أُتيح لي مقابلة البروفيسور ستيفن هوكنج أشهر الفيزيائيين في عالمنا المعاصر، شخصياً ضمن مجموعة من صحافيين وإعلاميين في بريطانيا، وذلك في لقاء خاص عقب تقديمه لمحاضرة عامة، رتبته الجهة المنظمة لتلك المحاضرة، وكانت صحيفة "الشرق الأوسط" هي الصحيفة العربية الوحيدة في ذلكم اللقاء الخاص مع البروفيسور هوكنج، كان ذلك في تسعينيات القرن الماضي، عندما كُلفت من قبل الدكتور فهد الطياش نائب رئيس تحرير "الشرق الأوسط" آنذاك بتغطية فعاليات محاضرة للبروفيسور هوكنج في قاعة ألبرت هول بلندن. وعلى الرغم من أن الدعوة لتلك المحاضرة لم تكن مفتوحة، إذ أنّها كانت بدعوات خاصة لجهات محددة، من بينها كانت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية، إلا أنّ قاعة ألبرت هول الشهيرة كانت ممتلئة بالحضور المدعوين، وكان الحضور مندهشاً لما تضمنته المحاضرة من أطروحات علمية فلسفية، ومن شخصية المحاضر التي كانت تتحرك على كرسي متحركٍ بعجلاتٍ، وتستخدم الكومبيوتر في الكتابة والمحادثة مع الآخرين، وذلك بعد أن تم تطوير نظام كومبيوتري مخصوص له، يحول ما يطبعه إلى كلماتٍ منطوقةٍ، من خلال جهاز الكومبيوتر، ولكن بصوتٍ غريبٍ ليس هو بصوت الآلة، ولا هو بصوت الإنسان العادي، ولله في خلقه شؤون. وكانت تلكم المحاضرة عن "الانفجار الكبير" وأثره في نشأة الكون. وأذكر أنني عندما كتبت عن تلك المحاضرة، حرصت على إيراد حقائق في القرآن الكريم تشير إلى حقيقة الانفجار الكوني العظيم، وإلى حقيقة التوسع الكوني، وكذلك إلى حقيقة المحصلة النهائية لهذا الكون، إضافة إلى ما أشار إليه القرآن الكريم من حقيقة احتواء السموات إلى أجرام كانت كتلة واحدة ثم تفتقت جميع مادة هذا الكون من هذه الكتلة التي ملأت الكون بمادة دخانية، كل ذلك في مقاربة تأصيلية في هذا الخصوص، ومصداقاً لقول الله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ". وقول الله تبارك وتعالى: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ". وقوله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير". في إشارة واضحة إلى أن علماء الغرب، وعلى رأسهم الملاحدة اعترفوا بأن هذا الكون نشأ من العدم، وأن وراء نشأته خالق عظيم، أحسن كل شيء صنعاً، وأحاطه بالعلم والدقة الفريدة، وهناك أشياء أخرى تزيد الذين آمنوا إيماناً.
