عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدخل:

  إن الإنتخابات، التي إعلن عن قيامها في العام المقبل، تأتي بعد أربعة وعشرين عاماً، من آخر انتخابات عامة، حرة، إقيمت في هذه البلاد. وهذا يعني، أن هنالك جيل بأكمله، تخرج من الجامعات، والتحق بالخدمة العامة، دون ان يشهد، طوال حياته، أي عملية إنتخابية حقيقية.. كما لم يشهد أي ممارسة للديمقراطية، أو التداول السلمي للسلطة.. فما هو واجب الحكومة، تجاه مثل هذا الشعب، قبل قيام الإنتخابات؟ أليس واجبها هو ان توظف كل وسائل الإعلام، لتوعية الشعب بالانتخابات، واجراءاتها، وقانونها، وكيفية آدائها، وبالتحول الديمقراطي المقبل؟ ولكن هذا لم يحدث، حتى بعد ان أُجلت الإنتخابات مرتين.

ولسائل ان يسأل: لماذا حكمت حكومة الإنقاذ لمدة عشرين عاماً، بصورة شمولية، دكتاتورية، صارمة، دون ان تفكر في إقامة إنتخابات؟! ولمجيب ان يجيب: إنها كانت تخشى فقدان الكراسي والسقوط. فلماذا إذاً قبلت إقامة الإنتخابات الآن؟! هل غير من قاموا بالانقلاب في يونيو 1989م رأيهم، واقتنعوا الآن، بان الانتخابات والديمقراطية، هي من أسس نظام الحكم الافضل، ولو أدى ذلك الى إبعادهم عن سدة الحكم؟! أم ان قناعتهم لم تتغير، ولكنهم تعرضوا لضغوط دولية، وأقليمية، ومحلية، من ضمنها توقيعهم على اتفاقية السلام الشامل، التي نصت على قيام الانتخابات؟‍! فإذا كانت الإنقاذ، لم تقم في الماضي بانتخابات خوفاً من فقدان السلطة، وقبلت الآن، ان تقوم بها، فإن هذا يعني انها فكرت، وخططت، لتجعل الانتخابات غير قادرة على نزع السلطة منها.. وهذا الأمر يقتضي تدبير دقيق، يستغل كافة الأمكانيات المتاحة للدولة، لتحقيق ضمان فوز المؤتمر الوطني بالإنتخابات.

لقد دلت التجارب الماثلة في ايران، وفي كينيا، وغيرها، على ان تزوير الانتخابات بالطرق التقليدية، كالتلاعب ببطاقات الإقتراع، لا يجوز على الشعوب.. ولهذا لا بد من تزييف المسرح السياسي برمته، حتى تجئ العملية الإنتخابية، لقمة سائغة، ولو لم يتم التلاعب ببطاقات الإقتراع.. ومعلوم ان أي حزب، لا يمكنه ان يؤثر على الجو العام، ما عدا الحزب الذي يكون في السلطة، عند قيام الإنتخابات، قابضاً على كل مفاصلها، وموظفاً كل امكاناتها لمصلحته، ثم هو ينافس الأحزاب الأخرى، وكأنه في نفس مستواها.

إن هذه الورقة، تهدف الى توضيح المسائل، التي تشكل عقبة، أمام قيام انتخابات، حرّة، ونزيهة في السودان، في هذا الوقت بالذات.. وهي تدعو الاحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، المعنية بالقضايا السياسية، والجهات الأجنبية ذات الإهتمام بقضية الديقراطية بصورة عامة، وتلك التي تهتم بالتحول الديممقراطي في السودان، بصفة خاصة، وكافة المواطنين، تدعوهم جميعاً، للتأمل في التفاصيل التي تثيرها، والحرص، والإصرار على قيام انتخابات، حقيقية، لا مجرد اجراء اقتراع، لا يؤدي في النهاية، الا الى تكريس النظام الشمولي الحاضر، واعطاؤه شرعية، متوهمة، بمنحه فرصة الإستمرار في السلطة عن طريق الإنتخابات.

  هذا، وعلى الله قصد السبيل

 

الوضع السياسي العام:

  لقد كانت فترة حكومة الوحدة الوطنية، التي قامت بموجب إتفاقية السلام الشامل، فترة مضطربة، يعاني فيها الشريكان: المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، من خلافات، تكاد تعصف بالاتفاق في كل يوم.. ولقد ازداد الخلاف، وتعقّد، حتى استدعى تدخل الوسطاء. فقد دعت الولايات المتحدة الأمريكية الشريكين، في شهر يونيو 2009م، الى واشنطن، في محاولة للتوفيق بينهما، وتقريب وجهات النظر، حول الخلافات، حتى يتم ضمان قيام الإنتخابات، والاستفتاء، كما نصت عليهما الإتفاقية.

ولعل أهم نقاط الخلاف، والتي قد تعوق قيام الإنتخابات، هي نتائج التعداد السكاني الأخير، التي رفضتها الحركة الشعبية، منذ إعلانها، ولا يزال المؤتمر الوطني يصر عليها.. ولقد اعتبر عدد الجنوبيين، في شمال السودان، بناء على نتائج التعداد 520 ألف نسمة فقط.. وهو أمر غير مقبول، حتى من بعض المتخصصين، المنسوبين للمؤتمر الوطني.. ففي مقابلة صحفية مع د. عوض حاج علي، والذي كان مسئولاً عن التعداد السابق، ذكر انه لا يوافق على نتائج التعداد، فيما يخص عدد الجنوبيين، ويتفق معهم، على الإعتراض عليها، وهو يقدر عدد الجنوبيين في الخرطوم بمليون ونصف. إن المشكلة هي ان الدوائر الانتخابية، قد وزعت على اساس هذا التعداد الخاطئ، فأعطي الجنوب 21% من الدوائر، في محاولة ظاهرة لإضعافه في الانتخابات وفي الإستفتاء.. وهذا يعد خرقاً ظاهراً لإتفاقية السلام، التي اعطت الحركة الشعبية، حق المشاركة في السلطة بنسبة 34%. فالمؤتمر الوطني يريد للحركة الشعبية، ان تقبل هذا التقليل من حقها، بدعوى انه جاء نتيجة تعداد سكاني، وكأنه طرف محايد، أجرى التعداد بصورة علمية، نزيهة، وهذا كله خلاف الواقع. ولعل المقصود من كل هذا، هو وضع الحركة الشعبية في موقف حرج.. فإن هي قبلت نتائج التعداد، وقامت الإنتخابات والإستفتاء على أساسها، خسرت الحركة، وإن رفضت، اعتبرت رافضة للانتخابات والإستفتاء، اللذين نصت عليهما إتفاقية السلام الشامل. ولقد ظهر الخلل في توزيع الدوائر الإنتخابية، إعتماداً على نتائج التعداد، فقد نالت 7 ولايات شمالية 50% من دوائر الإنتخابات، بينما نالت بقية الولايات ال 19 بما فيها ولايات الجنوب 50% من الدوائر!‍!

