عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ما زال الكثير من أهليه وأصدقائه وطلابه ومعارفه حزنى على فراقه، وسال في رثائه مدادٌ كثيرٌ، وتدفقت مشاعرٌ نبيلةٌ على القراطيس، حُزناً على وفاة الدكتور الطيب حاج عطية الأستاذ في جامعة الخرطوم يوم الخميس 21 يوليو 2016. وقد كنت من هؤلاء الذين رثوه بمرثياتٍ تُعبر عن حزنهم لفراقه، واصطبارهم على فقده. فالرثاء في اللغة بتصريفاتها، كما جاء في "لسان العرب" لمحمد بن مكرم بن علي أبي الفضل جمال الدين بن منظور الأنصاري الرويفعى الأفريقي بمعنى: "البكاءُ على الميت بعد موته ومدحه وتعديد محاسنه، أو نظم شعر فيه بعد موته". واصطلاحاً الرثاء هو التوجع والحزن، ومنه رثاء النبي صلى الله عليه وسلم لسعدِ بنِ خولةَ رضي الله عنه، كما في البخاري وغيره، فقد رثاه بقوله: "لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ" يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. وقال شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني في "فتح الباري" ".. ويقال رثيته إذا مدحته بعد موته، ورثيت له إذا تحزنت عليه".
فقد استجوب الدكتور الراحل الطيب حاج عطية الكثيرين أن يرثوه، بمرثياتٍ حزيناتٍ، لدامثة خلقه، وتعامله مع الناس أجمعين بخُلق حسن، ومعاشرتهم بطيب قولٍ، وجميل خصالٍ. وأحسب أنه فات عليهم، وأنا من بينهم، الإشارة الى آرائه النيرات حول جنوب السودان قبل انفصاله وبعده، وكذلك مواقفه الصادقات مع الإخوة الجنوبيين منذ آمادٍ طوالٍ. فقد شارك فى مؤتمرات وورش عمل وسمنارات فى مجالات خاصة بقضايا النزاع والأمن والسلام في الجنوب والشرق ودارفور من أهمها: مؤتمر برلين المتعلق بانفاذ اتفاقية نيفاشا للسلام.ومؤتمرات أخرى فى القاهرة وأديس أبابا وكمبالا ونيروبى ودار السلام وبروكسل ولندن وباريس ونيويورك واستكهولم وغيرها. كل ذلك من أجل فض النزاعات، وارساء السلام والاستقرار، بُغية تحقيق التنمية المستدامة في السودان.
فلا غرو أن صدع برأيه كخبيرٍ في فض النزاعات المسلحة، في احدى المؤتمرات، عندما ردد مقولة "لا للحرب ونعم للسلام" قبل بضع سنوات، حيث تعرض الى هجوم واسع من بعض الجهات وأتهم بأنه مخذل. وقال "لكننا كنا نريد تخذيل المخذليين لايقاف الحرب والسعي الى السلام". ودعا الى صياغة عقد اجتماعي جديد بين السودانيين بواسطة برلمان منتخب من الشعب،وكفالة الحريات الصحافية وحقوق التظاهرات السلمية، ورأى أن سكان الأطراف أو الهامش عانوا من الفقر ولديهم شعور انهم مواطنون من الدرجة الثانية. وقال "هذا الشعور أدى الى القتال المسلح بين الحكومة والأطراف المتحاربة المسلحة. وعاب عدم اجراء دراسات تاريخية عن الحروب في السودان".
ساقني الى كتابة هذه العُجالة، رسالة تلقيتها في بريدي الإلكتروني من الأخ مجوك الجاك مجوك مترجم يعمل في الرياض بالمملكة العربية السعودية وأستاذ جامعي سابق في جامعة جوبا، تحدث فيها مُشيداً برثائي لأستاذي الراحل الدكتور الطيب حاج عطية، ومشيراً من خلالها الى مواقف الدكتور الطيب حاج عطية مع الجنوب والجنوبيين، فرأيت بسطها هنا حتى تكتمل الصورة. فإلى رسالة الأخ ماجوك: "الشكر الجزيل على كلمتك الرصينة عن أستاذنا ومربينا البروفسور الطيب حاج عطية، الذي غادر دنيانا فجاءة يوم الخميس 21/07/2016م، عليه رحمة الله وأتمنى أنْ يدخله المولى عز وجل فسيح جناته وأنْ يلهمنا الصبر والسلوان. وأتوجه من خلال هذا التعقيب على مقالكم الرصين إلى كافة أفراد أسرته الكريمة والشعب السوداني (بشكله الدستوري القديم) وجميع طلابه بجميع المستويات، بأحر التعازي للفقيد الكبير في علمه وإنجازاته الأكاديمية، والمتواضع جداً في أخلاقه وشخصه.
لقد درسني الفقيد الإعلام والصحافة وتعليم الكبار وتنمية المجتمع والتعليم على البعد ضمن برامج الدراسات العليا بجامعة الخرطوم منذ عام 1989م. وقد نشأتْ بيننا بشكل خاص علاقة وثيقة، حيث كنتُ أحضر إلى مكتبه بشكل متكرر لأتدرب عملياً مع بعض الصحافيين والإعلاميين الذين كانوا يحضرون إلى مكتبه لنيل مزيد من التوجيهات والنصائح في المجال المذكور. وقد نصحني الفقيد بأنْ أتخصص في درجة الدكتوراه في مجال التعليم على البعد أو دور الإعلام في تعليم الكبار وتنمية المجتمع.

وعندما كان الأستاذ عبدالباسط سبدرات وزيراً للإعلام، قرر تعيين شخصيات من الجنوب في مجالس إدارات المؤسسات الإعلامية القومية، حيث طلب الوزير من البروفسور الطيب حاج عطية ترشيح شخصية إعلامية من (الجنوب) ليكون عضواً بمجلس إدارة وكالة السودان للأنباء التي كان يرأسها وقتذاك الأستاذ النجيب آدم قمر الدين. لم يتردد المرحوم في ترشيحي للمنصب في فبراير 1995م بحكم تدريسه لي، وكنتُ آنذاك موجوداً بمدينة الرنك لمناسبة إجتماعية، وحيث أنَّ مجلس الإدارة ضم شخصه أيضاً، فقد استفدتُ كثيراً من معلوماته الغزيرة عن الوكالة عندما شغل منصب مديرها عام 1985م. وقد كلفنا المجلس (المرحوم وشخصي المتواضع) بتطوير مكاتب وكالة السودان للأنباء في جوبا والفاشر ونيروبي وإنجامينا.

آسف أنني طولتُ عليك التعقيب ولنا لقاءات ولقاءات أخي الأستاذ إمام. رحم الله أستاذنا البروفسور الطيب حاج عطية بقدر ما أعطى من العلم والخبرة لبلده وأمته".