بحصافة


إمام محمد إمام

 

ينتظر الكثيرون أن تكون مُخرجات اجتماعات اللجنة السياسية العليا المنعقدة هذه الأيام بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، انفراجاً حقيقياً في علاقة الشريكين، وليست محاولة لتسكين مؤقت للتصعيد والتوترات التي تشوب علاقة الشريكين حالياً. وكان من بُشريات هذه الاجتماعات أن استهلالها كان دعوة اتفق عليها الشريكان يوم الأحد الماضي، تنادي بتواضع الشريكين على العمل جاهدين لإيقاف حالة التوتر والتصعيد في القضايا الخلافية بينهما التي بلغت درجة غير مسبوقة، خلال الأسابيع الماضية، حيث انسحبت الكتلة البرلمانية للحركة الشعبية من المجلس الوطني، احتجاجاً على مناقشة مشروع قانون الأمن الوطني، ثم انسحب وزراؤها من اجتماعات مجلس الوزراء عند مناقشة الموازنة العامة الجديدة، بالإضافة إلى التراشقات والملاسنات التي حفلت بها التصريحات الصحافية لبعض قيادات الشريكين إلى درجة جعلت كثير من السودانيين داخل السودان وخارجه يخشون من تداعيات هذه الخلافات سلباً على السودان كله. وخشي بعضهم من أن تسفر هذه التوترات عن نتائج تشكل مهددات خطيرة على وحدة السودان وأمنه، حاضراً ومستقبلاً.

وأحسب أن هنالك ثلاثة تصريحات صحافية كانت من العوامل الرئيسية في تأزيم العلاقة بين الشريكين، أولها دعوة سلفا كير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ورئيس الحركة الشعبية الجنوبيين للتصويت لصالح استقلال جنوب السودان خلال الاستفتاء المقرر في عام 2011، معتبراً أن بقاء السودان موحداً سيجعل من الجنوبيين "مواطنين من الدرجة الثانية". وتكتسب هذه الدعوة بُعداً روحياً، إذ أنه أطلقها في ختام قداس بكنيسة في جوبا، حيث خاطب الحاضرين قائلاً: ".. عندما تصل إلى صندوق الاقتراع سيكون الخيار خيارك، هل تريد التصويت للوحدة لتصبح مواطناً من الدرجة الثانية في بلدك والخيار خيارك، وإذا أردت التصويت للاستقلال فستصبح عندئذ شخصاً حراً في بلد مستقل سيكون الخيار خيارك وسنحترم خيار الشعب". وتأكيداً لدعوة سلفا كير هذه، قال إدوار لينو القيادي في الحركة الشعبية ل"الشرق الأوسط": ".. إن سلفا كير يعكس ما يدور في أذهان الجنوبيين الآن". ومضى أنهم يرون أن الأوضاع الحالية صالحة للانفصال أكثر من أي شيء آخر. وقال لينو "إن أسباب الانفصال موجودة". وعلى الرغم من أن سلفا كير نفى ما نسب إليه من تصريحات حول الانفصال. وانتقد أجهزة الإعلام، وطالبها بتوخي الدقة في تناول الأحداث، لاسيما خلال الفترة الحالية والبلاد تستعد للانتخابات. على كل من تداعيات هذه التصريحات أنها جعلت كثير من الشكوك تحوم حول حقيقة موقف سلفا كير من الوحدة، ليس على مستوى المؤتمر الوطني، بل على مستوى بعض الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في ملتقى جوبا للإجماع والحوار الوطني. وثانيها حديث دينق ألور وزير الخارجية والقيادي في الحركة الشعبية على منصة المنتدى الذي نظمته بعثة الأمم المتحدة في السودان الذي قال فيه أن الجنوبيين مواطنون من الدرجة الثانية، حيث تساءل قائلاً: "لماذا استمر في الدولة التي تقمعني باسم العروبة والإسلام، إذا جاءتني الفرصة لأختار، لأن التمسك بالدولة الإسلامية يعني أن أغادرها؟". وثالثها دعوة إدوار لينو القيادي في الحركة الشعبية في ندوة بمقر الحركة في الخرطوم بضرورة قيام نفير من الأقاليم لتغيير النظام في الخرطوم، ولكنه استدرك في تعليق له عن هذه الدعوة التحريضية في قناة الجزيرة قائلاً إن دعوته لتغيير النظام في الخرطوم كانت تعني اسقاط المؤتمر الوطني عن طريق الانتخابات المقبلة. هذه التصريحات الثلاثة، بالإضافة الى الانسحابات والتهديدات وغيرها من التصريحات هنا وهناك، شكلت خللاً واضحاً ومستوىً متدهوراً في علاقة الشريكين، مما استدعى التفكير في عقد الشريكين لسلسلة من اللقاءات والاجتماعات لتفريب وجهات النظر وتضييق شقة الخلاف بينهما، والعمل بإخلاص على تحقيق قدر من الوفاق لمعالجة بعض القضايا الخلافية. ومن الضروري في هذا الخصوص أن يعمل الشريكان لتفادي المزيد من تأزيم الموقف، على معالجة التضارب في التصريحات الصحافية التي بلغت مبلغاً خطيراً في الفترة الأخيرة، إلى جانب النأي عن التراشقات والملاسنات بين بعض قياديي الشريكين. ولا بد أن تنتهي اجتماعات اللجنة السياسية العليا للشريكين للخروج من الأزمة الراهنة بوضع خارطة طريق لعمل الشريكين في المرحلة المقبلة لبلورة إجماع وطني، بحيث تعمل الحركة الشعبية جاهدة، بعد بناء الثقة بينهما، على استقطاب المؤتمر الوطني، وإقناعه بالانضمام إلى ملتقى جوبا، ومن ثم يعمل المؤتمر الوطني مخلصاً لجذب أهل ملتقى جوبا، وإقناعهم بضرورة المشاركة في الانتخابات المقبلة، وذلك عن طريق الإسراع في تنفيذ خطوات التحول الديمقراطي، تشريعاً لا تصريحاً، وقانوناً لا وعوداً، لتحقيق الإجماع الوطني الحقيقي لمعالجة قضايا الوطن الشائكة، بدءاً بتضافر الجهود لجعل خيار الوحدة خياراً جاذباً للجنوبيين والشماليين معاً.