وبالاضافة لهذه المشكلة، هنالك الوضع الأمني المضطرب، في جنوب السودان. فإن الحركة الشعبية قد اتهمت المؤتمر الوطني، بإثارة الصراعات القبلية بالجنوب.. بل ان متحدث باسم الحركة، قد ذكر ان مؤسسة جياد التابعة للحكومة، قد ارسلت أسلحة لبعض المجموعات القبلية الموالية للمؤتمر الوطني، لتثير القلاقل في جنوب السودان. فإذا كانت الإضطرابات قد حدثت قبل الإنتخابات، فإنها يتوقع ان تتفاقم عند قيامها، ما يؤثر على سيرها ونتائجها.

ومن المسائل التي اثارتها المعارضة في الاسبوع الاول من شهر يوليو 2009م، عدم دستورية الحكومة، بحلول الاسبوع الثاني من شهر يوليو. وذلك لأن الدستور قد نص على ان تقام الانتخابات بعد 4 سنوات من توقيع الإتفاقية، وهو ما قد حل في 9 يوليو 2009م. فإذا اخرت الحكومة الإنتخابات، لتمدد من عمرها، فإن ذلك ما احتاطت له الإتفاقية، وحددت بسببه الزمن الذي بتجاوزه، تصبح الحكومة غير شرعية وغير دستورية. ورغم ان الحكومة بشقيها لا توافق على ما ذكرته المعارضة، إلا ان الحركة الشعبية قد تعاملت معه بصورة موضوعية هادئة، بينما قام منسوبين للمؤتمر الوطني، بتهديد رئيس كتلة الاحزاب المعارضة، التي طرحت هذا الموضوع.

ولم تستطع الحكومة، حتى الآن، حل مشكلة دارفور، ولا زالت مناطق عديدة ملتهبة بالمواجهات بين الحكومة والفصائل المسلحة. ولقد حدث هجوم من القوات التشادية، أكثر من مرة، وتعذر التعداد في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحركات المسلحة، ولعل الأسباب التي منعت التعداد،هي نفسها التي ستمنع الإنتخابات.. فهل تريد الحكومة استثناء دارفور من الإنتخابات؟! أم استثناء أجزاء منها بسبب الظروف الأمنية؟! ولقد ذكر السيد أبيل ألير رئيس مفوضية الإنتخابات، بأن هنالك عدم أمن في دارفور، وان الإنتخابات لا يمكن ان تقوم في ظروف عدم الأمن (الصحافة 17/6/2009م). إن عدد سكان دارفور قد قدر ب 7 مليون نسمة، أي حوالي 17.5% من جملة سكان السودان، فهل يمكن ان يستثنى هذا العدد من الإنتخابات العامة، ثم تكون نتائجها ممثلة تماماً لأهل السودان؟! ألا يعني استبعاد أجزاء من أقليم، تقطنها قبائل معينة، تمييز إثني، قد يفاقم من الصراعات والحروب، التي لا تزال مشتعلة بسبب هذه المشكلة العرقية؟!

إن أزمة المحكمة الجنائية الدولية، لا تزال ماثلة، ولا يكفي في مواجهتها، عدم الإعتراف بالمحكمة، بحجة ان السودان لم يوقع، أو يصادق على إتفاقية روما.. وذلك لأن القضية أحيلت للمحكمة، من مجلس الأمن، فلا يجوز رفضها، الا اذا كانت الدولة ليست عضواً في الأمم المتحدة.. ومن ناحية أخرى، فإن الحكومة لا تريد أن تقوم باجراء أي محاكمات لمرتكبي جرائم دارفور، بل انها لا تستطيع ذلك، في ظل القوانين الحالية، التي لا تتضمن عقوبات على جرائم الحرب، وجرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، كما انها تمنح حصانة لأفراد جهاز الأمن، والدفاع الشعبي، وكبار المسئولين، فلا يطولهم القانون. ولم تعجز الحكومة عن المحاكمات فحسب، بل عجزت عن تحقيق السلام، بسبب الفشل في المفاوضات ورفض مطالب أهل دارفور، التي عبرت عنها معظم مبادراتهم، والمتمثلة في الإقليم الواحد، والمشاركة في مؤسسة الرئاسة بنائب رئيس، وتسريح الجنجويد، والمحاكمات، والتعويضات وإعادة الأراضي.. فهل يقبل اهالي دارفور بتعليق مطالبهم، واستمرار الاشتباكات، وعدم الاستقرار، والنزوح، في مقابل إجراء انتخابات جزئية؟! إن مشكلة المحكمة الجنائية إذا لم تحل، ولم يتحقق السلام في دارفور، فإن المتوقع ان يفرض مجلس الأمن عقوبات على السودان، وفي تلك الحالة، فإن المجتمع الدولي لن يقبل الإنتخابات، ولن يعتمد نتائجها، وما يترتب عليها، وهذه إحدى إشكالات الانتخابات، التي لا يملك لها المؤتمرالوطني حلاً.

 

الإنتخابات والقوانين المقيدة للحريات:

  ولما كان نظام الانقاذ، قبل إتفاقية السلام، نظاماً شمولياً، فقد إعتمد على قوانين سافرة التقييد للحريات، ولا تناسب أي وضع ديقراطي. وحين وقّعت حكومة الإنقاذ إتفاقية السلام الشامل، قبلت بما جاء فيها من تأكيد على مبادئ الحرية، وما ورد فيها من إعتبار الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، التي تتضمن كافة مواثيق حقوق الإنسان، جزءاً لا يتجزأ من الإتفاقية، ومن دستور السودان الإنتقالي لعام 2005م.. ولذلك فقد أقرت بتعديل القوانين، التي تتعارض مع الإتفاقية، ومع الدستور، ومع المبادئ العامة لحقوق الإنسان.. ولكنها نكصت عند التنفيذ واجازت تعديلات أسوأ من القوانين السابقة ورفضت تعديل قوانين غاية في السوء. ولقد ذكر بعض القانونيين، ان القوانين التي تحتاج الى تعديل، قد بلغت 61 قانوناً!! ونحن هنا، لن نعرض لها جميعاً، وإنما نقف عند بعض المواد، التي تتأثر بها الإنتخابات.

فمن القوانين التي اثارت جدلاً كبيراً، قانون الأمن الوطني والمخابرات.. وذلك لأن جهاز الأمن قد تضخم، واصبح جهاز سياسي، بسلطات واسعة، وحصانة تامة، لكل افراده، أمام جميع المحاكم!! ومع ان اتفاقية السلام الشامل، قد نصت على ان يتحول جهاز الأمن الى جهاز لجمع وتحليل المعلومات، ورفعها للجهات العليا، إلا انه لا زال يمارس كل نشاطه، كما كان يفعل، حين كانت الإنقاذ تنفرد وحدها بالسلطة، وتعمد الى ارهاب خصومها.. فما زال هذا القانون، يعطي الجهاز الحق في الإعتقال بدون توجيه أي تهمة، ويمارس اعضاؤه، وهم محميون بالحصانة من المساءلة القانونية، تعذيب المعتقلين، واخفاءهم عن ذويهم، وقتل المتظاهرين، والاعتداء على الطلاب في الجامعات، بغرض نصرة اعضاء المؤتمر الوطني.. ولعل آخر الشواهد، على سوء ممارسات جهاز الأمن، تعذيب الاستاذ عبد المنعم الجاك، الناشط في مجال حقوق الإنسان، والذي نشرت صور آثار تعذيبه الجسدي، في سودانيزاونلاين، وشاهدها آلاف المواطنين السودانيين، في جميع انحاء العالم.. هذا مع ان السيد رئيس الجمهورية، كان قد صرّح في لقاء جماهيري، نقلته الصحف، بأن عهد (بيوت الاشباح)، والإحالة للصالح العام، قد ولّى الى غير رجعة.

