(قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ)

صدق الله العظيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إن ما حدث في مستشفى أمدرمان، يوم السبت 24 سبتمبر، من إعتداء من قبل مرافقين لمصاب مطعون، بالضرب على الأطباء، والممرضين، وتحطيم بعض الأجهزة والأدوات، وإصابة بعض المرضى، مما أدى الى وفاة أحدهم، أمر مؤسف، غاية الأسف، ومحزن من أي النواحي أتيته .. وهو لا يشبه الشعب السوداني، الطيب، الصابر، وإنما يعكس مدى بعيداً من التدهور، الذي ألم بحياتنا المادية في كافة وجوهها، ثم إنتقل الى أخلاقنا، وقيمنا، فزعزعها، وهزها، وأوشك أن يطيح بها، ليتركنا بلا شئ !!
وقد نرى من الوهلة الأولى، أن الخطأ هو خطأ هؤلاء المواطنين، الذين بدلاً من إحترام الطبيب، الذي يريدون منه إنقاذ إبنهم أو أخيهم أو صديقهم، قاموا بضربه، وحطموا بعض الأدوات والمعدات، هي بالأساس ملك الشعب السوداني !! ولم يلقوا بالاً لإحترام الطبيب، ولا حرمة القانون، ولا أخلاقنا السودانية، التي تحثنا على الصبر، في أشد المحن .. ولكن هؤلاء أناس، لديهم شخص عزيز عليهم، مطعون، وينزف، وقد أسرعوا به الى المستشفى، يلتمسون سرعة إنقاذه، فإذا بهم لا يجدوا دواء، ولا إسعافاً، بل لعلهم شعروا أن الأطباء يعاملونهم بصورة باردة، ربما كان فيها شيئاً من العادية، أو عدم الإهتمام، أو عدم إظهار الإسراع في محاولة الإنقاذ، حتى توفى صاحبهم، أمام أعينهم، وهو ينزف، دون أن يفعل له الأطباء شئياً !! مما جعلهم يحسون بقدر كبير من الإستفزاز، والإهانة، والإستهتار، عبروا عن رفضه، وإدانته، بما فعلوا .. فهل كان يمكن ان يتوقع منهم، غير الغضب والإنفعال، وما يترتب عليه من تجاوز العقل والحكمة ؟!
جاء في بيان لجنة الأطباء (في يوم الأمس 24 سبتمبر حضر مريض مطعون في 3 مناطق في الصدر والظهر، حيث بدأت عملية اسعافه حال وصوله. ولكن حالة المريض كانت متدهورة نسبة لفقده ما يزيد عن 3 لتر من دمه إثر نزيف حاد داخل الصدر، واخبر اهل المتوفي بان المريض في حالة خطرة ويحتاج لعملية فتح صدر استكشافية عاجلة لا يمكن اجراؤها في مستشفى امدرمان، ولكن توفي المريض قبل تحويله. ما دفع مرافقيه الي الاعتداء على احد الاطباء بقسم الاصابات كما اعتدو حتى على بعض المرضى المنومين بالحوادث وقاموا بتكسير محتويات غرفة الحوادث وحاولوا الاعتداء على بقية الاطباء والممرضين الذين أخرجتهم القوات الامنية المتواجدة بالمستشفى. كما توفيت مريضة أخرى أتت في حالة حرجة لم يستطع الاطباء اسعافها لتلك الاحداث) (حريات 25/9/2016م) وبيان لجنة الأطباء هذا، ليس واضحاً بالقدر المطلوب، لتوعية الرأي العام .. فمتى وصل المصاب المستشفى ومتى توفى ؟! وإذا كان أهل المريض، قد أخطروا منذ البداية، أن العملية لا يمكن إجراؤها في مستشفى أمدرمان، فلماذا ظلوا في مستشفى أمدرمان؟ وهل أخطروا بالمكان الذي يجب أن يذهبوا إليه لأنه يمكن أن تجرى فيه العملية ؟! وهل تم إيقاف النزيف، وإعطاء المريض دم، حتى لو أخذ من أهله، قبل موضوع العملية الإستكشافية ؟! ثم هل تم حوار بين المرافقين والطبيب، قبل أن يتم الإعتداء، أم أن أهل المريض قاموا بمجرد وفاته، بضرب الأطباء وتحطيم المستشفى ؟! وإذا تم حديث، هل قال الأطباء أو الممرضين ما من شأنه استفزاز المرافقين للمصاب ؟!
