عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهدت صلاة الجمعة في الاسبوع قبل الماضي بأحد مساجد الخرطوم، فأثار انتباهي في خطبة تلكم الجمعة، اصرار الامام على أن صلاة التراويح يجب أن تؤدى في المساجد، وألا يفارق المأموم الامام الا بعد اكتمالها، مهما كانت عدد ركعاتها. فكأني به يضيق واسعاً، ويشتط في أمر فيه كثير سعةٍ ويُسرٍ. فلما كنت أعرف القائمين على أمر ذاكم المسجد حدثتهم عن أن خطبة الامام فيها كثير عُسر، واشتطاط قول، فطلبوا مني أن أُعقب على خطبته، فاعتذرت منهم خشية الفتنة. ولكن في حقيقة الأمر استشعرت أن الأمر ينبغي أن يُبسط فيه القول، تأصيلاً وتأكيداً على ما جرت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،وها أنا ذا أفعل ذلك في هذه العُحالة، مُستصحباً ما رُوي عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا". فإن التيسير – يا هداك الله - يشمل ما سهل فيه الشارع ورخص فيه من التخفيف في بعض الواجبات عند العجز كصلاة القاعد، كما يشمل التيسير فيما لم يجب والتيسير في التعامل مع الناس، كما جاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال. وقال الطبري: ومعنى قوله: "يسروا ولا تعسروا"، فيما كان من نوافل الخير دون ما كان فرضا من الله، وفيما خفف الله عمله من فرائضه في حال العذر كالصلاة قاعداً في حال العجز عن القيام، وكالإفطار في رمضان في السفر والمرض، وشبه ذلك فيما رخص الله فيه لعباده، وأمر بالتيسير في النوافل والإتيان بما لم يكن شاقاً ولا فادحاً خشية الملل لها ورفضها، وذلك أن أفضل العمل إلى الله أدومه. ولذلك الاشتطاط في مثل هذه الأمور منهيٌ عنه، لأنه يُشكل عُسراً على الناس.
أحسب أنه ينبغي أن نعلم أن صلاة التراويح أو صلاة القيام في رمضان هي سنة مؤكدة للرجال والنساء تؤدى في كل ليلة من ليالي شهر رمضان بعد فعل صلاة العشاء ويستمر وقتها إلى قبيل الفجر. وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على قيام رمضان فقال:"من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". وقد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة ثم ترك الاجتماع عليها؛ مخافة أن تفرض على أمته، كما ذكرت ذلك عنه أم المؤمنين عائشة.
فالتراويح هي الصلاة التي تصلى في ليالي رمضان، والتراويح جمع ترويحة، سميت بذلك لأنهم كانوا أول ما اجتمعوا عليها يستريحون بين كل تسليمتين، كما قال الحافظ ابن حجر، وتعرف كذلك بقيام رمضان. أما عدد ركعات صلاة التراويح لم يثبت في حديث النبي شيء عن عدد ركعات صلاة التراويح، إلا أنه ثبت من فعله عليه الصلاة والسلام أنه صلاها إحدى عشرة ركعة كما بينت ذلك أم المؤمنين عائشة حين سُئلت عن كيفية صلاة الرسول في رمضان، فقالت: "ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً"، ولكن هذا الفعل منه لا يدل على وجوب هذا العدد، فتجوز الزيادة. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "له أن يصلي عشرين ركعة، كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي، وله أن يصلي ستا وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة، وثلاث عشرة ركعة". ثم استمر المسلمون، بعد ذلك يصلون صلاة التراويح كما صلاها الرسول، وكانوا يصلونها كيفما اتفق لهم، فهذا يصلي بجمع، وذاك يصلي بمفرده، حتى جمعهم عمر بن الخطاب على إمام واحد يصلي بهم التراويح، وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان.
وقد أجمعت كُتب التاريخ والحديث أن صلاة التراويح قد صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة ثم ترك الاجتماع عليها؛ مخافة أن تفرض على أمته، كما ذكرت ذلك عنه أم المؤمنين عائشة. وانتظمت في جماعة في عهد عمر بن الخطاب، وأنها لم تكن تُصلى في عهد أبي بكر، ولا في السنة الأولى من خلافة عمر بن الخطاب. فقد رَوى البخاري عن ‏ابن شهاب ‏عن ‏عروة بن الزبير ‏عن ‏ ‏عبد الرحمن بن عبد القاري ‏أنه قال: ‏خرجت مع ‏ ‏عمر بن الخطاب ‏- ‏رضي الله عنه - ‏ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس ‏أوزاع ‏متفرقون ‏‏يصلي الرجل لنفسه، و يصلي الرجل فيصلي بصلاته ‏‏الرهط. فقال ‏عمر:‏ ‏إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على ‏أبي بن كعب،‏ ‏ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يُصلون بصلاة قارئهم. وَ رَوى الحافظ جلال الدين السيوطي عن العسكري في كتاب الأوائل، قال: وفيها ـ أي في سنة أربع عشرة ـ جَمَعَ عمر الناسَ على صلاة التراويح.