ولكن البروفيسور هوكنج في كتابه الجديد "التصميم الأكبر" الذي سيصدر اليوم (الخميس) يقدم نظرية جديدة تدحض نظريته السابقة المتعلقة بنشأة الكون، إذ يشير فيها إلى أن "الإطار العلمي لا يترك حيزاً لخالق الكون". وفي مقال نشرته صحيفة "التايمز" اللندنية يوم الخميس الماضي، يخلص البروفيسور هوكنج في محاولة لتقديم مسوغات علمية لنظريته الجديدة، إلى القول "إن الفيزياء الحديثة لا تترك مجالاً للإيمان بأي خالق للكون"، مضيفاً "أنه مثلما أزاحت النظرية الدارونية الحاجة إلى خالق في مجال علم الأحياء "البيولوجي"، فإن عدداً من النظريات الجديدة أحالت أي دور لخالق للكون عديمة الجدوى والحقيقة". ونقلت الصحيفة مقتطفات من كتابه الجديد على صفحات ملحقها، حيث يسعى البروفيسور هوكنج إلى الإجابة عن السؤال: هل كان الكون بحاجة إلى خالق؟ ويجيب على هذا السؤال قائلاً: "لا! وبعيداً عن كون الأمر حادثة لا يمكن تفسيرها إلا بأنها تأتت على يد إلهية، فإن ما يعرف باسم الانفجار الكبير لم يكن سوى عواقب حتمية لقوانين الفيزياء". ويقول البروفيسور هوكنج في كتابه هذا: "لأنّ ثمة قانوناً مثل الجاذبية، صار بمقدور الكون أن يخلق نفسه من عدم، والخلق العفوي هذا هو السبب في أن هناك شيئاً من لا شيء، وفي وجود الكون ووجودنا نحن"، مضيفاً "عليه يمكن القول إن الكون لم يكن بحاجة إلى إله يشعل فتيلاً ما لخلقه". ولم تكتفِ صحيفة "التايمز" اللندنية بالتقديم لكتاب هوكنج الجديد فحسب، بل علّقت عليه قائلة: "إن أهمية كتاب البروفيسور هوكنج تنبع من كونه نكوصاً تاماً عن آرائه المنشورة سابقاً في أمر الأديان. ففي كتابه "A Brief History of Time" "تاريخ موجز للزمن" الذي أصدره في عام 1988، وكان قد تصدر أعلى الكتب مبيعاً لخمس سنواتٍ متتاليةٍ، لم يعترض البروفيسور هوكنج على المعتقدات الدينية، وأوحى بأنّ فكرة الإله الخالق لا تتعارض مع الفهم العلمي للكون. وقال في ذلك الكتاب: إذا اكتشفنا نظرية مكملة، تيسر لنا الانتصار النهائي العظيم للعقل البشري، إذ سيكون بوسعنا أن نحيط علماً بعقل الخالق". ولكن الكتاب الجديد "التصميم الأكبر" الذي كتبه البروفيسور هوكنج بالاشتراك مع الفيزيائي الأميركي لينارد ملوديناو الذي سيصدر اليوم (الخميس) أي قبل أسبوع من زيارة بابا الفاتيكان إلى بريطانيا، يقدم نظرية جديدة تدحض آراءه السابقة، وتفضي إلى "أن الإطار العلمي الكبير لا يترك حيزاً لخالق للكون". وتعيد هذه النظرية الجديدة تركيب معتقدات السير آيزاك نيوتن القائلة "إنّه ما كان للكون أن ينشأ عن فوضى، فقط بسبب قوانين الطبيعة، ولذا فهو من خلق إله". ويقول البروفيسور هوكنج "إنّ الضربة الأولى التي تلقتها تلك المعتقدات جاءت في عام 1992 بتأكيد أنّ كوكباً ما يدور في فلك نجم بخلاف الشمس"، مضيفاً "متصادفات الأوضاع الكوكبية – الشمس الواحدة، وحسن الطالع المتمثّل في المسافة الصحيحة بين هذه الشمس والأرض، وكتلة الشمس نفسها – تنقص كثيراً من عنصر الإثارة وعنصر الإقناع المتصلين بأي دليل على أنّ الأرض صُممت على نحو يهدف إلى إرضائنا نحن البشر"، مشيراً إلى "أن الأرجح هو وجود أكوان أخرى تسمى "الكون المتعدد" – وليس مجرد كواكب أُخرى- خارج مجموعتنا الشمسية"، مبيناً أنّه "إذا كانت نيّة الإله هي خلق الجنس البشري، فهذا يعني أنّ ذلك الكون المتعدد بلا غرض يؤديه، وبالتالي فلا لزوم له".
أخلص إلى أنّ هذا الكتاب الجديد المُثير للجدل، وجد قبل صدوره تأييداً من بعض العلماء، بينما انتقده البعض الآخر، حيث رحب به البروفيسور البريطاني الملحد ريتشارد دوكينغز، عالم الأحياء، الذي اشتهر بكتابه "وهم الإله" الصادر في عام 2006، بنظرية البروفيسور هوكنج الجديدة قائلاً: "هذه هي الداروينية متعلقة بنسيج الطبيعة نفسها، وليس مجرد الكائنات الحية التي تعيش في إطارها، هذا هو ما يقوله هوكنج بالضبط. لست ملماً بكل تفاصيل الفيزياء، لكنني افترضت الشيء نفسه على الدوام". بينما قال البروفيسور جورج إيليس الأستاذ في جامعة كيب تاون ورئيس الجمعية الدولية للعلوم والدين: "مشكلتي الكبرى مع ما ذهب إليه البروفيسور هوكنج هي أنّه يقدم للجمهور أحد خيارين: العلوم من جهة والدين من جهة أخرى. وسيقول معظم الناس حسناً.. سنختار الدين.. وهكذا تجد العلوم أنّها خاسرة".
