عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هذا المقال، ليس كأحد المقالات التي ألفها القراء عنا، من حيث القصد المباشر إلى الموضوع، والتحليل للأخبار، بغرض الوصول إلى رأي محدد .. وإنما هو مقال يقوم على إيراد وثائق، تتعلق بالنضال من أجل تحقيق استقلال السودان. وهي وثائق، أخفيت عمداً ومع سبق الإصرار، وقام بذلك العمل السيئ، كافة القوى السياسية، التي وجدت الفرص للمشاركة في حكم هذا البلد، منذ أن جلا الإستعمار الثنائي، قبل ستين عاماً. فلم تدرس المواقف البطولية في مادة التاريخ للنشئ، ولم تنشر الوثائق على الشعب السوداني في الصحف، وفي وسائل الإعلام المختلفة، في مؤامرة ظاهرة، لإخفاء الدور الوطني الأساسي، لأن الذي قام به هو الحزب الجمهوري، الذي شوه أفكاره الفقهاء، ورجال الدين، وجماعة الإسلام السياسي، حين جهلوا أفكاره التي يدعولها، وعجزوا عن منازلتها، في ميدان الوعي، والحوار الجاد.

    ظهر الحزب الجمهوري، في الساحة السياسة في عام 1945م، مناهضاً بصورة مباشرة للإستعمار، مطالباً بالجلاء التام، وقيام حكومة سودانية، مستقلة، على النهج الجمهوري. وفي ذلك الوقت، كانت الأحزاب الأخرى الكبرى، تتبنى خطاً مهادناً للإستعمار، يدعو دعاتها إلى قيام حكومة سودانية، تتحد مع مصر، وتتحالف مع بريطانيا !! أي تآلف كلا شطري الإستعمار وهما الإنجليز والمصريين، ثم تبني هذا الموقف الضعيف مؤتمر الخريجيين نفسه !! جاء عن ذلك ( ورفض الحزب الجمهوري الوثيقة التي إئتلفت عليها الاحزاب الأخرى في 25 أغسطس 1945م وتبناها المؤتمر في اكتوبر 1945م لأنها تختلف في جوهرها عن دستور الحزب. وقد سبقت الإشارة الى أن أحد بنود الوثيقة ينص على قيام حكومة سودانية ديمقراطية حرة في اتحاد مع مصر وتحالف مع بريطانيا. وفي معرض تعليقه على هذا البند قال الحزب الجمهوري " إننا لا نفهم لماذا نتقيد باتحاد وتحالف فنضع بذلك حق البلاد الطبيعي في الحرية موضع المساومة بأن ندفع ثمن الحرية إتحاداً مع هذه أو تحالفاً مع تلك " ) (فيصل عبد الرحمن على طه : الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان . ص 231). ولم يقف الحزب الجمهوري، عند رفض وثيقة الأحزاب، بل ندد بالأحزاب الكبيرة، التي وقفت هذا الموقف الخائر، وسعى إلى تحرر الشعب من زعامتها، وإثارته ضد الإستعمار .. فجاء منشور الحزب الجمهوري يقول ( هذا نذير من النذر الأولى ... ياجماعة الأشقاء وياجماعة الأمة – أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة – أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة، أيها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها ..

    ياهؤلاء، وهؤلاء، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء الى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون ابقاء المصريين، وأنتم تريدون ابقاء الانجليز، فإذا اجتمعت كلمتكم فإنما تجتمع على ابقاء المصريين والانجليز معا .. ياهؤلاء، وهؤلاء، أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لاتقوون على مواقف الرجال الأشداء، وأنتم تتمسحون بأعتاب الانجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صورا شوهاء .. أنتم تريدون السلامة، وأنتم تريدون الملك .. أنتم تضيعون البلاد لمّا تجبنون وأنتم تضيعون البلاد لمّا تطمعون .. أنتم تستغلون سيدا لايعرف ماتريدون، وأنتم يستغلكم سيد يعرف مايريد، والبلاد بينكم أنتم، وأنتم، على شفا مهواة ومهانة .. فليلطف الله ببلاد لايخدم نهضتها الا صغار الموظفين، أو كبار الموظفين، وليتدارك الله دينا باسمه يحيا أناس في برد العيش، وقرار النعمة، ورخاء الدعة، وباسمه هم لأبنائه يكيدون ..