 إن قانون الأمن الوطني والمخابرات، بما يعطي من صلاحيات واسعة، لجهاز هو أصلاً يعبر عن توجه حزب المؤتمر الوطني، ويعمل لرعاية مصالحه، يعتبر معوقاً للانتخابات، بما يهدد من أمن وسلامة، المعارضين السياسيين.. خاصة اذا كان لهم نشاط فعّال، في التوعية، أو التنظيم، الذي يعمل على اسقاط المؤتمر الوطني في الإنتخابات. فمن السهل على جهاز الأمن، تحت ظل هذا القانون، ان يعتقل الناشطين السياسيين المعارضين، ويحتجزهم بدعوى انهم يخططون لعمل ضد أمن البلد، ولا يطلق سراحهم، الا بعد الإنتخابات.. كما يمكن ان يفض الاجتماعات، التي تقوم بها الأحزاب، بأي دعوى، حتى يمنع التنسيق والتحالف، الذي قد يؤثر على المؤتمر الوطني في الإنتخابات. هذه نماذج بسيطة، وهنالك الآلاف غيرها، مما يمكن ان يرتكب من جرائم، باسم الحفاظ على الأمن، بغرض الحفاظ على مصالح المؤتمرالوطني، وتحقيق فوزه بالانتخابات. ولقد اعترضت الأحزاب، مراراً، على هذا القانون، وطالبت بتعديله، ولكن المؤتمر الوطني، رفض حتى مجرد طرح القانون للنقاش، في المجلس الوطني.

ولكن المجلس الوطني، ناقش قانون الإجراءات الجنائية، واعترضت عليه الحركة الشعبية وممثلي احزاب المعارضة، ومع ذلك اجازه المجلس، بالأغلبية الميكانيكية للمؤتمر الوطني. ولقد اضيفت المادة 127 التي تمنح الولاة والمعتمدين، الحق في حظر، وتقييد المواكب والتجمعات، والتجمهر، متى ما رأوا فيه إخلالاً بالسلامة العامة. ولعله من الواضح، ان مثل هذه المادة، قد وضعت لتعطي الولاة_ ومعظمهم من المؤتمرالوطني_ الحق في فض الليالي السياسة، والندوات، والمحاضرات العامة، التي يقوم بها منافسيهم من الأحزاب الأخرى، بدعوى انها تخل بالسلامة العامة.. ولن يسألهم أحد كيف عرفوا ذلك؟! وما هي السلامة العامة؟! وكيف تؤثر ندوة سياسية عليها؟! وذلك لأن هذا القانون العجيب، الذي اعطاهم الحق في ايقاف نشاط منافسيهم، حتى يتسنى لهم الفوز في الإنتخابات، لم يفسر كل ذلك.

ومن القوانين التي تمت المطالبة بتغييرها، لبالغ اثرها على منظمات المجتمع المدني، قانون منظمات العمل الطوعي والإنساني.. فلقد رفع ضده طعن دستوري، لما يطلق من يد مفوضية العمل الطوعي والإنساني، في التدخل في عمل المنظمات الطوعية الوطنية.. ولكن الطعن رفض بواسطة المحكمة الدستورية العليا. ولعل من أسوأ تطبيقات هذا القانون، طرد منظمات الإغاثة، الذي جرى مؤخراً، والغاء تراخيصها، بناء على تهم سياسية، لا علاقة لها بواجباتها، ثم انها لم تثبت.. بل ان بعض هذه النظمات المطرودة، لا تعمل في دارفور، حتى تعطي معلومات عما يجري فيها، لمدعى المحكمة الجنائية الدولية، كما جرى الإتهام. ولقد احدث طرد منظمات الإغاثة، ضرراً بالغاً، في معسكرات النازحين في دارفور، وحول الخرطوم.. إذ ان اثر الفجوة، قد قدر بفقدان حوالي مليون شخص للغذاء والدواء، بحلول الخريف. ولعل هذا واضح الأثر على الإنتخابات، إذ ان الجوع، والمرض، وعدم الاستقرار، يجعل قضية الإقتراع، بل قضية الانتخابات نفسها، قضية ثانوية، لا تمس حياة هؤلاء المواطنين. كما انه وفق هذا القانون، قد تم عدم التصديق لقيام منظمات وطنية، كان يمكن ان تسهم في اثراء المجتمع المدني. ولما كان القانون يعطي منظمة العون الإنساني الحق، في ايقاف نشاط أي منظمة طوعية، فإن المنظمات التي تختلف في رؤاها مع المؤتمر الوطني، يضيق عليها بواسطة مفوضية العمل الإنساني، بمختلف الحجج الواهية.. بينما المنظمات التابعة للمؤتمرالوطني، أو التي تعبر عن توجهاته، تجد كل الدعم والحرية. ولعل آخر النماذج، ما حدث بمركز الخاتم عدلان للإستنارة والتنمية البشرية، فقد أوقفت مفوضية العون الإنساني ندوة عن الإنتخابات، بحجة ان المركز مسجل فدرالياً، ويحتاج ان يسجل ولائياً، قبل ان يمارس نشاطه!! هذا مع ان المركز، قد استمر في نشاط متواصل لعامين، ولم تتدخل المفوضية لإيقافه.. لانه معلوم ان التسجيل على نطاق الوطن، يعطيه الحق للعمل، في أي ولاية، بما في ذلك ولاية الخرطوم. ولكن يبدو ان المفوضية قد وظفت سياسياً، لايقاف النشاط الذي يؤثر على المؤتمر الوطني في الانتخابات، ولو كان مجرد توعية المواطنين بالانتخابات، خاصة إذا قامت بها، مجموعات غير منسوبة الى المؤتمر الوطني.

لقد ظلت الرقابة على الصحف، هاجساً يؤرق الصحفيين، وغيرهم من المواطنين.. فقد دأبت الحكومة، على ارسال رجال أمن يومياً، ليقرءوا جميع الصحف_ ما عدا الصحف التابعة للمؤتمر الوطني_ قبل طباعتها، وينزعوا أي موضوع، يحوي في تقديرهم، نقداً للحكومة أو لأحد المسئولين، فلا تنشر الصحف إلا ما يقبله رجال الأمن. ولقد إعترض الصحفيون مراراً، واضربوا عدة مرات، إعتراضاً على هذه الرقابة القبلية.. واثاروا في عدة منابر، ضرورة تغيير قانون الصحافة، الذي يؤسس لهذه الرقابة. وبعد عدة حوارات، وافق المؤتمر الوطني، على تغيير قانون الصحافة.. وطرح قانوناً جديداً، اجازه بالأغلبية، رغم الإعتراض عليه.. ولا يختلف القانون الجديد عن القديم، الا في الصياغة، فبدلاً من القول بحق الحكومة في مصادرة الصحف، واعتقال الصحفيين، جاء في القانون الجديد، المادة 5/2 (لا حظر على الصحف الا في الحالات التي يحددها الدستور والقانون). المادة 5/3 ( لا تتعرض الصحافة للمصادرة أو تغلق مقارها الا وفقاً للقانون ). المادة 5/4 ( لا يجوز حبس أو إعتقال الناشر الصحفي في المسائل المتعلقة بممارسة مهنته عدا الحالات التي يحددها القانون).. ومعلوم ان كلمة القانون، هنا، تشمل كافة قوانين الدولة، بما فيها القوانين المقيدة للحريات، التي اشرنا اليها، والتي لم نتطرق لها. فيمكن اعتقال الصحفيين، ومصادرة صحفهم، وفق قانون الامن الوطني والمخابرات، بينما يكون السبب الحقيقي، هو نقد الصحيفة للحكومة، أو للمؤتمر الوطني، أو توعية المواطنين، بما يشكل خطورة، على مركز المؤتمر الوطني، في الإنتخابات المقبلة. هذا بينما تقوم الصحف التابعة للمؤتمر الوطني، مثل "الإنتباهة" بنقد الأحزاب، والشخصيات، وتدعو للعنصرية، وللانفصال، وتسئ إلى رموز الحركة الشعبية، دون أن يحدث لها شئ.