وأحسب أنّه من الضروري التوقف عند بعض الاضاءات في حياة البروفيسور هوكنج، لمعرفة هذه الشخصية العلمية المهمة، حيث يعتبر البروفيسور هوكنج من أبرز علماء الفيزياء النظرية على مستوى العالم. فقد ولد ستيفن هوكنج (Stephen Hawking) في أكسفورد في المملكة المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية، وكان والداه يعيشان في لندن، غير أنّ اتفاقا كان قد أبرم بين ألمانيا النازية وبريطانيا حول عدم قصف اكسفورد وكمبردج، ولهذا السبب ذهبت والدته إلى أكسفورد لتضعه في أمان. وعاش طفولته أثناء الحرب وبعدها في إحدى ضواحي لندن، حيث كان يقيم العلماء والأكاديميون الإنجليز. وكانت المدرسة التي درس فيها تتبنى منهجاً تعليمياً خاصاً تمخض عنه أن هوكنج لم يتعلم القراءة قبل الثامنة من العمر. ويقول هوكنج إنه كان منذ الطفولة شغوفاً بالألعاب التي كانت تمكنه من التحكم بالأشياء. فكان لا يأبه لشكل الطائرات والقارب التي يصنعها كلُعب طالما أنها كانت تعمل! وعند انتقاله لكتابة أطروحة الدكتوراه في الفلكيات اعتقد أن في ذلك تجسيدا لطموحه القديم: "إذا استطعت أن تفهم كيف يعمل الكون، فستتمكن من السيطرة عليه بطريقة ما"! وأمضى دراسته الجامعية في اكسفورد ومن ثمّ في كمبردج. وقد أصابه مرض (motor neurone disease)  في بداية التحاقه ببرنامج الدكتوراه في كمبردج. وكاد أن يتوقف عن البحث بسبب المرض وعدم وجود أمل في الشفاء والتحسن، أو حتى في وقف التدهور، حيث صارت قدرته على التحكم بأعضائه تقل تدريجياً. بيد أنّ علاقة نشأت بينه وبين فتاة أراد أن يتزوجها دفعته إلى الاستمرار في البحث لكي يستطيع الحصول على عمل لكسب العيش. وقد تزوجها فعلا في عام1965 . واستمر في أبحاثه في مجال النظرية النسبية حتى عام 1970. وفي الأعوام 1970  1974 - بحث في مجال الثقوب السوداء. وانتقل بعد ذلك إلى البحث في مجال المقاربة بين النظريتين النسبية والكوانتية. وأصبح هوكنج منذ حين، من أشهر الفيزيائيين في العالم المعاصر، حتى يقال إنّه الأكثر شهرة بعد ألبرت اينشتاين. ويعتبر هوكنج نموذجاً في التحدي والصبر، ومقاومة المرض وإنجاز ما عجز عنه الأصحاء، إلى الجانب العلمي. كما يتميّز البروفيسور هوكنج بروح الدعابة، وهو يحرص على الأعمال الخيرية المتعلّقة بمساعدة الطفولة وقرى الأطفال، وشارك في مظاهرات ضد الحرب على العراق.
ومما لا شك فيه أنّه بنظريته الجديدة استعدى عليه المؤسسات الدينية، وبعض رجال الدين في الغرب، على الرغم من أنّه كان من العلماء الذين يجدون تعاطفاً وتأييداً من تلك المؤسسات، نتيجةً لنظريته السابقة في نشأة الكون. وأُعتبر ما جاء في هذا الكتاب الجديد نكوصاً تاماً عن آرائه المنشورة سابقاً في أمر الأديان. ولنستذكر جميعاً في هذا الصدد، قول الله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ. وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُون. وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون".
 وقول الشاعر كعب بن زهير بن أبي سلمى:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني     سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها     والنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل        لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
Imam Imam [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]