(وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ* وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) صدق الله العظيم

( أوصل رسالة لكل العالم .. إنو مسألة الإدانة والتنكيل بالمعارضين السياسيين دا ما حاجة، ما إذلال إنما موقف بطولي .. قُبالنا محمود محمد طه قدم روحه لأنو مبادئوا وأفكارو وعبد الخالق المحجوب وكل الناس دي .. فنحنا حنكون قويين جداً راح نكون قويين ونرسل رسالتنا لكل العالم ) !! بهذه العبارات المشرقات، واجه الطالب الجامعي عاصم عمر، جلاديه الذين حكموا عليه بالإعدام، لإتهامه بقتل شرطي، أصيب بجروح، ثم توفى بعد أيام متأثراً بجراحه- عليه الرحمة .. والشرطة هي التي بدأت طلاب جامعة الخرطوم بالضرب بالهراوات، والغاز المسيل للدموع، وبالإعتقال العشوائي، حين خرجوا في تظاهرة، تندد بالحكومة لعزمها بيع الجامعة العريقة، لأحد سماسرة الإخوان المسلمين !! وحين بادل الطلاب قوات الشرطة ورجال الأمن العنف بالعنف، وقذفوهم بزجاجات "الملتوف"، جرحت إحداهن هذا الشرطي،وتداعت مضاعفات الجرح، وتلوث المستشفى، وربما ضعف الإسعاف المناسب، في المستشفيات الخاوية، الى حالة الوفاة .. ولكن هذا القاضيالعجيب تجاهل كل هذه الملابسات، وترك موضوع بيع الجامعة، الذي فجر الغضب الطلابي، وراء ظهره، وأغفل عن عمد، الشك المعقول، الذي يقوم على شهادات، تؤكد أن عاصم لم يكن حتى في مكان الحادث، وقفز في اضطراب ظاهر، الى المادة 130 من القانون الجنائي –القتل العمد، وحكم بها على عاصم !!

جاء في الإفادات، التي سجلت ما دار في جلسة المحكمة، عن مناقشة محامي المتهم، الأستاذ محمد الحافظ للشرطي المتحري، والذي يبدو أن القاضي بنى حكمه، على قبول كل ما جاء في يوميته :
(المحامي : ما سألت عاصم وين كان ساعة وقوع الحادث ؟
المتحري: والله قال كان في البيت، وناس البيت شهدوا على كدا .. ولكن لا يمكن اعتماد شهادتم، لأنها مجروحة ، باعتبارهم أصحاب مصلحة.
المحامي: طيب هل سألت زملاهو الطلاب، عشان تتأكد إذا كان حضور في الجامعة، في يوم الحادث، أو لا ؟
المتحري: لا ما سألت) !!
فهل هناك أي تحر، في أي قضية، مهما كانت، يرفض شهادة أقرباء المتهم،ويعتبرها مجروحة، ثم هو في نفس الوقت، لا يسأل غيرهم من الشهود،ليدحض أو يقبل، هذه الشهادة التي زعم أنها مجروحة ؟! وإذا كان المتحري في القضية، قد عجز بسبب جهله، أو عجلته للإدانة، أو تحيزه، أن يربط بين المتهم، ومكان وقوع الجريمة، أليس هذا كافياً لرفض الدعوى من أساسها، لو كان القاضي مؤهل فنياً وأخلاقياً ؟ وعجز المتحري، وجهله، واضطرابه، ليسمن صفاته وحده، وإنما القاضي أيضاً يتمتع بها، وهذا ما دفعه لهذا الحكم الجائر !! فالأزمة ليست أزمة فرد، وإنما هي أزمة نظام متكامل، نظام يتزعمه أقزام، تسلطوا على رقاب الناس،وهم لا يملكون أدنى المؤهلات، لتولي أي من المناصب العامة.

وهذه ليست المرة الأولى، التي يهان فيها القضاء السوداني ، ويتمرغ في الوحل، تحت ظل حكومة الاخوان المسلمين .. ففي أحداث مظاهرات طلاب المدارس، بسبب الغلاء في سبتمبر 2013م، والتي قتلت فيها الشرطة ورجال الأمن أكثر من 200 من الطلاب، صرح وزير العدل السابق، بأنهم سيحاكمون أفراد الشرطة، والأمن المتورطين في قتل المتظاهرين .. ولكن بسبب التدخل السياسي، للنافذين من قادة الاخوان المسلمين، في قمة السلطة، لم يحاكم أحد، وذهبت دماء الطلاب الأبرياء هدراً !!
ومن صور تدخل السيد الرئيس الجائرة، وتعديه على استقلال القضاء، مما يعد إهانة للهيئة القضائية، وتحطيم لدعاوي الديمقراطية، ما حدث في قضية النقيب أبوزيد، فقد جاء (علمت "الراكوبة" من مصادر واسعة الاضطلاع، أن الرئيس البشير وجّه المحكمة الدستورية باعادة النظر في حكمها الذي قضى بعدم دستورية محاكم الشرطة التي حوكم بموجبها النقيب ابو زيد....لكن خبراء انونين تحدثوا لـ "الراكوبة" قالوا إن قرارات المحكمة الدستورية يجب ان تكون نهائية وملزمة ومحصّنة وغير قابلة للنقض وفقاً للدستور والقانون. مشيرين الى انه يمكن للمحكمة ان تراجع قراراتها وفقا لنص في لائحتها الرئيسية. غير ان الخبراء توقعوا أن يدوس البشير على الدستور والقانون وأن يكسر حصانة قرار المحكمة الجنائية، على نحو ما حدث في مرات سابقة...وكانت المحكمة الدستورية قد وجّهت باعادة النقيب شرطة ابوزيد علي عبدالله صالح الى الخدمة فورا، وإبطال كل العقوبات الجنائية التي صدرت بحقه. وقضت في الوقت ذاته بعدم دستورية الاختصاص الجنائي الممنوح لمحاكم الشرطة الوارد في قانون الشرطة، والذي حوكم بموجبه النقيب ابو زيد.وابطل حكم المحكمة الدستورية قرار محكمة الشرطة التي حكمت على النقيب شرطة أبوزيد عبد الله بالسجن 4 سنوات، والغرامة5 ملايين جنيه، على خلفية تقديمه خطاباً لرئاسة الجمهورية حول وجود فسادمالي واداري فيالشرطة)(الراكوبة23/12/2014م).

