تعفو عن الانقلابيين وتستأسد على المسالمين

مركز الأستاذ محمود محمد طه الثقافي، المقام ببيته في الحارة الأولى بالثورة، مسجل لدى وزارة الثقافة، بموجب القانون المنظم للمراكز الثقافية .. ولديه تصديق سنوي، تم تجديده مؤخراً، من قبل الوزارة، بعد إرسال مندوبها لحضور مناقشة لوائحه، وانتخاب لجنته، وموافقة الحكومة ممثلة في وزارة الثقافة، على النشاط الفكري الثقافي، الذي يقوم به هذا المركز. وإذا كانت الحكومة ترى في نشاط المركز أي عمل ضد الدولة، أو تهديد للأمن، يمكن بكل بساطة، أن تخطر المركز بسحب ترخيصه، مسببة هذا الإجراء بما تراه من بينات، تاركة للمركز الحق في استئناف القرار، حسب ما تنص لوائح الاجراءات. وسيتوقف النشاط حينها بصورة تلقائية، حتى يفصل في القضية، لو رأى المركز الدخول مع الحكومة في قضايا .
ولكن ما الذي حدث مؤخراً؟! قالت الأستاذة أسماء محمود مديرة المركز (كان مركز الأستاذ محمود محمد طه الثقافي قد أعلن عن قيام محاضرة يوم الجمعة 19 أبريل 2013 لتقديم كتاب الأستاذ عبدالله الشيخ، الصحفي المشهور بجريدة أجراس الحرية سابقا .. عنوان المحاضرة حمل اسم الكتاب "التصوف بين الدروشة والتثوير"، وأعلن المركز عن قيام المحاضرة في الساعة 8 – 10 مساء بمقر المركز بالثورة الحارة الأولى.. اتصل أحد المسئولين، عرَّف نفسه بأنه من جهاز الأمن، بتلفوني بعد عدة اتصالات مع بعض أعضاء المركز، مما أعتبره إرهابا لأعضاء المركز بلا مسوغ أو مبرر لذلك.. بحجة أننا لم نأخذ إذناً من جهاز الأمن بالمطار لقيام هذه المحاضرة .. ذكرتُ له أنه كمركز مسجل وفق قانون الجماعات الثقافية، والجهة التي صدقت لنا هي وزارة الثقافة وهي المسئول الأول عن نشاطنا وبما أن التصديق ساري المفعول فإننا لا نرى موجبا بأن يكون هناك تضييق لحرياتنا بأخذ إذن لعمل مصدق عليه وهو من صميم واجباتنا كمركز ثقافي طالما كان هذا النشاط داخل مباني المركز.. سأل المتصل عن عنوان المحاضرة واسم مقدمها.. فأعطيت له المعلومات المطلوبة، وقلت له أنتم مدعوون لحضور هذه المحاضرة، قال لي نعم نحن سنحضر.. سأل هل المتحدث جمهوري؟ فأبديت له أنني لا أريد أن أكون مصدرا لمعلوماتكم وأن هذا عملكم فقوموا به بالطريقة التى ترونها.. كل ما هناك إنني اعتقد أن من حق هذا المواطن أن يقدم محاضرة عن كتابه، كما أنه من حقنا نحن كمركز ثقافي فتح جميع منافذ التوعية والثقافة.. فطلب مني أنه سيرجع ليحادثني بعد قليل.. رجع بعد قليل قائلا: الناس ديل قالوا المحاضرة ما تقوم.. قلت له: جدا المحاضرة ما حَ تقوم لكن أعرفوا أن هذا الموقف ضد ما أعلنه رئيس الجمهورية ونائبه قبل أيام بافساح مجال الحريات.. ونحن سنقوم بإعلان الغاء هذه الندوة من قبلكم لكل مدعوينا في الأسافير المختلفة.. وبالفعل فقد قمنا بإخطار من استطعنا إخطاره بإلغائها ولكنا شعرنا أن من واجبنا أن ننتظر بالمركز لتنبيه من يحضر وهو لا يعلم بالإلغاء..

