عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

احتدم الصراع القبلي السياسي بين الرئيس الجنوبي الفريق أول سلفا كير ميارديت ونائبه الأول الدكتور رياك مشار للمرة الثانية، بعد أن كاد اتفاق السلام أن يًخمد أوار الحرب بين الفريقين، إلا أنه تجدد بصورة أكثر ضراوة من قبل، مما يعني انهيار اتفاق السلام، وفشل الأطراف المعنية في التوصل الى تعايش سلمي بين الطرفين. وسارع رؤساء دول الإيغاد (الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة الجفاف) الى عقد قمة استثنائية يوم الجمعة الماضي في أديس أبابا، لحسم موضوع إرسال قوات حفظ سلام الى جنوب السودان الذي صادقت عليه القمة الأفريقية الأخيرة في روندا، إضافة الى بحث شرعية تعيين تعبان دينق نائباً أولاً للرئيس سلفا كير، خلفاً للدكتور رياك مشار. ورحب الدكتور رياك مشار على الفور بقوات حفظ السلام الأفريقية، بينما رفض الرئيس سلفا كير بشدة دخول قوات حفظ سلام بلاده، ثم أعلنت الإيغاد أخيراً أن حكومة جنوب السودان وافقت يوم الجمعة الماضي، على السماح بنشر قوة حماية إقليمية عقب اندلاع القتال العرقي في جوبا الشهر الماضي. وكانت اتفاقية السلام الشامل التي وقعت عليها حكومة جنوب السودان والمعارضة المسلحة في أغسطس 2015، نصت على تقاسم السلطة بين أطراف النزاع، وتشكيل حكومة انتقالية مدتها ثلاثون شهراً تجرى بعدها انتخابات على كل المستويات.

وفي رأيي الخاص، الباحث عن أسباب هذا الصراع الدموي ومسبباته، ومدققاً النظر والبحث، يجد أنه صراع قبلي دموي، أكثر منه صراع سياسي تنافسي على السلطة، بل أنه في حقيقة أمره صراع بين أكبر قبيلتين من قبائل الجنوب، إذ أن جنوب السودان يضم 63 من القبائل الأفريقية وتنقسم الي: (1) القبائل النيلية: مثل الدينكا والنويروالشلك والشيرلوك والأشولي والجور. (2) قبائل نيلية حامية: مثل الباريا واللاتوكا والمورلي. (3) قبائل سودانية بانتوية مثل الزاندى والفرتيت. ويقدر سكان جنوب السودان بما يقارب 8 ملايين نسمة، ولا يوجد تعداد دقيق للجماعات العرقية فيه. إلا أنه يعتقد أن أكبر جماعة عرقية هي الدينكا تليها النوير، ثم الشلك والزاندي.

ومن الضروري الإشارة هنا، الى أن الدينكا، باعتبارهم أكبر قبيلة في جنوب السودان يعتقدون أنهم أحق بالسيطرة على السلطة والنفوذ والمال في جنوب السودان. وأحياناً يشتط بهم الاعتقاد بأن السودان، بما فيه الجنوب قبل الانفصال في يوليو 2011، ظلت تحكمه القبائل النيلية العليا منذ

استقلاله في الأول من يناير 1956. فلا غرو، أن ذهب الفريق جوزيف لاقو نائب الرئيس الراحل جعفر محمد نميري، في محاضرة شهيرة ألقاها بلندن في تسعينات القرن الماضي عن المشكل السوداني، الى أن أُس مشاكل السودان أربع قبائل، ثلاث منهم في الشمال، وواحدة في الجنوب. وسمى في تلكم المحاضرة هذه القبائل الأربع، بأنها قبائل: الجعلية والشايقية والدناقلة والدينكا. وأن قبيلة الدينكا يرون سواهم من القبائل الجنوبية تُبع لهم. ويظنون –وإن بعض الظن إثمٌ- أن قبيلة النوير تشكل عائقاً حقيقاً، وسداً منيعاً، في وجه هذه الطموحات الدينكاوية التوسعية. فلا مناص من إخضاعهم بالقوة والجبروت، ليخلو لهم الجنوب سيادةً وحكماً.