ولقد أعطى القانون الجديد، لمجلس الصحافة، سلطات واسعة.. فهو الذي يملك سلطة الترخيص للشركات الصحفية، والصحف، ورؤساء التحرير، والصحفيين.. كما يملك سلطات عقابية، تصل الى حد إيقاف الصحف عن الصدور، وسحب تراخيصها، وحرمان أي صحفي، من العمل كصحفي.. فإذا علمنا ان مجلس الصحافة هذا، يعين السيد رئيس الجمهورية 40% من اعضائه، ويشرف عليه وزير الإعلام، ومن ثم، يحق له، تغيير بعض من بقية عضويته المنتخبة، رأينا كيف ان الصحافة، بعيدة من ان تكون حرة ومستقلة. وبدلاً من ان يرفع قانون الصحافة الجديد، الرقابة القبلية عن الصحف، قننها، واضاف لها مسببات، غير مجرد الإعتماد على قانون الأمن، الذي يصادر بدعوى خشية اثارة الأمن. جاء في المادة 28 / 1/ب ( لا تنشر أي معلومات سرّية تتعلق بأمن البلاد أو بالقوات النظامية من حيث الخطط والتحرك ). المادة 28 /1 /ث (ان يلتزم بعدم الإثارة أو المبالغة في عرض اخبار الجريمة أو المخالفات المدنية ). المادة 28 /1/ح ( الا ينشر أي أمر يتعارض مع الأديان أو كريم المعتقدات أو الأعراف أو العلم مما يؤدي الى إشاعة الدجل ).. ولم يحدد القانون، أو يفسر، المرجعية لكل هذه الممنوعات، التي فرضها، بل تركها للتقدير الشخصي.. وهكذا يمكن ان تستغل هذه الأشياء، لتمنع آراء دينية مخالفة لرؤية المؤتمر الوطني، وافكار، وتحظر اخبار، وتحجب مقالات، ويكون الهدف النهائي، من كل ذلك، هو حراسة مفاهيم المؤتمر الوطني من النقد، واضعاف خصومه، لضمان فوزه في معركة الإنتخابات. بالاضافة لقوانين المقيدة للحريات، فإن قانون الصحافة نفسه، يمثل اثقل القيود، لأنه يملك ان يوقع عقوبات كافية لإرهاب الصحفيين، وتقييد اقلامهم، والحد من تفكيرهم. فالعقوبات في قانون الصحافة الجديد نوعان: جزاءات يوقعها مجلس الصحافة: وتشمل التأنيب، وإلزام الصحيفة بالإعتذار، والإنذار، ولفت النظر، وايقاف الصحيفة لمدة لا تزيد على 7 أيام، أو ايقاف الترخيص. وعقوبات توقعها محكمة بنص المادة 37 وتشمل: الغرامة التي لا تزيد على 50 ألف جنيه سوداني، وايقاف الصحيفة لمدة لا تزيد على شهرين، والغاء الترخيص، ومصادرة المطابع والمطبوعات، اذا حكم عليها بالايقاف مرتين. مثل هذه العقوبات الرادعة، كفيلة تجعل الصحفي يتردد في كل ما يكتب، خاصة اذا اراد ان ينقد الحكومة، التي لديها بجانب قانون الصحافة، قوانين اكثر ردعاً، يمكن ان تحركها ضده.

إن عدم وجود صحافة حرة، يمثل اشكالية حقيقية، أمام قيام انتخابات ديمقراطية، وإن اصرار المؤتمر الوطني، على مثل قانون الصحافة هذا، يعني حرصه على ان تقوم الانتخابات، في جو لا يمكن لخصومه ان ينقدوه فيه، بينما ينقد هو خصومه كما يشاء، من خلال وسائل الإعلام التي يحتكرها، ومن خلال صحفه، التي لا تطالها الرقابة، ولا يحرك ضدها قانون الصحافة. 

 

قانون الإنتخابات:

إن قانون الانتخابات لسنة 2008م، والذي كان من المفترض ان يكون قد وضع لتوجيه مسار الإنتخابات، حتى تتم بشفافية كاملة، وحياد، ونزاهة، تجعلها تؤدي الغرض منها، وهو إختيار حكومة تمثل الشعب، وتعبر عن آماله وتطلعاته، يمثل في حد ذاته، إحدى الإشكاليات التي تواجه قيام الإنتخابات.. إن اول ما تجب الإشارة اليه، هو أن المفوضية العليا للإنتخابات، والتي أنشأت بموجب هذا القانون، وأوكل اليها، بناء عليه، كل عمل الإنتخابات، ليس من حق الحركة الشعبية لتحرير السودان، كشريك في الحكومة، ولا من حق الأحزاب المشاركة أو المعارضة، ان تعين أي من أعضائها!! فقد جاء في المادة 6 (أ) ( تتكون المفوضية من تسعة أعضاء يتم اختيارهم وتعيينهم بواسطة رئيس الجمهورية بموافقة النائب الأول وفقاً لأحكام المادة 58/2/ج من الدستور وموافقة ثلثي أعضاء المجلس الوطني مع مراعاة إتساع التمثيل ليشمل ممثلين للمرأة والقوى الإجتماعية الأخرى ) فأعضاء المفوضية يعينهم رئيس الجمهورية، ويمكن للنائب الأول، ان لا يوافق على أحدهم، فيتم تغييره، ولكن ليس له الحق في اقتراح بديل.. وإنما كل الأسماء التي تتكون منها المفوضية، يجب ان يختارها السيد رئيس الجمهورية. والسؤال هو: إذا كان هنالك شخص مؤهل، ووطني غيور، ولكنه ضد المؤتمر الوطني، وكثير النقد له، فهل يمكن ان يعينه السيد الرئيس في هذا المنصب الهام؟!