وفي قضية أخرى، من أكبر القضايا التي تم فيها الإستهتار بالقضاء السوداني، جاء(أعفى المشير عمر البشير إمام مسجد أدين في جريمة إغتصاب طالبة وحكم عليه بالسجن "10" أعوام. واصدر أمراً رئاسياً بإعفاء المجرم عن العقوبة بموجب القرار الجمهورى رقم ٢٠٦/٢٠١٣.وكانت محكمة جنايات الدويم حكمت العام الماضي على / نور الهادى عباس نور الهادي بالسجن "10"سنوات والجلد 100 جلدة وذلك لإغتصابه الطالبة "ر.ح" .وتعود حيثيات القضية إلى أن المجني عليها حضرت اليه باعتباره "شيخا" لمساعدتها في النجاح بالإمتحانات، وذلك بـ "العزيمة"على قلمها فقام بتخديرها ومن ثم إغتصابها. وتم القبض على المتهم ورفعت الأوراق إلى المحكمة التى استمعت إلى المجني عليها التى أفادت بأن المتهم قام بتخديرها ثم إغتصبها، واثبتت البينات اتيانه الفعل المذكور بما في ذلك فحص الحامض النووى DNA ، وحكمت عليه المحكمة بالسجن والجلد وإستنفذ كافة مراحل التقاضي وقد أيدت المحكمة العليا الحكم)(حريات 29/8/2013م).. وليس هنالك سبب لمخالفة السيد الرئيس لقرار المحكمة، وإلغائه، إلا أن المتهم من كبار القياديين في الحركة الإسلامية !! وهذا نموذج صارخ، ليس للدكتاتورية والظلم الفادح فقط، وإنما هو بقدر أكبر، نموذج واضح للإستهتار بالدين والخلق، وبحرمة الأعراض والقيم، وكل هذا من ثمرات تربية الاخوان المسلمن لعضويتهم في قمتها وقاعدتها !!

في هذا الجو المشحون بالغضب، نقلت الأخبار أن السيد الرئيس،قد أصدر عفواً عاماً، عملاً بأحكام المادة (1/211) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م، عن د. مضوي ابراهيم، وخمسة من المعتقلين الآخرين. ومعلوم أن د. مضوي وأصحابه، لم يقدموا لمحاكمة، ولم تتم إدانتهم في أي من التهم المنسوبة إليهم فكيف يتم العفو عنهم وهم أصلاً أبرياء ؟! أليس القاعدة هي أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته ؟؟ لقد كان من الممكن للسيد الرئيس، أو رئيس القضاء، إسقاط التهم الموجهة إليهم، والتي لم تثبت بعد، لعدم كفاية الأدلة، وإطلاق سراحهم، وقفل ملف القضية، ولكن هذا لا يسمى عفواً .. ومهما يكن من أمر، فما دام هناك إمكانية للتسامح، مع أشخاص إتهموا بالتجسس، وتقويض النظام الدستوري، والتآمر لإسقاط النظام، وهي جرائم عقوبتها الإعدام،فهل سيتم العفو عن عاصم، والذي أدين دون بيّنات تنفي الشك المعقول ؟!

إن عاصم عمر شاب صغير السن، فهو لا يزال طالباً في الجامعة.. ومع ذلك، وقف عملاقاً سامقاً أمام جلاديه، وبدا أعضاء هذا النظام المعطوب، وكل قاض سوداني لم يعترض على هذا الحكم، أمام قامته أقزاماً لا وزن لهم ولا قيمة !!
ولقد أنى للشعب السوداني، أن ينتزع الحكم من هؤلاء الأقزام،وأن يردد مقولة الأستاذ محمود محمد طه الخالدة ( الشعب السوداني شعب عملاق يتقدمه أقزام ) !!

التحية للعملاق الصغير عاصم عمر، ولإخوانه الطلاب الذين تظاهروا تأييداً له، والتحية لجماهير الشعب السوداني، التي ناصرته من مختلف أنحاء الشتات، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، و التحية للذين ملأوا ساحة المحكمة، ولم يمنعهم البطش، أن يهتفوا في شوارع الخرطوم.

د. عمر القراي