عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

            يواجه الحزب الاتحادي الديمقراطي (الاصل) عاصفة هوجاء من الانتقادات اللاذعة، بغرض التقوبم والاصلاح أو المغاضبة والمضايقة أوالتجريح والسُخرية، ولم تقتصر هذه المضاغضات الانتقادية، على بعض الغاضبين من داخل منسوبي الحزب، أو من خارجه الذين يرون في هذا الحزب العريق أنه بوسطيته واعتداله وسط الأحزاب السياسية السودانية، يُمثل رُمانة الموزانة في الخارطة السياسية السودانية. ومن غرائب المصادفة، أن يتصدر هذه الانتقادات القوية، مقالين مهمين خلال الأيام القليلة الماضية، الأول للأخ الصديق الدكتور حافظ محمد علي حُميدة – من خارج الحزب – الذي نًشر في عدد يوم الأحد الماضي في صحيفة "التغيير"، بعنوان "شهادة وفاة للحزب الاتحادي الديمقراطي"، بينما نعى الأخ الصديق البروفسور بخاري عبدالله الجعلي الحزب في ثلاث صحف (الصيحة والتيار والتعيير) يوم الاثنين الماضي، الحزب الذي أمضى فيه ريعان شبابه، فكراً ونضالاً، فوجد نفسه حالياً، مغاضباً ومغضوباً عليه، فكأني به متأسيا يركن الى فقه المعتزلة في وصف حالها من الحزب اليوم أي في "المنزلة بين المنزلتين". ونعي البخاري لحزبه أوسع من الوفاة، لأن النعي في الاصطلاح اللغوي أوسع منه في اللغة، وفي ذلك قال ابن الأثير "نعي الميت أن يُذاع موته وينتشر". وقال الحجاوي "النعي هو النداء بموته". أما شهادة الوفاة لغةً تعني تحرير شهادة تُؤكد حدوث الوفاة، ورصدها في السجلات، على غرار ما فعل ابن خلكان في سفره الشهير "وفيات الأعيان". ويتساءل المرء هل حقيقة نُعي الحزب من أهله، بعد أن عيل صبرهم، ونفد اصطبارهم؟ وهل بالفعل أُستخرجت شهادة وفاته، تأكيداً لموته، بعد أن طالت مواجعه، وغاب زعيمه؟ أم ما زال التفاؤل هناك، وان خف بريقه، يتراءى للقابضين عليه، والمنتظرين الفرج في حضرة السيد محمد الحُسن محمد عثمان علي الميرغني، آملين أن يُستجاب لدعوات خلفاء الطريقة الختمية ال 614 حضرة من حضرات ولاية الخرطوم خلال شهر البركات والخيرات، شهر رمضان المبارك؟

            أحسب أن هذه العاصفة من الانتقادات التي يواجهها الحزب الاتحادي الديمقراطي حاليا من المغاضبين والمسلمين والساخطين وغير الراضين من منسوبي الحزب وغيرهم. ادعو في هذه العجالة ان يدرس السيد الحسن وأركان سلمه هذه الانتقادات دراسة مستفيضة، المأمول منها ان تقوده الى اجراء مراجعات لكثير من المياه التي جرت تحت جسر قيادته، في غياب وجود الوالد الرئيس السيد محمد عثمان الميرغني.

            لقد تهيأت لي سانحة الجلوس اليه في احدى المناسبات الاجتماعية، فأدركت ان السيد محمد الحسن جد مختلف عن كثير من أهله المراغنة الذين يَرَوْن دائماً ان في الصمت كلاما، فهو محدث لبق لا يتلكأ او يتلجلج عند الإجابة لما يطرح عليه من أسئلة او تساؤلات. ولكن ما حدث في الحزب منذ ان تسنم رئاسته انابة عن والده، من شرخ واضح وهجر مبين لبعض منسوبيه، يستدعي منه الإسراع الى المراجعة والاناة في المعاقبة والحرص على الموائمة، لان هذا الحزب، دعك من التاريخ البعيد، والماضي التليد، هو بلا أدنى ريب، ودون كثير ملاجاجة، هو حزب الوسيطة والاعتدال، ورمانة ميزان الأحزاب السياسية السودانية. واستوقفني في حديثه لإحدى صحف الامس  عن زيارة وفد من الاتحاديين الى لندن للقاء السيد محمد عثمان الميرغني قبل بضعة أسابيع، وآلمني استخدامه للغة عنهم، فيها قدر من المخاشنة، معنى ولفظا، وكما يقول اللغويون ان الألفاظ أوعية المعاني، فمثله ما كان يضطر الى مثل هذه المزالق. ومن جميل المصادفة، اني إبان زيارة ذاكم الوفد كنت بلندن، وعلمت من مجالس المؤانسة اللندنية الكثير عن الزيارة وتداعياتها، ولكن حدثني بالخرطوم من اثق فيه، وهو شخصية مقربة من السيد محمد عثمان الميرغني، ان السيد الميرغني يكن احتراما ملحوظا، وودا عظيما، للأخ طه علي البشير فلا يمكن ان يرفض لقائه ، ولكن كان في معيته شخصية مغضوب عليهامن قبل الميرغني، ولم يكن يرغب في لقائها، لأسباب سياسية وغير سياسية، وعصيانه لتعليمات ابلغه إياها هاتفيا من لندن، ولكنه ضرب بها عرض الحائط، ولذلك اشترط السيد محمد عثمان الميرغني تلكم الاشتراطات. فعلى نفسها وعلى الأخ طه جنت براقش.

            اخلص الى انه على الرغم من كل هذه الانتقادات وتلكم العواصف، الا ان هناك نفرا من رجالات الختمية يعلمون إناء الليل وأطراف النهار، بصدق وتجرد، من اجل لم الشمل وتقريب شقة الخلافات، من خلال العمل على اعادة هيئة الختمية، ككيان جامع، حافظ للعهد، وجلست بالامس القريب مع رسيلي، نستمع الى هذا الجهد المبارك الذي سيبدا بعد شهر رمضان ان شاء الله، وهوءلاء النفر يعملون في صمت من اجل إنجاح هذه المبادرة، وسيتحركون وسط الحضرات التي بلغت في ولاية الخرطوم وحدها 614 حضرة، اضافة الى تلكم الحضرات الممتدة في ولايات السودان المختلفة. فان كان البعض يسارع الى نعي الحزب الاتحادي الديمقراطي، ففي الأفق بريق أمل للاتحاديين في احياء الكيان، وعودة الروح.