عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مما لا ريب فيه، أن الأحداث الدامية المستمرة في جنوب السودان بين قوات الجيش الشعبي الحكومي بقيادة الرئيس الجنوبي سلفا كير ميارديت وقوات المعارضة بقيادة النائب الأول للرئيس الدكتور رياك مشار، أكدت هشاشة اتفاق السلام المبرم بين الطرفين لانهاء حرب قبلية دامية بينهما أزهقت أرواح عشرات الآلاف من الموطنين الجنوبيين، وأرهقت البلاد اقتصادياً ومالياً من جراء الخسائر المادية التي قُدرات بمئات الملايين، لن تدع المجتمعين الاقليمي والدولي مكتوفي الأيدي، بل تدفعهم دفعاً للتدخل لايقاف نزيف الدم، وانهيار الدولة. فإن كان التدخل السابق أسفر عن اتفاقية سلام، أعادت الدكتور ريك مشار الى جوبا، نائباً أول للرئيس سلفا كير، دون اطمئنانٍ أو ضمانٍ، يتوجس خيفة من الغدر، ليل نهار، فلذلك لم يكتمل بناء الثقة بين الرئيس ونائبه، وكلاهما يتحين الفرص للانقضاض على الآخر، وهذا ما حدث قبل بضعة أيام.
وقد اتهم الدكتور ريك مشار النائب الأول لرئيس جنوب السودان أول من أمس (الاثنين)، الرئيس سلفا كير بأنه لا يرغب في السلام، وذلك بعد تدخل طائرات مروحية تابعة للأخير في الاشتباكات الدائرة بين أنصار الطرفين. وقال مشار في حسابه الرسمي على تويتر "أدعو للهدوء وضبط النفس في هذه المناوشات. أنا بخير. يجب ألا يطبق أحد القانون بيديه لزعزعة استقرار هذا البلد". مضيفاً أن جنوب السودان "يحتاجنا جميعا". ولكن مع هذه المناشدة، تدور معارك عنيفة بالأسلحة الثقيلة بين قوات سلفا كير والمتمردين السابقين بزعامة نائبه مشار في جوبا مع نشر دبابات ومروحيات قتالية وسماع دوي مدافع في أنحاء مختلفة من عاصمة جنوب السودان. وفي أثناء هذه المعارك الدامية يتبادل الطرفان الاتهامات، لاذكاء فتيل هذه الحرب الضروس.
وبشكل جنوني، مثل جنونية هذه الحرب، ارتفع سعر صرف الدولار بدولة جنوب السودان إلى أرقام قياسية، حيث وصل لأول مرة في تاريخ الدولة الوليدة إلى 50 جنيها في السوق السوداء، في حين يبلغ سعره الرسمي 35 جنيها. ويأتي ارتفاع عملة جنوب السودان في ظل تدهور إنتاج النفط، بالإضافة إلى تطبيق الحكومة سياسة تعويم العملة في السوق، وتأخر المانحين في ضخ أموال المساعدات بسبب اتهامهم طرفي النزاع في الدولة بعدم الجدية في إنفاذ اتفاقية السلام الثنائية.
وكان المانحون قد اشترطوا على طرفي النزاع، وهما الحكومة الحالية بقيادة الرئيس سلفاكير مَيارديت، ومعارضيه برئاسة رياك مشار، التوصل إلى اتفاق لإنهاء النزاع بينهما كشرط أساسي من شروط تقديم المساعدات.
وأحسب أن المجتمع الدولي لن يظل يردد الشجب والاستنكار لأحداث الجنوب، فانه سينتقل من هذه المرحلة الى مرحلة أخرى، ويستشف ذلك من بيان بان كي مون الأمين العام للامم المتحدة، حيث قال: "إن على رئيس جنوب السودان ونائبه اتخاذ "إجراء حاسم" لاستعادة السيطرة على الأمن في العاصمة جوبا. وحثهما على إصدار أوامر لقواتهما بوقف الاشتباكات والعودة إلى الثكنات"، مضيفاً "أشعر بإحباط شديد جراء استئناف القتال رغم التعهدات التي قدمها قادة جنوب السودان. هذا العنف الذي لامعنى له، غير مقبول وقد يقوض التقدم الذي أحرز حتى الآن في عملية السلام".