على ان القانون، قد نص على أن يكون أعضاء مفوضية الإنتخابات مستقلين.. فقد جاء عن أعضاء المفوضية، في المادة 6 (ب):( ان يكون من المشهود لهم بالاستقلالية والكفاءة وعدم الإنتماء الحزبي والتجرد). ولقد تم خرق هذه المادة، منذ الآن، وقبل قيام الإنتخابات، إذ نجد في بعض الاقاليم، رئيس مفوضية الإنتخابات، هو نفسه نائب الوالي، وممثل المؤتمر الوطني في المنطقة!! كما حدث في جنوب دارفور، وفي ولاية النيل، حيث احتجت الاحزاب بمذكرة رفعت للسلطات. وحتى يتضح لنا أهمية، وخطورة مفوضية الإنتخابات، نقرأ في المادة 18/1 ( تقوم المفوضية بتكوين اللجان العليا وتعين روؤساء واعضاء اللجان العليا على مستوى جنوب السودان والولايات ). المادة 18/3 ( اللجان العليا مسئولة لدى المفوضية عن إدارة الإنتخابات والاستفتاء والاشراف على ذلك على مستوى الجنوب والولايات). المادة 20/1 ( تقوم المفوضية بتعيين ضباط الإنتخابات على مستوى جنوب السودان وكل ولاية وضابط انتخابات على مستوى كل دائرة جغرافية للقيام بتنظيم ومراجعة السجل الإنتخابي). المادة 20/2 ( يقوم كبير ضباط الإنتخابات على مستوى جنوب السودان وفي كل ولاية وضباط الإنتخابات في الدوائر الجغرافية بتنظيم عمليات الإقتراع والفرز والعد والانتخابات والاستفتاء وفقاً لاحكام هذا القانون والقواعد وتوجيهات المفوضية ) .. إن المفوضية هي المشرف العام، على كل هذه اللجان، التي تقوم بكافة العملية الانتخابية، فهل يتمتع عضو المفوضية، بما يضمن لنا تأهيله الاخلاقي، لهذه المهمة الصعبة؟! جاء في المادة 6 /2 عن الشروط التي يجب ان تتوفر في عضو المفوضية: (الا يكون قد أدين خلال السبع سنوات السابقة في جريمة تتعلق بالأمانة أو الفساد الأخلاقي أو مخالفة السلوك الانتخابي ولو تمتع بالعفو ).. فماذا لو كان العضو المذكور، قد ادين اخلاقياً، قبل ثماني سنوات؟! هل فرق السنة هذه، يكفي ليجعله شخص ذو اخلاق، مأمون على رعاية الإنتخابات؟! إن قضية الشرف، والأمانة، وحسن الخلق، يجب الا تحدد بوقت معين، لأن الزمن لا يسقط هذه التهم المتعلقة بالاخلاق. ولعلنا نستغرب ان هؤلاء الأعضاء، الذين لا تضمن اخلاقهم الا لمدة سبع سنوات فقط، قد منحوا حصانة غريبة، جاء في المادة 14 ( حصانة رئيس المفوضية ونائبه والأعضاء ): ( فيما عدا حالات التلبس لا يجوز اتخاذ أي اجراءات جنائية في مواجهة رئيس المفوضية أو الأعضاء عن أي فعل يتعلق باداء واجباتهم الموكلة اليهم بموجب أحكام هذا القانون الا بعد الحصول على إذن مكتوب من رئيس الجمهورية ) وهكذا يغطي القانون اعضاء المفوضية، حتى لا يقوم احد بمقاضاتهم، لو لاحظ، بوجود قرائن، انهم ينحازون لصالح حزب الحكومة، إلا اذا حصل على إذن مكتوب من رئيس الجمهورية!! وهل يأذن رئيس الجمهورية، بمقاضاة الذين اختارهم، ووضع ثقته فيهم؟!

لقد كان من المفترض ان تقوم الإنتخابات في شهر يوليو من هذا العام.. ولكن لتلكؤ الحكومة، بخاصة المؤتمر الوطني، في تنفيذ الإتفاقية، فقد أجلت المفوضية الإنتخابات، حتى فبراير 2010م.. ثم اعلنت في مطلع يوليو 2009م، انها أجلت الإنتخابات مرة أخرى، حتى أبريل 2010م. وكل هذا مخالف لقانون الإنتخابات، فقد جاء في المادة 27 ( يجوز للمفوضية تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية أو رئيس حكومة جنوب السودان أو الوالي بقرار منها عند تعذر اجراء الإنتخابات إذا وقع او استجد طارئ يهدد كل البلاد أو جنوب السودان أو الولاية أو جزء منها بحسب الحال أو حالة إعلان الطوارئ وفقاً لاحكام المادة 210 من الدستور على ان تحدد المفوضية تاريخاً جديداً لإجراء الانتخابات بأعجل ما تيسر شريطة الا يتجاوز ذلك ستين يوماً من التاريخ الذي كان مقرراً لاجراء الإنتخابات ). ورغم وضوح هذه المادة، الا ان التأجيل قد تم، دون حدوث أي شئ مما ذكرت المادة، مما يعد خرقاً صارخاً لقانون الإنتخابات.. أكثر من ذلك، فان التأجيل الاول، من يوليو 2009م، الى فبراير 2010م، لم يلتزم بما نص عليه القانون، من عدم تجاوز التأجيل لستين يوماً فقط.. ان خطورة هذا الأمر، تجئ من ان المفوضية، التي يناط بها تطبيق القانون، قد قامت بخرقه، دون مبررات، سوى عدم جاهزية المؤتمر الوطني، لخوض الانتخابات، في تلك الفترة.. فهل يثق الشعب، في ان ترعى مثل هذه المفوضية، الإنتخابات بالحياد اللازم؟!

جاء في قانون الانتخابات، ان من شروط الناخب، ان يكون مسجلاً في السجل الإنتخابي، (المادة 21/ج). ومن شروط التسجيل في السجل الانتخابي، ان يكون مقيماً في الدائرة الجغرافية، لمدة لا تقل عن 3 شهور، قبل تاريخ قفل التسجيل (المادة 22/2/أ). وهذا يعني ان الناخب يمكن ان يمنع من الإقتراع، إذا كان هنالك مشاكل في تسجيله، بسبب السكن خاصة اذا كان من يحدد أقامة الناخب، هي اللجنة الشعبية، التي تتكون في الغالب، من اعضاء في المؤتمر الوطني.. إن التسجيل بهذه الصورة، يمثل باباً واسعاً، من ابواب التلاعب في الإنتخابات، بتسجيل اناس في غير اماكنهم، ليحق لهم التصويت، او حرمان آخرين بدعوى انهم غير مقيمين، لفترة كافية، حسب رأي اللجنة الشعبية. ولم يرد في القانون، السماح بأي مراقبة، في مرحلة التسجيل.. وانما اقتصرت المراقبة، على الفرز، والعد، والإقتراع.. كما ان القانون، لم يتحسب لفئات من الشعب، يقتضي عملها، التنقل، مثل الطلاب الذين يتغير سكنهم من الداخليات، الى منازلهم، في الإجازات.. أو الرحل، الذين يجولون مع حيواناتهم. كيف يسجل هؤلاء، وفي أي مكان، وكيف يتم عدم التلاعب في سجلهم الإنتخابي؟!