    ياهؤلاء، وهؤلاء : ان الله لواحد، وان الدين لواحد، وان الوطن لواحد، ففيم تنقسمون على هذا النحو المزري. ياهؤلاء، وهؤلاء : كونوا ليوثا غضاباً، أو فكونوا قردة خاسئين، وارحموا شباب هذا الوادي المسكين، فقد أوسعتموه غثاثة وحقارة وهوانا ..
    ياهؤلاء، وهؤلاء – لأنتم أشأم على هذه البلاد من كل شؤم وشؤم .. أيها السادرون من هؤلاء وهؤلاء، لاتحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوماً تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوماً يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة ....)( ارشيف الجمهوريين: منشور 1945م).

    وحين لام الحزب الجمهوري، الأحزاب الكبيرة على عدم مصادمة الإنجليز، قام هو بهذا الواجب، فكتب المناشير المنددة بالاستعمار، ووزعها على الشعب، وخاطب الناس مباشرة، وكان نتيجة ذلك الإعتقالات، فقد جاء ( مثل الأستاذ محمود محمد طه المهندس أمس أمام قاضي الجنايات المستر مكدوال متهما من بوليس الخرطوم تحت قانون التحقيق الجنائي لتوزيعه منشورات سياسية من شأنها الإخلال بالأمن العام، وقد أمره القاضي أن يوقع على صك بكفالة شخصية بمبلغ خمسين جنيها لمدة عام لا يشتغل خلالها بالسياسة ولا يوزع منشورات. أو يودع السجن لمدة سنة إذا رفض ذلك .. ولكن الأستاذ محمود رفض التوقيع، مفضلا السجن، وقد اقتيد لتوه إلى سجن كوبر)( الرأي العام – 3/6/1946م).

    ولم يصمت أعضاء الحزب الجمهوري، عن إعتقال رئيس الحزب، فجاء ( هذا بيان نذيعه على المواطنين والرأي العالمي العام ولحكومة السودان ان تكذبه على شرط أن تتألف لجنة من المواطنين تمثل فيها الصحافة للتحقق من صحة الأخبار وإلا فالخبر قائم صحيح لا يرقى إليه الشك وسيترتب عليه قيام قضية طرفاها الحزب الجمهوري وحكومة السودان.

    نقول بصدق كل الأخبار التي نشرتها الصحف المحلية ونزيد بأن محموداً قد هدد بالكلابش ووضع في زنزانة وادخل غرفة بها مريضان بالسل وهما في الطور الأخير من المرض ليس عليهما رقابة تحول بينهما وبين البصق أمام مدخل الزنزانة التي وضع بها الرئيس-وليت سلطات السجن وقفت في معاملتها عند هذا الحد ولم تمنع محموداً الماء للوضوء مما اضطره لأخذ الماء من نفس الإناء الذي يستعمله أولئك المرضى- كل هذا يدل دلالة واضحة على أن إدارة السجن أو من يسير السياسة العليا للسجون لم يفتهم التفكير في محاربة رجال الحركة الوطنية حرباً خفية سلاحها الجراثيم الفتاكة.

    أما عن البيان الرسمي فيظهر أن نائب السكرتير الإداري للشؤون السياسية لم يكن مطمئناً إلى معلوماته الرسمية إطمئناناً يمكنه من قبول اقتراح سكرتير الحزب الجمهوري القائل بمقابلة محمود محمد طه للتحقق من صحة تلك المعلومات الرسمية.
    أمين محمد صديق-سكرتير الحزب الجمهوري)( الرأي العام 4 يوليو 1946م)