أخلص إلى أن الحركة الشعبية كانت تتجه بكلياتها خلال الأسابيع الماضية إلى ضرورة تأزيم الموقف في الكثير من القضايا الخلافية، بُغية أن تتضح بعضاً من ملامح الحل، ذلك في إطار المقولة المأثورة التي تقول "يجب تأزيم الموقف حتى تتضح ملامح الحل"، وهي مقولة عمل بها اليسار السوداني ردحاً من الزمن، كانت ذروة سنام العمل بها في ممهددات ثورة أكتوبر (تشرين الأول) 1964، وبواكير سنوات انقلاب مايو (أيار) 1969، وبعضاً من مقدمات انتفاضة أبريل (نيسان) 1985. وفي الوقت نفسه وتزامناً مع تلك التواريخ وما بعدها، لم تستعفف الحركة الإسلامية من استخدامها في حراكها المنفعل بقضايا التغيير والإصلاح، ضمن أساليب المضاغضة الطلابية التي برعت فيها الحركة الإسلامية دون غيرها من القوى السياسية السودانية. وقد يتساءل البعض هل تحقق للحركة الشعبية من تازيم الموقف اتضاح ملامح الحل؟ للإجابة على هذا التساؤل، يمكن أن نلحظ أن تأزيم الحركة الشعبية للموقف السياسي تصريحاً خطيراً أو انسحاباً متتالياً، نجم عنه قدر من اتضاح ملامح الحل، المتمثل في تواضع الشريكين (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية) على وقف حالة التوتر والتصعيد في القضايا الخلافية، والدخول في حوار صريح لتحقيق إجماع وطني لمناقشة القضايا العالقة من خلال تهيئة مناخ إيجابي للحوار الهادف وبناء الثقة، أملاً في معالجة الأزمة الراهنة. وكان عملاً موفقاً أن يشارك الدكتور نافع علي نافع من المؤتمر الوطني والسيد باقان أموم من الحركة الشعبية عقب اجتماع اللجنة السياسية العليا في الإدلاء بتصريحات صحافية عن اجتماع يوم الأحد الماضي، فجاءت بلغة لينة، اختفت منها خشونة مفردات نافع وجفوة أحاديث باقان، وعملت على تفادي التضارب في التصريحات الصحافية لمثل هذه اللقاءات.

ومن الضروري أن نلفت الانتباه إلى أن هناك مفهوماً خاطئاً لدى الكثير من الساسة السودانيين بأن وسائل الإعلام هي التي تأجج الخلافات، ففي الحقيقة هي ناقلة، واصطلح الفقهاء على أن "ناقل الكفر ليس بكافر"، أي أنها تنقل المعلومة أو التصريح بمهنية دون تلوين أو تزييف أو غرض، فلذلك من الأصوب إذا أخطأ السياسي في تصريح ما أن يعتذر ويصحح الخطأ دون إلقاء اللوم على الإعلام. هكذا يفعل الساسة في البلاد الديقراطية.      

 

Imam Imam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ص الرأي – جريدة "السوداني" – يوم الأربعاء 11/11/2009