وحين سمح القانون بالمراقبة، في عمليات الفرز والاقتراع، قيد المراقبين المحليين والاجانب، وحدد وظيفتهم في الحد الأدنى، ثم أطلق يد المفوضية، في امكانية ابعادهم، في أي لحظة، متى ما ظنت، انهم بتدخلهم، يعرقلون سير الإنتخابات. جاء في المادة 104 /1 ( يجب على المفوضية الى جانب الدول الراعية لاتفاقية السلام الشامل دعوة او قبول طلبات بعض الدول أو المنظمات الدولية أو الإقليمية لحضور ومراقبة الإنتخابات او الإستفتاء المنصوص عليها في الدستور وتحديد ممثليهم على ان تقوم المفوضية باعتماد الممثلين رسمياً ).. يتضح من هذه المادة، انها تعطي الحكومة الخيار، في دعوة الدول، والمنظمات للمراقبة، او انتظارهم ليتقدموا بطلبات، توضح رغبتهم في المشاركة.. وقد لا تتقدم دولة من تلقاء نفسها، وتتطوع بالمشاركة، مما يجعل الانتخابات تقوم بغير مراقبة دولية. أما المراقبة المحلية، فقد ذكرها القانون، من باب الجواز، وليس من شروط قيام الإنتخابات.. جاء في المادة 104/3 ( يجوز تشكيل لجان لمراقبة الإنتخابات والاستفتاء من قبل الفئات التالية: القضاة المستشارين القانونيين الموظفين السابقيين منظمات المجتمع المدني الاحزاب السياسية ). وحتى لو تقدمت هذه الفئات للمراقبة، فإن المفوضية يمكن ان ترفض ان تعتمد بعضهم.. فقد جاء في المادة 104/5 (تضع المفوضية القواعد اللازمة لتنظيم إعتماد الوكلاء المراقبين ). وحتى لو قبلت المفوضية المراقبين، فان القانون، قد منحها الحق في تقييد نشاطهم، وابعادهم، إذا رأت انهم يعوقون عملها.. جاء في المادة 76/3 ( يكون للمرشحين والوكلاء والمراقبين وممثلي وسائل الإعلام المعتمدين الحق في حضور جميع عمليات فرز وعد الأصوات دون التدخل في مهام موظفي العد والفرز أو التأثير عليهم وذلك حسب ما تفصله القواعد ). وجاء في المادة 76/4 ( يكون لرئيس مركز الإقتراع الحق في استبعاد أي شخص في حالة مخالفته لاحكام القانون او القواعد او قيامه بكل ما من شأنه عرقلة عملية الفرز والعد). وهذا المراقب لا يجوز له التدخل فيما يحدث أمامه، داخل اروقة التصويت، وقصارى ما يسمح له به، ان يتوجه بأسئلة للمشرفين!! جاء في المادة 105/2/ ( لا يجوز للجان المراقبة أو المراقب التدخل بأي طريقة في اعمال اللجان الانتخابية أو موظفيها ومع ذلك يجوز لهم توجيه الأسئلة شفاهة او كتابة ).. وامكانية طرد المراقبين، تشمل حتى المراقبين الأجانب، فقد جاء في المادة 106/1 (يجوز للمفوضية بتوافق آراء الأعضاء سحب إعتماد المراقبين الوطنيين أو الدوليين في أي وقت إذا ثبت لها قيامهم بأي عمل يتعارض مع احكام هذا القانون والقواعد ).

فمراقبة الإنتخابات، التي يعول عليها كثير من المواطنين، البسطاء، لا تعدو ان تكون مسألة شكلية، يبقيها المشرفون على الانتخابات إذا شاءوا، ويتخلصون منها متى شاءوا، ويمكن ان يوقفوها، ويطردوا المراقبين الوطنيين والاجانب، بأي دعاوي يلفقونها، عن تدخلهم في اعمال المشرفين.. ولو كانت الحكومة جادة في امر المراقبة، لأطلقت يد الرقباء، ولم تقييد عملهم، وجعلت امر التقرير، بانهم تجاوزوا حدودهم، أمر ينظر فيه قاض، ليقرر إبقاء،أو ابعاد، أو استبدال المراقبين.

 

المنافسة غير المتكافئة:

إن وجود حزب سياسي، في سلطة، هو منفرد بها، لمدة عشرين عاماً، قد استغل كافة امكاناتها، لمصلحة حزبه، لا يمكن ان ينزل انتخابات، في منافسة مع احزاب بعيدة عن السلطة، ولا تملك شئ من امكاناتها، ثم تكون هذه المنافسة متكافئة، وشريفة. إن على المرشحين من اعضاء المؤتمر الوطني، من الوزراء، والوكلاء، والولاة، ونواب الولاة، والمعتمدين، ان يقدموا استقالاتهم من مناصبهم، حتى يصبحوا بلا نفوذ، أو تأثير، ثم يترشحوا للإنتخابات.. فإن لم يفعلوا، وبقوا في مناصبهم، فان تأثيرهم على من هم دونهم، يخل بأسس التكافؤ والمنافسة الشريفة.

إن حزب المؤتمر الوطني، يحتكر الآن، وسائل الإعلام العامة، فلا يسمح لغيره ان يخاطب الناس، بما يمكن ان يعد دعاية انتخابية، من الإذاعة أو التلفزيون.. كما انه قد وظف اللجان الشعبية، التابعة له، في الأحياء، مع أئمة المساجد، ان يخاطبوا الناس من خلال مشاكلهم، في المنطقة، ووعدهم بالتصويت للمؤتمر الوطني، في مقابل ان تقوم الحكومة، قبل الإنتخابات بحل جميع المشاكل.. وهكذا يستعمل المؤتمر الوطني المال العام، لكسب حزبه السياسي، الأمر الذي لا يتأتى لحزب غيره.

في زيارات السيد رئيس الجمهورية، للاقاليم المختلفة، وافتتاح بعض المشاريع التنموية، غالباً ما يتحدث الوالي، عن ان هذه المنطقة كلها مؤيدة للرئيس، وانها دائرة مضمونة للمؤتمر الوطني.. وفي هذا استغلال لموارد الدولة، وادواتها، في دعاية مجانية، مبكرة، للمؤتمر الوطني ( حدث هذا مؤخراً في إفتتاح طريق الحوش وزيارة ولاية النيل ) وهو عمل مخالف لقانون الإنتخابات، إذ جاء في المادة 69 (لا يجوز لأي مرشح أو حزب سياسي استعمال أمكانات الدولة أو موارد القطاع العام المادية او البشرية فيما عدا أجهزة الإعلام مجاناً على انه في حالة طلب دفع تكلفة أي خدمة ان تتناسب تلك التكلفة مع حجم الخدمات المقدمة وان ينطبق على جميع الاحزاب السياسية والمرشحين بالتساوي دون تمييز ).

إن الانتخابات، هذه المرة، تجئ اكثر تعقيداً، من أي وقت مضى.. إذ على الناخب ان يختار رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والوالي، واعضاء مجالس الولايات..ألخ ولذلك يحتاج الناخب، الى ملء 12 بطاقة في الجنوب، و8 بطاقات في الشمال. وهوأمر لا يمكن اتقانه، الا بتدريب، وتوعية مكثفة به. ولم تتسلم منظمات المجتمع المدني، التي تعمل في المجال السياسي، أي مبالغ لتقوم بمثل هذا العمل، الذي يهدف الى توعية الناخب. ورغم ان المفوضية، قد تسلمت مبالغ من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لهذا الغرض، الا انها لم تقم بهذه التوعية.. ولم تعط منظمات المجتمع المدني، أي قدر من المال، حتى تقوم به، نيابة عنها.. بل ان بعض هذه المنظمات، حين ارادت ان تقوم بهذا العمل، بمواردها الذاتية، تدخلت مفوضية العون الإنساني، واوقفته، كما اشرنا آنفاً.. في هذه الظروف، يقوم المؤتمر الوطني، والمنظمات التابعة له، بتوعية عضويته، بكيفية التعامل مع بطاقة الاقتراع، ويحشدونهم في تعبئة مستمرة، تصحبها كل المغريات، التي تسدد فاتورتها، من خزينة الدولة. بينما الاحزاب المنافسة للمؤتمر الوطني، لا تعرف شيئاً عن هذا الأمر.. إن الأمر المتوقع هو ان يخطئ الذين لم يتدربوا- خاصة وان معظم الشعب لا يزال أمياً لا يحسن القراءة- وتبعد من ثم اصواتهم.. وهكذا يستطيع المؤتمر الوطني، الإنتصار على منافسيه، بمجرد تمزيق بطاقات إقتراعهم، بسبب الاخطاء في ملئها، ودون الحاجة الى نوع آخر من التزوير.