ولعل الأطباء لم يفعلوا شيئاً، لأن المستشفى خالية من ضروريات الدواء، وخالية من أبسط المعدات.. فقد جاء في بيان لجنة الأطباء (… سوء البيئة الصحية في المستشفى وانعدام الاكسجين وسيارات الاسعاف والادوية المنقذة للحياة. فمستشفى امدرمان يعالج في اليوم الواحد اكثر من 1500 مريض في قسم الحوادث ويوجد ما لا يزيد عن 10 اسطوانات اكسجين فقط! ولا توجد بالمستشفى عربة اسعاف كما يجد الاطباء – قليلي العدد- صعوبة في علاج المرضى بسبب عدم توفر الادوية والفحوصات وغيرها. كل هذا وغيره مما سنتحدث عنه في حينه، ادى وسيؤدي الي مثل ما حدث)(المصدر السابق) يضاف الى كل ذلك، ما يعاني منه الأطباء أصلاً من ضغوط نفسية، بسبب ضعف المرتبات، وتفاغم الغلاء، وعدم قيام الدولة بتوفير التدريب .. هذا الى جانب ما سبق أن تعرضوا له، من إعتداءات، وإساءات، من قبل رجال الأمن والشرطة، وإعتقالات، بسبب العمل النقابي، وبسبب احتجاجهم على سياسة خصخصة الصحة، وما تم من تحطيم من قبل الحكومة لميز الطبيبات في بحري، وفي المعمورة .. ثم مواقفهم ضد بيع مستشفى الخرطوم، ومستشفى أمدرمان، وصوتهم العالي ضد سياسات جعل العلاج سلعة، ومعارضتهم لاستغلال وزير الصحة، مأمون حميدة، لإمكانات الدولة، لتحطيم المستشفيات الوطنية، لكي تزدهر مستشفياته الخاصة.
لقد ساهم عدد من الإطباء الشرفاء، مع شبان شارع الحوادث، في تأهيل بعض أقسام المستشفيات بالعون الذاتي .. وساهم بعضهم، مع قلة دخلهم، في شراء بعض مستلزمات العمليات، التي يقومون بها !! وخفض عدد منهم تكلفة العلاج للفقراء، ورفض بعضهم، أن يأخذ منهم أي مبلغ. والآن نرى مجموعة منهم، يتطوعون مع شباب وطنيين، لمعالجة وباء الكوليرا، بمجهوداتهم الذاتية، بعد أن عجزت الحكومة، عن رفعه كحالة وباء تستلزم العون الدولي.
على أن بيان الأطباء، في القضية الحاضرة، لم يكن موفقاً، إذ جاء فيه كحل للمشكلة (ونحمل الادارات الصحية بكل مستوياتها مسؤولية ما حدث ونعزو ذلك للاتي:
1 -عدم وجود قانون يحاسب المعتدين في المستشفيات لحماية الاطباء اثناء ممارسة عملهم.
2 -عدم وجود قوات امنية كافية لتأمين المؤسسات الصحية)(المصدر السابق). والإدارات الصحية، هم مجرد موظفين، وربما كانوا من زملائهم، من الأطباء القدامى .. وهم لا يستطيعون أن يوفروا للمستشفيات، إلا ما تمنحه السياسة العليا للدولة، فإذا كانت ميزانية الصحة، بشقيها العلاجي والوقائي لا تزيد 2% من الميزانية العامة، فكيف تستطيع الإدارات الصحية تأهيل المستشفيات ؟! ثم ألا يعي هؤلاء الأطباء، أن مطالبة حكومة الاخوان المسلمين، بوضع مزيد ن القوانين، والقوات الأمنية، إنما هو إطلاق ليدها للمزيد من البطش بالأبرياء ؟! إذ يمكن أن تقام وحدة أمن، يدعمها قانون يعطي رجال الأمن والشرطة، الحق في الإعتقال، والضرب بالنار، ويعلن أن هدفه الوحدة الأمنية، هو حماية المنشأة العلاجية، في حين أن هدفها الحقيقي هو ضرب الأطباء أنفسهم، إذا أضربوا، أو إعترضوا على سياسة الدولة، أو حاولوا تكوين نقابة حرة، ومستقلة. ويمكن أن تكون هذه الوحدة الأمنية، موجودة في المستشفى، ثم يعتدي رجال الأمن على الأطباء، ولا تتدخل، بحجة أن لديهم حصانة !!
