تاريخية وتفاوضية.
أخلص إلى أن، العلائق السودانية - الجنوبية، تتحرك مساراتها في الجنوب بين وعد النائب الأول للرئيس الجنوبى، ودينق ألور وزير الخارجية الجنوبي. أما مسار الجانب الحكومي السوداني يتلخص في انتظار إنفاذ ماجاء بمصفوفات اتفاقية البلدين في سبتمبر 2012، وأهمها اغلاق الجنوب لمعسكرات الحركات المسلحة المعارضة وحرمانها من انطلاقاتها العسكرية من داخل الآراضي الجنوبية هجوماً وعدواناً على بعض المناطق السودانية.    
تنتظر الحكومة السودانية من نظيرتها الجنوبية انفاذ وعد النائب الاول للرئيس الجنوبي تعبان دينق قاي، ليبدأ البلدان خطوات تطبيع علاقتهما بحق وحقيقة، بعيداً عن المزايدات، وأساليب الخداع، دفعاً لتحسين عُرى الجوار والصداقة بين السودان وجنوب السودان.