ومن ابرز عدم صور التكافؤ، ما اشرنا اليه من تقييد صحف المعارضة، ونزع كل المقالات التي تكتب في نقد الحكومة، حتى ولو كتبها كتاب مستقلون، وحجب المعلومات الهامة عن الشعب، حين يكون بها أي صور سلبية، أو تقصير من الحكومة.. هذا بينما تطلق يد صحف المؤتمر الوطني، لتبث المعلومات المغلوطة، وتحسّن بالحق، وبالباطل، من اداء الحكومة، ثم تنقد المعارضة، وتنقد الحركة الشعبية، وهي واثقة من ان الرد عليها، لن يراه الشعب، لأن الرقابة ستصادره.

ولعل هذا التميز، وعدم التكافؤ، هو الذي أكسب قيادات المؤتمر الوطني جرأة، وجعلهم يصرّحون، بأنهم سيفوزون بالانتخابات، مهما كان حجم التحالف ضدهم.. فقد قال نائب رئيس المؤتمر الوطني د. نافع علي نافع: ( هذه الحكومة لن تتغير، بالتي هي أحسن أو بغيرها ).. والتي هي أحسن هي الإنتخابات، فإذا كان يضمن انه لن يتغير بالإنتخابات، ويصرّح بذلك، فهذا يعني تأكدهم من عدم تكافؤ الفرص، وتخطيطهم للاستفادة من هذه الميزة، لأبعد مدى ممكن.

 

غياب سيادة حكم القانون:

هنالك تخوف عام من تزوير الإنتخابات، وان تحدث نتيجة لذلك، اشتباكات، وصراعات مثلما حدث في كينيا وايران.. ولكن بعض قيادي المؤتمر الوطني، يستبعدون مثل هذه الأشياء، بدعوى امكانية الطعن، واللجوء للقضاء، لحسم اي نزاعات. ولكن الإشكالية التي تواجه الانتخابات، أيضاً، هي ان القضاء لم يعد مستقلاً، وانما أصبح جهاز تابع تماماً للسلطة التنفيذية، الأمر الذي يجعلنا الآن، نعاني من غياب تام لسيادة حكم القانون. وهناك أمثلة لعدة قضايا، رفعت للمحكمة الدستورية العليا، فشطبتها، لا لسبب، إلا إعتراض السلطة التنفيذية عليها.. ومع ذلك، سنسوق هنا مثال واحد، نرى انه كاف، للدلالة على صحة ما ذهبنا اليه من غياب سيادة حكم القانون. في محاكمة جماعة خليل، الذين هاجموا أمدرمان في مايو 2008م، حكم عل اكثر من مائة منهم، بالإعدام، تحت قانون مكافحة الإرهاب. ولقد اعترض المحامون، وطعنوا في دستورية ذلك القانون، خاصة المادة 13 والمادة 21 اللتان تخولان لرئيس القضاء، تشكيل هذا النوع من المحاكم الخاصة، بالتشاور مع السيد وزير العدل، حول وضع القواعد الخاصة باجراءات المحاكمة، وكيفية اصدار الأحكام.. ولقد اعتمد اعتراض المحامين، على ان السيد وزير العدل، يمثل السلطة التنفيذية، فلا يجوز له التدخل في اعمال القضاء.. كما اعترضوا على القواعد، التي وضعت بعد تدخل سيادته، لأنها مخالفة للدستور، ولقانون الإثبات لعام 1994م، وقانون الإجراءات الجنائية لعام 1991م، وذلك لأنها: تجيز المحاكمة غيابياً في جرائم عقوبتها الإعدام، ولا تمنح المتهم وقتاً كافياً لاختيار محاميه، وتدين المتهم على إقراره، وان تراجع عنه.. ثم انها تقلص فترة الإستئناف الى اسبوع، وتختصر مراحله في مرحلة واحدة.. ولقد رفض طلب المحامين بواسطة السيد رئيس المحكمة الدستورية العليا، وقال في حيثيات ذلك الرفض: ( إن القواعد المطعون في دستوريتها تتعلق باسباب غير عادية واستثنائية على حد تعبيرهم وقد راح ضحيتها عدد كبير من المدنيين والأبرياء والعسكريين ودمرت فيها ممتلكات ) الى ان يقول ( نعم هذه المحكمة ليست سياسية ولكنها أيضاً ليست جزيرة معزولة عما يجري في البلد ولا تستطيع في رأيي وهي تنظر في القواعد المطعون في دستوريتها الا ان تتعايش مع بعض الخروج عن المعايير العادية ) هذا ما قاله السيد رئيس محكمة الاستئناف العليا، وهو يمثل أعلى سلطة، يمكن ان يلجأ اليها المواطنون، حين تهضم حقوقهم.. فإذا كانت المحكمة الدستورية العليا، يمكن ان تقبل، وتتعايش، مع الخروج عن المعايير القانونية، فمن الذي ينتظر منه، رعاية حكم القانون؟! ولماذا كل هذا الخروج على المعايير القانونية، ليتم إعدام الذين شاركوا في الهجوم على أمدرمان- رغم انهم لم توجه اليهم تهم محددة بقتل اشخاص محددين- في حين انه لم توجه أي تهمة للذين قتلوا الآلاف في دارفور؟!

وإذا كانت المحكمة الدستورية العليا، قادرة على ان تجيز هذه الإعدامات، وتبررها، على ما فيها من مخالفة للمعاييرالقانونية المتبعة، من اجل حماية الحكومة، فهل يتوقع منها، أو من أي محكمة تحتها، أن تحكم ضد الحكومة في شكاوى تخص الإنتخابات؟!

 

تمويل الإنتخابات:

ذكرت بعض المصادر،ان الإنتخابات ستكلف 550 مليون دولار. ولقد ورد في الأخبار ان الولايات المتحدة الأمريكية، ستدفع حوالي 95 مليون دولار للإنتخابات السودانية. وفي 23 مايو 2009م، إستلمت مفوضية الإنتخابات مبلغ 68.7 مليون دولار، من برنامج الامم المتحدة الإنمائي، بغرض التوعية بالإنتخابات، ولم تتم هذه التوعية، وانما أنفق كثير من المبلغ على شراء عربات فارهة، وتجهيز مكاتب فاخرة، ومرتبات عالية، لموظفي المفوضية. ولكن قانون الانتخابات، نص على ان تمويل الإنتخابات، مسئولية الحكومة.. جاء في المادة 18 /1 (يجب على وزارة المالية والاقتصاد الوطني إعتماد الأموال اللازمة في موازنة حساب المفوضية لتغطية مصروفاتها الجارية وتكاليف الإنتخابات القومية وانتخابات جنوب السودان والولايات بما في ذلك الإستفتاء القومي ).