وحوالي الساعة السادسة ومجموعة صغيرة من أعضاء المركز بالداخل نفاجأ بثلاث عربات "بوكس" محملة بمجموعة من رجال الأمن يقدر عددهم بالثلاثين فرداً تقريبا.. قفلوا الشوارع المؤدية إلى المركز بصورة فيها كثير من الصلف والتعدي، فأرهبوا المارة وأخافوا النساء والأطفال.. فخرجت إليهم وقلت لهم: أنتم طلبتم منا أن نوقف هذه المحاضرة وقد أخبرناكم بأنها لن تقوم فما الداعي لهذا؟ ويمكنكم دخول المركز لتروا إن كان هناك اي اثر لقيام المحاضرة.. على أى حال المحاضرة غير قائمة وأنتم أحرار أن تنصرفوا أو تبقوا مكانكم..ومن ثم دخلت لحوش المركز، وبعدها دخل عدد منهم في الداخل وقلت لهم متسائلة: هل هناك أي أثر لقيام هذه المحاضرة؟.. انظروا كم من العربات استعملت في هذه المهمة؟ وكم من الوقت ضاع؟ وكم من البنزين أهدر بلا سبب مقنع؟؟ فتصدى لي أحدهم لعله رئيسهم قائلا: اسمعى ده شغلنا نحن، نحن بنعرف بنعمل في شنو، ده ما شغلك.. قلت لهم: ده شغلي، أنا مواطنة سودانية، ودي أموال الشعب السوداني بتهدر..)
هذا هو جهاز أمن النظام، المعبر عن سياساته، والذي يحكم به السودان اليوم!! ما هذه العنتريات الفارغة؟! وما هذا الإهدار، ومحاولة إرهاب جماعة،  يعرف النظام أنها مسالمة، وأنها تحترم القانون، وانها حين تنقده، تفعل ذلك بصدق، ونزاهة، غرضها الاصلاح، لا التشفي، ولا الاغتيالات، ولا الانقلابات؟!
لقد قام جهاز الأمن بالقبض على العسكريين، الذين اتهموا بمحاولة انقلابية، وزعم انه يملك أدلة على تورطهم في تلك المحاولة، فإذا بهم يتم العفو عنهم!! فهل عفت الحكومة عنهم، لأن الأمن أخطأ في اعتقالهم وهم أبرياء؟! أم ان الحكومة ترى انهم فعلاً ضلعوا في محاولة الانقلاب، التي كانت ستهدر أرواح بعض المسؤولين، وبالرغم من ذلك، عفت عنهم، لأنها حكومة طيبة ومتسامحة؟! أم ان الحكومة تعلم أنهم خططوا للانقلاب، ولكنها في وقت تحس فيه بالضعف، والمشاكل، والانقسامات، ولا تعرف حجم التمرد عليها في الجيش، وتخشى لو بطشت بهم ان تفاقم السخط، من أشخاص تعلم دمويتهم، وقدرتهم على الاغتيالات، وتعريض افراد في قمة السلطة للخطر؟!
