عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

باديء ذي بدء، أودّ ان اشيد بالجهود التي تبذل في تنظيم "حديث الأربعاء الاعلامي الأسبوعي" الذي تنظمه الادارة العامة لشؤون مكتب الناطق الرسمي بوزارة الاعلام، والترتيبات التي تُعد للايفاء بالهدف المنشود من هذا الملتقى الأسبوعي، لتقديم المعلومات والإفادات من جهات الاختصاص. وإن كنت أرى أنه يمكن أن يكون هذا الملتقى الإعلامي أكثر عمقاً وأعظم فائدةً، إذا أُجريت في ترتيباته بعض التعديلات التي كتبتها في مقالين من قبل، وذكرتها للأخ الدكتور أحمد بلال عثمان وزير الإعلام، لكن هذا لا يمنعني من الإشادة بهذا الجُهد المقدر.
وقد اتحفنا الأخ بحر إدريس أبو قردة وزير الصحة الاتحادي بتقريرٍ ضافٍ، قدمه في منبر "حديث الأربعاء الإعلامي الأسبوعي" يوم الأربعاء الماضي. وكان لافتاً، اصطحاب الأخ الوزير لعدد مقدر من قيادات الوزارة. وقد أتاح لهم سوانح للإدلاء بدلوهم في القضايا التي تخص إداراتهم. وقد أبحر الأخ الوزير في بحر متلاطم الأمواج أثناء تعداد إنجازات وزارة الصحة الاتحادية، في أوجهٍ مختلفةٍ. وساق لإبراز نجاحات وزارته بعض الإنجازات التي تحققت في برامج الرعاية الصحية الأولية وغيرها. فاختلط الأمر وحدث اضطراب واختلال مفاهيمي في بعض أذهان الحاضرين، مما أورده من إنجازات، فبدى لهم وكأنه يقدم تقريراً لإنجازات ونجاحات وزارة الصحة بولاية الخرطوم. مما دعاني في مداخلتي الى التذكير ببعض مهام وزارة الصحة الاتحادية، وفقاً لمفاهيم النظام السياسي الفيدرالي الذي يهتم بالتخطيط، ورسم السياسات، ووضع برامج التدريب. ويركز على تبيان مؤشرات الخطة، وموجهات السياسات، وآليات المتابعات، لضمان تقديم خدمات الصحة والطبابة للمواطن، من قبل وزارات الصحة الولائية، بمستوى راقٍ، وكفاءةٍ عاليةٍ، من خلال قيام وزارة الصحة الاتحادية، بدورها كميسرٍ (Facilitator) ومنسق ( Coordinator) ومراقب Observer))، لعملية الخدمات الصحية في البلاد. وأبنت أن جانباً من حديث الأخ الوزير فيه قدرٌ من التقاطعات مع مهام وزارات الصحة الولائية وسلطاتها. وأنه بحديثه عن الرعاية الصحية الأولية، وبعض الخدمات الصحية، أحدث قدراً من الالتباس وتغبيش الحقائق في مفاهيم السلطات والاختصاصات في النظام السياسي الفيدرالي الذي أرسى موجهاته العامة دستور البلاد الانتقالي لسنة 2005. كما تضمن حديثه بعضاً من التقاطعات، والتنافس غير المؤسسي في السلطات، والتخطي في الصلاحيات، مما يجعل وزارة الصحة الاتحادية تنشغل عن القيام بصُلب مهامها ومسؤولياتها، لتزاحم وزارات الصحة الولائية، وبالأخص وزارة الصحة بولاية الخرطوم في سلطاتها وصلاحياتها واختصاصاتها، دون وجهٍ قانوني أو سندٍ دستوري، لا سيما إن كانت هنالك انجازات ونجاحات لها في مجال تقديم خدمات الصحة والطبابة مباشرةً الى المواطنين بالقرب من سُكناهم، ومواقع عملهم. وينظر الى وزارة الصحة الاتحادية في مثل هذه الأحوال، كأنها تُريد أن تُجير تلكم الإنجازات والنجاحات لصالحها. وتتغافل عن عمدٍ في القيام بدورها المهم في التخطيط والسياسات والتدريب. وتنأى عن مهامها الأساسية في وضع موجهات عامة، ومرشدات محددة، لمساعدة وزارات الصحة الولائية. فقد ذكر الأخ الوزير فيما ذكر