إن الإشكالية هنا، هي ان الحكومة تعتمد على الدول الأوربية، وامريكا، والأمم المتحدة، لتمويل الإنتخابات، وإن لم تقر بذلك.. وهذه الدول، تريد ان ترى توظيف اموالها، في الأغراض التي دفعت من اجلها، مثل توعية المواطنين بكيفية الإقتراع، وتدريبهم على مراقبة الإنتخابات، وشرح مفاهيم التحول الديمقراطي لهم...ألخ وهو عمل، لا تريد الحكومة ان تقوم به، ولا ان تترك غيرها يقوم به، لأنه سيؤثر سلبياً على وضع المؤتمر الوطني، في الإنتخابات. ولقد بدأت بعض الدول الأوربية، إعلان بعض التحفظات، على المساهمة في تمويل الإنتخابات السودانية، بسبب المحكمة الجنائية الدولية، وما سوف يحدث من جرائها خاصة وان الوضع لم يتحسن في دارفور.

ولما كانت الأحزاب فقيرة، وهي تنازل المؤتمر الوطني الذي يدبر للإنتخابات بامكانات الدولة، فقد جاء في الأخبار، ان القوى السياسية، قدمت مطالب للحكومة، بتقديم دعم مالي، يعينها على خوض الإنتخابات المقبلة، وان الحكومة بدورها رهنت هذه المطالبة التمويلية، باتفاق كافة القوى السياسية، في التعامل مع القضايا السياسية الداخلية بروح وطنية ( آخر لحظة 30/يونيو 2009م). فهل الروح الوطنية مفهوم واحد، لا خلاف عليه، أم ان ما تعتبره بعض الأحزاب وطنية، تعتبره الحكومة خيانة؟! فالحكومة إذن ستساعد بعض الأحزاب التي تتفق في رؤاها مع المؤتمر الوطني، ويمكن ان تتحالف معه، ولن تساعد الأحزاب الأخرى، لأنها تعتبرها لا تتعامل مع قضايا السياسة بروح وطنية!!

 

إستغلال الدين في الإنتخابات:

 قبل أشهر، وفي اثناء مناقشة القانون الجنائي، في المجلس الوطني، دعا رئيس الكتلة البرلمانية للحركة الشعبية، الاستاذ ياسر عرمان، لمراجعة بعض مواد هذا القانون، لتأثيرها المباشر على غير المسلمين، بولاية الخرطوم.. فثار اعضاء البرلمان من المؤتمر الوطني وعرضوا بممثل الحركة الشعبية، واصدرت رابطة علماء السودان، بياناً تكفر فيه الاستاذ ياسر عرمان، وتخرجه عن ملة الإسلام.. وبعد أيام، من تلك الفتاوي، وضع مجهولون قنبلة في مكتبه، بغرض اغتياله، ولم يتم القبض على الجناة، بل ان الصحف لم تنشر تفاصيل الحادث، وحين فعلت صحيفة أجراس الحرية، صودر العدد، بواسطة رجال الأمن، حتى لا يقرأ الناس تفاصيل ما حدث.

إن تكوين جسم مثل علماء السودان، بغرض ان يضلع في السياسة، ويوظف الدين لخدمة المؤتمر الوطني، يمكن ان يكون إشكالية حقيقية، لأنه يخرج اللعبة السياسية عن أصولها ويخلطها بالدين، حتى يستدر عاطفة الشعب، ويوظفها لمصلحته.

إن الدعاية الإنتخابية المتوقعة، ضد الحركة الشعبية، هي توجيه المواطنين في المساجد، بأن لا يعطوا اصواتهم لشخص غير مسلم.. خاصة وان هنالك فتوى سابقة، افتاها د. عبد الحي يوسف، نائب رئيس هيئة علماء السودان، تكفّر كل مسلم، ينتمي للحركة الشعبية لتحرير السودان. ومعلوم ان التكفير، لا يقف عند حد، ولقد تم بواسطة هؤلاء العلماء تكفير د. الترابي، حين طرح بعض اجتهاداته الدينية.. ويمكن ان يستخدم التكفير كسلاح لإرهاب الخصوم، وتأليب الرأي العام ضدهم.

ومن ضمن استغلال الدين في الإنتخابات، ان يوظف ائمة المساجد، ليدعو المواطنين للتصويت لمن يرفع الشعارات الإسلامية، بدعوى انك إذا أعطيته صوتك، برأت ذمتك، فإن لم يطبق ما وعدك به من الإسلام، فإن ذلك مسئوليته هو، وحسابه على الله.. ومثل هذا التضليل يجوز على البسطاء المتدينيين من المواطنين، مع ان المنطق البسيط يقول، بأن دعاة الإسلام هؤلاء، قد حكموا السودان لعشرين عاماً، ولم يطبقوا الإسلام، فما الذي يجعلهم يطبقونه إذا فازوا في الإنتخابات؟! ثم ان المواطن، يجب ان يعطي صوته لصاحب البرنامج، الذي يحل مشاكله، ويلبي طموحه، لا لصاحب الشعارات، الخالية من أي خطة، وان كانت شعارات دينية.

 

خاتمة:

إن الإشكالية التي حاولت الورقة تتبع مظاهرها المختلفة، هي في الأساس، إشكالية ان يدعي نظام شمولي، القيام بانتخابات حرّة، الأمر الذي يتعارض جوهرياً، مع فهمه، وتجربته، وتصوره لمستقبله. ولما كانت مسألة تزوير الإنتخابات، بصورة تقليدية، أصبحت مسألة مكشوفة، فإن المؤتمر الوطني، قد أجهد نفسه، وأهدر طاقة وامكانات الحكومة، ليزييف الجو العام، بصورة تمكنه من البقاء في السلطة، وهزيمة الأحزاب الأخرى، واعطاء حكمه شرعية تمد في عمره. هذا، بينما بقية الاحزاب، وهي تشعر بعدم تكافؤ المنافسة، عاجزة عن اتخاذ قرار المقاطعة الشجاع، لمطامعها في السلطة، التي يمنيها بها، ولو جزئياً المؤتمر الوطني نفسه. إن قيام الانتخابات، في ظل القوانين المقيدة للحريات، في حد ذاته، دليل كاف، على ان الأحزاب لا تؤمن حقيقة بالدمقراطية، ولا تحترمها، ولا تقدرها حق قدرها.. والا لما قبلت ان تخوض مثل هذه الإنتخابات، التي تمثل إهانة، واستهزاء بالمواطن، الذي يتوجه ليدلي بصوته، وهو يعلم ان الديمقراطية، لن تتأتى ما دامت تلك القوانين الجائرة تحكم حياته.

ولئن استطاع المؤتمر الوطني، ان يضلل البسطاء، ويغري الأحزاب الضعيفة، فإنه لن يستطيع ان يضلل العالم، الذي يتطلع اليه لتمويل هذه الإنتخابات، لو قدر لها ان تقوم، رغم كل هذه الإشكالات. 

 

د.عمر القراي