    وخشية من أن تثير بيانات الحزب الجمهوري الشعب، وخاصة أن الصحف المحلية كانت تقوم بنشرها، بادرت الحكومة الإستعمارية، بإذاعة بيان يستهدف تهدئة الأوضاع .. فقد جاء ( بيان رسمي من مكتب السكرتير الإداري عن رئيس الحزب الجمهوري: "ظهرت بيانات في الصحف المحلية حديثا بخصوص محمود محمد طه الذي هو الآن تحت الحراسة بالخرطوم بحري نتيجة لرفضه أن يمضي كفالة المحافظة على الأمن.. وهذه البيانات قد احتوت على معلومات غير دقيقة، والحقائق كالآتي: لمدة يومين رفض محمود محمد طه أن يشتغل، وهذا يخالف قوانين السجن فلم يعمل له أي شئ في اليوم الأول، أما في المرة الثانية فقد حكم عليه بالبقاء ثلاثة أيام "بالزنزانة" و "الأكل الناشف" ولو أنه رفض أيضا أن يقف عند الكلام مع ضابط السجن فان العقوبة التي نالها الآن لم تعط له نتيجة المخالفة لنظام السجن، وبهذه المناسبة يجب أن يعلم أن كل المساجين مهما كانت جنسياتهم ، يجب أن يقفوا الى ضابط السجن انجليزيا، كان أو سودانياً ) ). الرأي العام 26/6/1946م).

    وكما صعّد الأستاذ محمود المقاومة من داخل المعتقل ورفض الإنصياع لأوامر السجانين أو الوقوف لهم، لم يكتف الحزب الجمهوري، بالمنشورات والبيانات .. فقد جاء (إجتمع أعضاء الحزب الجمهوري مساء أمس وساروا في موكب إخترق شارع الملك بالخرطوم وقد خطب منصور عبد الحميد في إحدى المقاهي التي صادفتهم في الطريق فاعتقله البوليس للتحقيق وقد سمح لخمسة من زملائه أن يحضروا معه التحقيق ومنع البوليس الباقين من الدخول. واستمر التحقيق إلى ما بعد منتصف الليل حيث اطلق سراح المقبوض عليه بضمانة وكان الغرض من الموكب والخطبة الاحتجاج على اعتقال رئيسه والتنديد بقانون الخفاض)( الرأي العام 25 سبتمبر 1946م)

    وجاء أيضاً (إعتقل البوليس مساء أمس سعد صالح وعثمان عمر متولي العتباني ومنير صالح عبد القادرعندما كانوا يخطبون منددين بسياسة الحكومة أمام دار سينما الخرطوم بحري ولعض المقاهي. وقد اعتقلهم بوليس الخرطوم بحري وأرسلهم إلى الخرطوم. وما زال هؤلاء في الحراسة حتى الآن)( الرأي العام 26/9/1946م)

    وجاء أيضاً (إعتقل بوليس الخرطوم بحري مساء اليوم ذا النون جبارة وعبد المنعم عبد الماجد أعضاء الحزب الجمهوري عندما ألقيا خطابين أما السينما الوطنية ونددا فيهما بالمجلس الاستشاري وقانون الخفاض وكبت حرية الرأي والخطابة وبإعتقال هذين بلغ عدد المعتقلين من الحزب الجمهوري خمسة ما زالوا في السجن)( الرأي العام 27/9/1946م).
    ورغم كل ذلك لم تتدخل الأحزاب الكبيرة ولم تطالب باطلاق سراح الجمهوريين ولم تتضامن معهم بل إكتفوا بأن يكونوا في مقاعد المتفرجين !!

    وفي تصوير ذلك السجن الأول، وما يحوي من مشاعر الوطنية الصادقة، سطر الشاعر الفذ محمد المهدي المجذوبـ في مارس 1947م قصيدة طويلة جاء فيها :