والباحث المتأمل الى هيئة مجلس كبار أعيان الدينكا، يلحظ أن الذين يتصدرونه هم من دهاقنة السياسة، ومن دهاة السياسيين الذين أخذوا كثير درايةٍ ودربةٍ في العمل السياسي، ومُكر ودهاء الساسة من شمال السودان، منذ نشاطهم في عهدهم الطالبي بجامعة الخرطوم عبر منظومتهم الطلابية، ومن ثم اندياحهم في الوزارات والمؤسسات والمنظمات الحكومية أو المنظومات المعارضة للحكومة السودانية طوال نصف قرنٍ من الزمان. وقد اشتد عود هذا المجلس، فصار هو الآمر الناهي لحكومة جنوب السودان من وراء حجاب، إذ تنفذ الحكومة الجنوبية برئاسة سلفا كير أوامره ونواهيه كفاحاً. فلذلك لا غرابة، أن كتب دينق زكريا ضوم عن مجلس كبار أعيان الدينكا، باعتباره، منظومة سياسية تحت غطاء قبلي في أحد المواقع الالكترونية في يناير الماضي، حيث قال عن هذا المجلس أن آراء وأفعال أعضائه ذات صبغة سياسية تمارس تحت غطاء اجتماعي للمجتمع الذي ينتمي إليه، مشيراً الى "أن المشكلة الأساسية في مجلس أعيان الدينكا هذا هو انه فقد الاحساس التام عن وجود مكونات اجتماعية أخرى في جنوب السودان خلاف المكون الاجتماعي الذي يسمي بالدينكا، واصبحوا يتعاملون مع القبائل الأخرى كأنهم لا يملكون الشعور بالفخر والاعزاز بانفسم هم ايضا، بل ذهبوا الى أكثر من ذلك وغدوا يعتقدون بأن القبائل الأخرى لا يعرفون ما يضيرهم أو ما ينفعهم. ولا نخطئ الاعتقاد إن قلنا بأنهم أعطوا لأنفسهم خطأً حق الوصايا على الآخرين من القبائل الثلاث وستين الأخرى التي تكون دولة جنوب السودان في الوقت الحالي".

أخلص الى أن من لم يتفهم جذور هذا الصراع القبلي السياسي الدموي، أنه تنافس محموم بين أكبر قبيلتين في جنوب السودان، هما الدينكا والنوير، لن يفهم حقيقة هذا الصراع الدموي بين الرئيس سلفا كير ونائبه الدكتور رياك مشار، منذ المفاصلة الأولى، عندما أقال الرئيس سلفا كير رياك مشار من منصب نائب الرئيس في يوليو من عام 2013. وظل الدكتور رياك مشار نائباً لرئيس الحركة الشعبية، وبدأ بفرض نفوذه في أوساط الحركة الشعبية لتحرير السودان، كما استقطب الحانقين وذوي المرارات من الرئيس سلفا كير، الأمر الذي بدا دليلاً واضحاً على تمدد تفوذه، وسيطرته على بعض مفاصل الحركة الشعبية. وسنتحدث في الحلقة المقبلة بشئ من البحث والتفصيل عن بداية الشرارة الأولى لهذا الصراع بين هذين الزعيمين الجنوبيين. ومن ثم في الحلقات التاليات سأورد -إن شاء الله- وجهتي نظر الطرفين في شرح أسباب الصراع ومسبباته، لمعرفة خبايا هذا الصراع الدموي في جنوب السودان وأسراره. وأحسب انه من الضروري أن أسوق الحِجاج والمبررات لضرورة سعي الأخ الرئيس عمر البشير الى إقناع الرئيس الجنوبي سلفا كير والدكتور رياك مشار بأهمية انفاذ اتفاق سلام جنوب السودان، ومقررات قمة إيغاد الأخيرة، لإرساء دائم السلام، واستدامة الاستقرار في جنوب السودان.