ولما وجد جهاز الأمن، أن عمله في القبض على الانقلابيين غير مقدر من الحكومة، بل قد أدخلها في حرج، لم تستطع تفاديه إلا بالعفو عن الانقلابيين، فكر في ان يرضي السلطة بالاستئساد على المسالمين، الذين لن يشكلوا أي خوف على زعامات الحكومة، لأنهم أصلاً لا يؤمنون بالعنف والاغتيالات، ولا يمارسون الخداع والكيد، فهجم على ندوة، بعد ان ألغاها اصحابها، نزولاً عند رغبته!! فهل رأى الناس مثل هذا الجبن وهذه الوضاعة؟! لماذا تمنع الحكومة، ندوة عن التصوف في مركز الاستاذ محمود، بالصورة الدرامية التي أوضحناها، وتجلس لتتفاوض مع الحركة الشعبية قطاع الشمال، الآن، في اثيوبيا، بعد أن رفضت من قبل الاعتراف بها، وسمتها (الحشرة الشعبية)؟! هل حدث ذلك، لأن الحكومة هُزمت عسكرياً، من الجبهة الثورية، في دارفور؟! فقد جاء (أقر عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع بهزيمة قواته أمام قوات الجبهة الثورية في دارفور وحمل مسؤولية الهزائم المتتالية ومقتل المئات وفرار الآلاف إلى وزارة الداخلية في أغرب تبرير للهزائم في وقت رد فيه أمين عام الحركة الإسلامية هزائم الجيش إلى "معاصي الجنود" وطالب المجلس الوطني الاستنجاد بالحملات الشعبية وتعبئة المواطنين من جديد  بعد أن أكدوا وجود خلل في المؤسسة العسكرية. وعقد المجلس الوطني قبل يومين جلسةً أشبه بمسرح العبث كان بطلها عبد الرحيم محمد حسين، والأمين العام للحركة الإسلامية الزبير أحمد حسن، ونواب حزب المؤتمر الوطني ببرلمانهم، وكانت الجلسة بعيداً عن أعين كاميرات الإعلام لما فيها من أسرار الهزائم المتوالية في دارفور، والروح المتدنية للجيش خلال الفترة الماضية، ونقلت صحيفة "الانتباهة" أن عبد الرحيم محمد حسين برر نجاح قوات مناوي في الاستيلاء على منطقتي مهاجرية ولبدو  بانشغال الجيش بمهام تأمين وصول الوقود والغذاء للمدن في دار فور على خلفية فشل الشرطة في ذلك) (حريات 11/4/2013م). لقد برر وزير الدفاع هزيمة الجيش بأنه إنشغل بعمل الشرطة!! وهذا من نوع تبريراته المعهودة، المبرأة من أي قدر من الذكاء الفطري، مثل قوله من قبل، أنهم لم يشعروا بالغارة الاسرائيلية، لأن الطائرة كانت تطفئ أنوارها!!
أما الأمين العام للحركة الإسلامية، فقد برر الهزيمة بمعاصي الجنود، وطالب بجيش اسلامي بديل يعطى الحق في أخذ ما لدى من يحاربهم غنائم!! فقد جاء (شدد الأمين العام للحركة الأسلامية الزبير أحمد الحسن علي ضرورة أن يكون دعم المرتبات هو الاولوية لوزارة الدفاع، داعياً لاعطائهم نسبة من الغنائم في الحرب، وشدد علي ضرورة صنع الجنود بشروط أسلامية للانتصار علي التمرد، موضحاً أن الجيوش تهزم بمعاصيها) (الراكوبة 12/4/2013م). فإذا كانت معاصي الجنود تهزمهم في الحرب، فماذا تفعل معاصي اصحاب المناصب الدستورية؟! والزبير وهو يتحث عن الاسلام، لينظر بصدق لنفسه، وزملائه في الدراسة أمثال أمين حسن عمر، ومعتصم عبد الرحيم الحسن، وغيرهم، هل كانوا اثرياء قبل هذه الحكومة؟! هل هناك من الناس من لم يسمع بفساد قادة هذه الحكومة، الذي شهد به المراجع العام؟! إن معاصي الجنود، قد تكون من اسباب هزيمتهم أمام الجبهة الثورية، ولعل أكبر معاصيهم هي عدم ثورتهم على نظام الاخوان المسلمين، الذي باع الوطن، ودمر الجيش، وافقده مهنيته، وجعله متردداً، ومتخاذلاً، والبلد تقتطع من اطرافها.. بعد أن كان جيشاً مشهوداً له بالانضباط، بالكفاءة، والشجاعة، والمهنية العالية،منذ ان كان قوة دفاع السودان.