عدد الوحدات والمراكز والمستشفيات التي شيدت في الولايات المختلفة، باعتبار أنها شُيدت بواسطة وزارة الصحة الاتحادية. وقد ألمح الأخ بحر أبو قردة الى أن وزارته كانت الفاعل الأساسي في الإنشاء، وليس المخطط والممول لتلكم المنشآت الصحية. مما يُثير التساؤلات عن ماهية دور الوزارة الاتحادية في النظام السياسي الفيدرالي. واحسب انه كان من الاوجب له التركيز على مهمة الصحة الاتحادية في التخطيط للصحة في عموم البلاد، حسب الدستور، الى جانب الاهتمام بقضايا التدريب، ووضع السياسات كجهة تنسيقية بين وزارات الصحة الولائية ووزارة المالية الاتحادية، والإسهام الفاعل والعادل في توزيع الاستحقاقات المالية لوزارات الصحة الولائية. فقد أجمل الأخ الوزير في ذاكم الملتقى الإعلامي إنجازات ونجاحات وزارة الصحة بولاية الخرطوم، كإنجاز ونجاح لوزارته، على الرغم أنه ليس له إلا أجر المناولة في الحصول على بعض التمويل لبعض منشآتها من قبل وزارة المالية الاتحادية. ومما يذكر في هذا الصدد، على سبيل المثال، أنه ذكر أن وزارته قامت بأكثر من 160 عملية زراعة كُلى، بينما هذا العمل بكلياته يُعد من إنجازات وزارة الصحة في ولاية الخرطوم التي قامت بكل هذا الجهد في مستشفى ولائي هو مستشفى أحمد قاسم بالخرطوم بحري. ولا ننكر أن وزارة المالية الاتحادية أسهمت في تحقيق هذا الإنجاز، وليس لوزارة الصحة الاتحادية أي عمل تنفيذي في هذا الإنجاز. وهذا ما ينسحب على الإنجازات الأخرى التي ذكرها الأخ الوزير.
أما بالنسبة للمراكز الصحية بولاية الخرطوم يشهد القاصي والداني بقصتها، وكيفية إنشاائها. ونشهد أن معظم المراكز الصحية والمستشفيات الجديدة في العاصمة، قامت وزارة الصحة بولاية الخرطوم بتشييدها، بفكر محدد، وخارطة صحية مجازة من الجهات المختصة، وبعضها بتمويل كامل من وزارة المالية الولائية.
أخلص الى أنه، كنت أتوقع أن يركز الأخ الوزير على التدريب الذي هو من صميم مسؤوليات وسلطات وزارة الصحة الاتحادية. وبالاطلاع على نشاط مجلس التخصصات الطبية نلحظ أن 90% من الدارسين من هم على نفقتهم الخاصة، وليس لوزارة الصحة الاتحادية إسهامات تذكر في تدريب الأطباء الاختصاصيين، على الرغم من أن القرار الرئاسي قد حول الإشراف على مجلس التخصصات الطبية الى الأخ وزير الصحة الاتحادي، مما يلقي بثقله على وزارته في تطوير هذا المجلس، والإيفاء بدعم تدريب الأطباء حتى يتم تعويض الفاقد الكبير في عدد الأطباء الاختصاصيين، بسبب الهجرة وعوامل أخرى. والغريب أن وزارة الصحة الاتحادية زاحمت وزارة التعليم العالي في سلطاتها واختصاصاتها، وذلك من خلال إنشاء معاهد ومؤسسات أكاديمية، مما يُحدث قدراً من تقاطعات بينة مع الجامعات ووزارة التعليم العالي. كما انشأت وزارة الصحة الاتحادية، أكاديمية للتمريض، تخرج ممرضين بالبكالاريوس، وفنيي معامل وفنيي تخدير وعمليات وغيرهم، مع ضعف كوادر هيئة التدريس، وفي مزاحمة بينة مع الجامعات المناط بها هذه المهام. وكنا نفهم أن الوزارة تعنى بالتدريب أثناء ساعات العمل لمساعدي التخدير والعمليات، وتنأى عن منح درجات الماجستير والدكتوراه والتي تتطلب طاقم تدريس مؤهل، ومناهج مدروسة. كان من الأمثل، ان تبعد وزارة خدمية كوزارة الصحة الاتحادية عن هذا الدور.