إن المسؤول الحقيقي عن ما حدث، ليس الإدارات الطبية، كما ذكر بيان لجنة الأطباء، وإنما هو حكومة الإخوان المسلمين، في قمتها، إنها مسؤولية كبيرهم، السيد رئيس الجمهورية، بصورة خاصة، وذلك لأنه قد ظل طوال حكمه، يصرف على نفسه، وعلى القصر الجمهوري، ومؤسسة الرئاسة، أكثر مما يصرف على الصحة !! فقد جاء: (فميزانية 2016 خصصت 16.9 مليار جنيه للأمن والدفاع، من بينها 3 مليار و 356 مليون و600 الف جنيه لجهاز الامن . وخصصت لمصروفات الاجهزة السيادية 3 مليار و321 مليون و 595.620 الف جنيه ... و571 مليون جنيه للصحة ! وخصصت ميزانية 2015 .....للصحة 4. 779 مليون جنيه. وخصصت للقصر الجمهورى 711 مليون جنيه، بينما خصصت لدعم جميع المستشفيات الحكومية 349 مليون جنيه ولدعم الادوية المنقذة للحياة 245 مليون جنيه ولدعم العمليات بالمستشفيات فقط 24 مليون جنيه. بمايعنى ان مصروفات القصر تعادل أكثر من ضعف المخصص لدعم جميع المستشفيات ! وأكثر من ثلاث مرات المخصص لدعم الادوية المنقذة للحياة ! وأورد تقرير صحفى بالشرق الاوسط مايو 2015 ان سيارة عمر البشير المايباخ تكلف 2.3 مليون دولار، وكشفت صحيفة التيار 2 نوفمبر 2011 عن شراء القصر الجمهوري لعربتين جديدتين من طراز مايباخ تضافان الى أسطول عرباته من المرسيدس والبي أم دبليو. وقالت ان القصر الجمهوري تعاقد مع مهندس ألماني بغرض صيانة العربتين ! ودشن عمر البشير 26 يناير 2015 مقره الرئاسى الجديد المهيب المكون من ثلاثة طوابق على مساحة 18 ألفا و600 متر مربع منه 15 ألف متر مربع حدائق وتقدر تكلفته بملايين الدولارات .. واشترى القصر الجمهوري "يخت رئاسي" بحوالي 5 مليون دولار، وكلفت الفلل الرئاسية 28 مليون دولار .وفي ميزانية عام 2005 وبناءً على مراجعة ديوان المراجعة العامة رصد للقطاع المطري التقليدي 300 مليون دينار للتنمية ولكن عند التنفيذ صرف على هذا القطاع 100 مليون دينار فقط، ولكن كهرباء الفلل الرئاسية اعتمد لها 659 مليون دينار وعند التنفيذ صرف عليها ضعف ذلك المبلغ!! بما يعني أن الصرف على كهرباء الفلل الرئاسية يفوق الصرف على تنمية القطاع التقليدي حيث يعيش أكثر من 50% من السودانيين !... وكان متوسط الصرف على رئاسة الجمهورية طيلة عشرة سنوات حوالى 11 % من جملة المنصرفات الحكومية !)( حريات 26/9/2016م).
هذا السلوك غير الرشيد، المتسم بالسفه، واللامبالاة، وقصر النظر، والنرجسية، هو الذي أصاب الوطن بالمحن التي ما محنة الأطباء إلا واحدة منها .. فعلى الأطباء أن يعلموا أن عدوهم ليس الشعب، ولا أفراده الغاضبين، لعدم حصولهم على العلاج .. وإنما عدوهم، هو عدو البلد بأسرها، هو حكومة الإخوان المسلمين ..
وبالرغم من الظروف القاسية، التي يعمل فيها أطباؤنا، فإن عليهم أن يؤهلوا أنفسهم، في إنشاء العلاقة بينهم وبين المرضى .. فبالرغم من أن لدينا أطباء، محبوبين من الناس، لحسن معاملتهم، لدينا الكثيرين ممن لا يخلقون علاقة مع المريض، ويعاملونه بكل برود، وقد يعطيه أحدهم العلاج دون أن يحدثه عن مرضه، أو يسمع منه شكواه . ومعلوم أن شعور المريض تجاه الطبيب، وأحترامه له، إنما ينبع بالإضافة الى التأهيل العلمي للطبيب، من هذه المعاملة .. وهذا الشعور بالثقة، هو أس الرجاء في العلاج. كما أننا نلاحظ، أن كثير من أبنائنا الأطباء، لا يشعرون المريض، بأنهم منزعجون لحالته الخطيرة، أو لإصابته البالغة، في الحوادث .. فقد تجد بعضهم، أو بعض الممرضات والممرضين، يضحكون، ويمزحون، المصابين حولهم ينزفون، ويصيحون من شدة الألم !! إن العادية والروتين، الذي يقتل مشاعر التعاطف، يقضي أيضاً على العلاقة الإنسانية، بين المريض والطبيب. وإن التربية التي تقوم على التعاطف الإنساني، هي التي تجعل من الطب مهنة إنسانية، وتميزة عن الحرف الأخرى، التي يتعامل خبراؤها مع الآلات، بين يتعامل الطبيب مع البشر.. فإذا عجز الطبيب عن الإبتسامة في وجه المريض، وإشعاره بالإهتمام، وبالمودة، فهو طبيب فاشل، لا يشرف هذه المهنة الرفيعة، مهما كانت شهاداته وخبرته.
ولابد من ان يستمر الأطباء في إنشاء نقاباتهم المستقلة، وفي المطالبة بتحسين وضع الصحة في البلاد، والإضراب عن العمل، إنما يجب أن يكون بسبب هذه القضايا الرئيسية، ومشاركة شعبهم غضبه، ضد حكومة الإخوان المسلمين، حتى تزول، وتنهض بزوالها المؤسسة العلاجية، مع غيرها، من مؤسسات هذا الوطن الجريح.
د. عمر القراي