إن دعوة الامين العام للحركة الاسلامية الجيش لأخذ ممتلكات الناس كغنائم،في حد ذاته، جريمة ومعصية، من أحد قادة الحكومة، جديرة بأن تحقق أكبر الهزائم!! فالجيش الذي يقاتل في دارفور ليس جيش جهاد، والحركات التي يقاتلها ليست كفاراً، حتى تحل أموالهم له كغنائم، ألا يكفي حكومة الأخوان المسلمين، ان تستغل الجيش لتقتيل المواطنين السودانيين، الذين ثاروا على ظلمها، فتريد بالإضافة الى هذه الجريمة النكراء، أن تنهب أموالهم، وتجعلها غنائم لجيشها، بعد ان عجزت عن ان تعطيه ما يكفيه، وان بلغت ميزانية الدفاع والأجهزة السيادية أكثر من 70% من الميزانية العامة؟!
ومعلوم ان الجيش لن يستطيع ان يأخذ غنائم، من الحركات المسلحة، التي تقودها الجبهة الثورية في دارفور، لأنها هزمته هزائم نكراء، أضطر المسؤولون للاعتراف بها على مضض. فماذا سيفعل الجيش المهزوم في اصقاع دارفور، وقادة الحكومة من الإسلاميين، الذين يدعونه لأخذ الغنائم، لا يرسلون له الأموال الكافية، لأنهم يستمتعون بها في العاصمة، في قصورهم الفارهة؟! سيقوم بنهب المواطنين المدنيين الضعفاء غير المقاتلين!! لذلك نقرأ (اعترف الرائد الهادى حامد قائد قوات الإحتياطي المركزي بمدينة طويلة – ولاية شمال دارفور بهجمات النهب والسلب المستمرة من قبل جنوده على سوق المدينة ومنازل بعض المواطنين، وعزاها إلى عدم صرف جنوده لمرتباتهم وعدم وصول التعيينات والمواد الغذائية لهم!وقال لوفد يتكون من حوالي (50) شخصاً يمثلون قيادات وأعيان المدينة ومشايخ معسكرات ( دالى، رواندا وأرقو) إجتمعوا معه للشكوى من الإنفلات الأمني وهجمات جنود الإحتياطي المركزي على ممتلكاتهم، ان الجنود لم يصرفوا مرتباتهم ولم تصلهم التعيينات لذا فان الهجمات لن تتوقف – بحسب أحد المشاركين في الإجتماع تحدث لـ (راديو دبنقا). وحول احتجاز قواته لـ (9)  من عربات النقل الكبيرة التي تخص المواطنين واستخدامها فى نقل المياه للجنود، قال الرائد الهادى انهم لن ولم يفرجوا عن تلك العربات إلا بعد وصول الطوف العسكري الذي ينقل التعيينات والمؤن لقواته من الفاشر!
وتشهد طويلة ومعسكرات النازحين من حولها حالات قتل وسرقة ونهب يقوم بها جنود قوات الإحتياطي المركزي منذ الثلاثاء الماضي مما إضطر المواطنين إلى إغلاق متاجرهم وحراسة منازلهم!) (حريات 12/4/2013م). والحكومة عاجزة عن حماية المواطنين الذين يعتدي عليهم جيشها، وينهب ممتلكاتهم. كما أنها عاجزة عن صد جيوش الجبهة الثورية، التي تلحق الهزائم بجيشها كل يوم. وهي قد عجزت أيضاً عن محاكمة الذين حاولوا الانقلاب عليها، من الجيش، لإيمانهم بأنها دمرت الجيش، ولم تصلح الشعب .. فلم يبق لها إذاً، غير ان تستغل ما بيدها من أموال، وسلطة، في منع الندوات، والتضييق على حريات المواطنين، الذين لا ترى في ايديهم السلاح. ولو كان في الحكومة من النافذين رجل رشيد، لنصحها ان تبسط الحريات، وتحد من نشاط رجال الأمن، حتى تكسب جولات الحوار، وتحسن علاقتها مع حكومة الجنوب، وتقنع العالم برفع العقوبات، وتصحح اوضاعها، بدلاً من التورط اكثر في مستنقع الدكتاتورية، والهوس الديني.

د. عمر القراي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.