    محمود يا ابن محمد لك أسوة * أوعيت محنة يوسف تأويلا
    وطن وهبت له الشباب منضداً * ورأيت أجمل ما وهبت قليلاً
    بات الرجال على الخيانة والخنى * وجعلت قيدك للوفاء مقيلا
    الفجر منتظر حداءك صافياً * بهدى السماء ونورها مشمولا
    تلقي البلاد الى يديك زمامها * بطلاً يعود بفخرها موصولا
    فرداً على آي النبي وشرعه * عدلاً يقيم على البلاد عدولاً
    وهو الأمين وسوف يسأل معجب * أتراه يبعثه الرسول رسولا
    قلبت يا وطني السيوف كثيرة * حتى وجدت حسامك المأمولا
    أنظر حسامك ذو المضاء محجب * في السجن يبرق حده مصقولا
    محمود يلمع في عماية كوبر * مثل الهلال وضاءة ونحولا
    الله طهر اصغريه ومده ظلا * على أهل الحقوق ظليلا
    الصايم القوام بين قيوده * يتلو الكتاب منزلاً تنزيلا
    خشعت له من كوبر انحاؤها * وتسمعت في ليلها ترتيلا
    مسحت تلاوته على آثامها * فبكت هناك متابها مجهولا
    محمود برأك العليم من الهوى * وأحق فيك على الحياة دليلا
    الفجر أنت على النفوس ولم * يكن بسواك نور هداية مكفولا
    أنت الغياث لموطن ابناؤه * تركوه بين عيونهم مخذولا

    وهذا الحدث البطولي، الذي أثر في شاعرنا الكبير، رحمه الله، كان أثره ممتداً إلى كل الشعب، بمختلف فئاته، حيث أرسل المواطنون البرقيات، تهنأة، حين اطلق سراح الأستاذ محمود .. ويكفي أن نذكر هنا، نذراً يسيراً من تلك البرقيات، التي وردت للحزب الجمهوري آنذاك، عرفاناً لأصحابها الأحياء منهم، والأموات، فقد دخلوا بها التاريخ :
    ( سكرتير الحزب الجمهوري – أم درمان
    كان سجن الرئيس درساً وطنياً قيما لشباب الجيل في الإيمان والروح وقد سررنا لخروجه لا شفقة عليه ولكن ليواصل الجهاد الوطني . حسن بابكر – القضارف 24/7/1946).
    ) محمود محمد طه – الحزب الجمهوري أم درمان :
    تأكل النار الصدأ واللمما وبها يسمو كريم الذهب
    ويرى الحر العذاب المؤلما لذة في الحق يا للعجب
    ياسجينا قدره قد عظما وسما حتى جثا في السحب
    أحمد محمد عثمان – عطبرة 29/7/1946)
    ( الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري – أم درمان
    أعضاء جبهة المؤتمر الوطنية بالابيض يرون في خروجك من السجن آية واضحة للإيمان بالوطنية الصادقة ويعدّون جهادكم رمزا للكرامة السودانية، فبقلوب مفعمة بالغبطة يشاركون إخوانهم الجمهوريين السرور بعودتكم لميدان الجهاد. السكرتارية 24/7/1946)

    ) أمين صديق ، البوستة الخرطوم للرئيس
    دخلته رجلا وغادرته بطلا وضربته مثلا
    علي عبد الرحمن – الأبيض 32/7/1946م)
    ( سكرتير الحزب الجمهوري – الخرطوم
    إن جميع أعضاء الجبهة الوطنية بسنجة مستبشرون بالإفراج عن رئيس حزبكم العظيم وهم جميعا يبتهلون الى الله أن يسدد خطاكم ويتمنون للرئيس العافية وحسن الجهاد. سكرتير عام الجبهة الوطنية – سنجة 2/8/1946م)
    ( محمود محمد طه – أم درمان
    عرفنا فيك المثل الأعلى منذ عهد الطلب، فسرّنا أن يعرف القاصي والداني هذا القلب الكبير
    صديق الشيخ – كوستى 30/7/1946 )
    ) محمود محمد طه – أم درمان
    أوفيت كرامة السودان وابائه حقهما – فلتعش رمزاً صادقاً للوطنية الخالصة، لك تقديرنا وإعجابنا .
    اتحاد طلبة كردفان – الأبيض 23/7/1946م)
    ) محمود محمد طه – أم درمان
    لقد سجلت بعزمك القوي وإيمانك الصادق فخراً للأجيال فلتعش مرفوع الرأس – لك منى التهاني؟
    الطيب حسن/عطبرة 24/7/1946م).
    د. عمر القراي