وفي الوقت نفسه، طلب مجلس الأمن الدولي من الدول المجاورة لجنوب السودان، المساعدة في وقف القتال الدائر في هذا البلد، وكذلك زيادة مساهمتها في قوات حفظ السلام الدولية، حسبما ذكر بيان صدر باجماع أعضائه الخمسة عشر، أكد مجلس الأمن أنه "يدين بأشد العبارات" المعارك الدائرة منذ يوم الخميس الماضي، مطالبا الرئيس سلفا كير وخصمه رياك مشار بـ"القيام بكل ما بوسعهما للسيطرة على قوات كل منهما، وإنهاء المعارك بصورة عاجلة".
في رأيي الخاص، أن أحداث الجنوب الدامية الحالية ستفرض واقعاً جديداً لحماية أرواح الأبرياء، ونزوح اللاجئيين الى دول الحوار، وذلك من خلال عملية أُممية تنقذ الدولة الوليدة من الانهيار الكامل. وستكون هذه العملية الأممية المنقذة هي الوصاية الدولية، ونظام الوصاية الدولية أقرته الأمم المتحدة في سنة 1945، بموحب الفصل الثاني عشر من الميثاق للإشراف على الأقاليم المشمولة بالوصاية الموضوعة تحته بموجب اتفاقات فردية مع الدول القائمة بإدارتها. وقد شجع النظام أيضاً احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والاعتراف باستقلال شعوب العالم.
وفي الذاكرة الحاضرة، ما عاشته كوسوفو من حرب دامية مع القوات الصربية التي ارتكبت مجازر وجرائم حرب وتطهير عرقي بحق ألبان الإقليم المسلمين في الفترة بين عامي 1998 و1999، وذلك بعد سنوات من إلغاء الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش عام 1989 الحكم الذاتي الذي كان يتمتع به ألبان كوسوفو، وحَكَم الإقليم بالحديد والنار، مستخدماً أساليب بوليسية وقمعية عنيفة. وكان عام 1998 هو العام الذي لفت أنظار العالم بقوة إلى خطورة الأوضاع في كوسوفو، حيث دخل جيش تحرير كوسوفو في صراع مع الجيش الصربي، فارتكب الأخير مجازر وحشية ضد المدنيين الألبان مما أجبر المجتمع الدولي على التحرك. وفي ربيع 1999، شنت قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، دون موافقة مجلس الأمن الدولي، غارات جوية على كوسوفو وصربيا استهدفت مواقع عسكرية ومدنية صربية شملت أيضا بلغراد عاصمة صربيا، مما أدى إلى انسحاب القوات الصربية من كوسوفو. وفقدت بلغراد السيطرة الفعلية على الإقليم الذي وضع تحت حماية الأمم المتحدة والحلف الأطلسي الذي نشر فيه نحو 17 ألف عسكري.
أخلص الى أن دولة جنوب السودان، حكومة ومعارضة، إن لم تقرأ تاريخ الصراعات الدموية، وكيفية فضها أممياً، والاستماع الى صوت العقل، بعيداً عن المرارات الشخصية والصراعات القبلية، تجد نفسها مرغمةً على قبول الوصاية الدولية، لا سيما أن المجتمع الإقليمي ضاق ذرعاً بهذه الحرب الضروس التي عجز عن كبح جماحها، سيكون مضطراً غير باغٍ لقبول فكرة التدخل الدولي لفرض الوصاية الدولية على جنوب السودان، عليه اذا استمر الحال على ما عليه من حربٍ دمويةٍ لا تذر من الجنوبيين دياراً، فلنقل إن جنوب السودان في انتظار الوصاية الدولية.