عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صدر في خواتيم العام الماضي 2016م ، للأديب والشاعر والباحث والمؤلف والدبلوماسي الأستاذ كرم الله أحمد كركساوي ، كتاب جديد تحت عنوان: " الدبلوماسية: علمٌ قديم وفنٌ متجدد " ، لكي يشكل إضافة نوعية ومعتبرة لمؤلفاته العديدة الباذخة ، التي ظل يرفد بها المكتبة السودانية والعربية بصفة عامة خلال السنوات الفائتة ، والتي بلغت نحو الثلاثين مؤلفاً باللغتين العربية والإنجليزية ، متضمنة عدة دواوين شعرية ، ومتنوعات أدبية ، وروايات ومجموعات قصصية ، إلى جانب مؤلفات أخرى في مجالات الدبلوماسية والأدب والفولكلور.
ولئن كان هذا السفر الذي صدر مؤخراً للأستاذ كرم الله كركساوي ، الموسوم ب " الدبلوماسية: علمٌ قديم وفنٌ متجدِّد " ، قد صدر في سياق جملة من المؤلفات التي نشط في تأليفها وإخراجها لحسن الحظ في السنوات الأخيرة ، وبغزارة نسبية ملحوظة تدعوا حقاً للفخر والإعجاب ، عدد من السفراء والدبلوماسيين بوزارة الخارجية السودانية ، ممن تقاعدوا للمعاش ، أو ممن هم ما يزالون في الخدمة ، وهي مؤلفات قد كان لها بكل تأكيد ، تأثيرها الكبير في رفد سائر المختصين والمهتمين والباحثين وعامة القراء بمحتلف أجيالهم وطبقاتهم ومواقعهم ، بذخيرة علمية ومعرفية وتوثيقية مهمة وثمينة للغاية في بابها ، فضلاً عن أن من شأنها أن تؤمن قدرا كبيرا من التواصل المهني والمعرفي ونقل التجارب والخبرات بين طوائف الدبلوماسيين المهنيين ، وسواهم من المشتغلين بالسياسة الخارجية وبالعمل الخارجي بصفة عامة ، كما أنها قد أعطت انطباعاً طيباً عن السفراء والدبلوماسيين السودانيين عموماً ، باعتبارهم من سدنة العلم والمعرفة ، ومن أرباب الأذهان المتوقدة والأقلام المشرعة ، ومن دهاقنة الثقافة العالية والأفكار النيرة ، إلا أننا نلاحظ أن الأستاذ كركساوي قد سلك بتأليفه لهذا الكتاب ، مسلكاً آخر مغايراً لما درج عليه سائر السفراء والدبلوماسيين الآخرين الذين سبقوه في هذا المضمار ، وأصدروا مذكراتهم وسيرهم الذاتية.
ذلك بأن المؤلف قد عمد بصورة واضحة إلى التركيز على استعراض مواضيع بعينها themes ذات صلة بالعلم والفن والمهنة والممارسة الدبلوماسية ، ثم شفع ذلك بتدوين ما عنَّ له من تعليقات وتأملات وخواطر ووجهات نظر شخصية حيال تلك الموضوعات التي وقع عليها اختياره. وبذلك جاء كتابه أقرب بالأحرى إلى الكتاب المنهجي التعليمي أو ال Text book منه إلى السيرة الذاتية التي يكون محورها الذات عادةً ، والحرص على تتبع خطواتها المختلفة على مدراج الحياة المخنلفة الاجتماعية منها والمهنية على حد سواء.
ولكن كرم الله لم ينس مع ذلك ، أن يورد – بصورة حصيفة وفي غير ما شوفينية أو ادعاء – لُمعاً مضيئة من بعض جوانب سيرته الذاتية ، وأدواره الشخصية في بعض الوقائع والأحداث التي تطرق إليها بصورة عرضية في سياق السرد.
ومما يدل على ما ذهبنا إليه آنفا ، أن محتويات هذا الكتاب الذي نحن بصدده ، قد اشتملت بعد المدخل والتقديم ، على سبعة أبواب مقسمة إلى عدة فصول ، حيث تناول الباب الأول: نظرة عامة ، وضمت فصوله: أوجه الدبلوماسية ، وفذلكة عن الدبلوماسية عبر التاريخ ، وصولاً إلى العصور الحديثة ، بما في ذلك حروب نابليون في أوروبا وتوسع امبراطوريته فيها ، وسعي الدبلوماسية الأوروبية لاحتواء آثار تلك الحقبة بعد هزيمة نابليون في واترلو ، وفصلاً عن المبادئ والأفكار التي سادت في الغرب ، وأثرت بدورها وانعكست على الفكر والممارسة الدبلوماسية ، ثم نظرة إلى الدبلوماسية مع بزوغ فجر القرن العشرين مع إشارة خاصة إلى الحرب العالمية الأولى وما تلاها من اتعقاد مؤتمر باريس للسلم. أما الباب الثاني ، فيتحدث عن أهم المنابر والكيانات والمنظمات الدولية والإقليمية التي قامت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.
بعد ذلك يتطرق المؤلف في الباب الثالث إلى ظروف وملابسات التنافس السوفييتي الأمريكي ، بينما يفرد الباب الرابع لما يسميه ب " الوجع العام للدبلوماسية " ، بينما يجيء الباب الخامس تحت عنوان: " الوجه الآخر " مستهدفاً الحديث عن الخروقات والجرائم ، وقطع العلاقات الدبلوماسية ، ورفع الحصانات وكل ما يمت إلى ذلك. أما الباب السادس ، فيطرح فذلكة موجزة عن تاريخ الدبلوماسية في عدد من الحضارت العالمية القديمة ، ويختتم الكتاب بالباب السابع الذي يضم مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي يظهر فيها المؤلف في عدد من المواقع والبلدان التي ارتحل إليها وعمل فيها من قبل ، في إطار مهنته الدبلوماسية.
وتأسيساً على ذلك ، نستطيع أن نقول إن كتاب الأستاذ كرم الله كركساوي ، هذا الذي جمع بين المتعة والفائدة ، والأسلوب الأدبي الرشيق ، الذي هو ليس بمستغرب على أديب متمرس ، وشاعر مبدع مثله ، ربما يتميز على ما سواه من المؤلفات النظيرة التي خطتها أقلام ثلة من السفراء والدبلوماسيين السودانيين في الآونة الأخيرة ، بأنه يبدو ذا طبيعة عامة وليست حصرية ، لذلك فإنه يصلح بكل تأكيد ، أن يكون مرجعاً مفيداً للغاية بالنسبة لطلاب العلوم السياسية والدراسات الدبلوماسية بصفة خاصة ، وكذلك لأولئك الذين يرغبون في التعرف على عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية والسياسة الخارجية ، والمواضيع المتصلة بهذه المجالات ، ليس في السودان فحسب ، وإنما بالنسبة لقراء العربية حيثما كانوا. هذا ، مع أن الكتاب لم يخل تماماً – مع ذلك – عن شيء من الخصوصية السودانية ، إذ أنه قد أفرد بالفعل فصولاً تحدث فيها عن أدبيات دبلوماسية الحدود السودانية والجوار السوداني ، والتعاون العربي الإفريقي ودور السودان في ذلك ، فضلاً عن إبرازه لأدوار بعض رواد العمل الدبلوماسي في السودان منذ نشأة وزارة الخارجية.
وإن كان لي في الختام من تأملات وخواطر شخصية ، أو تعليقات على مسائل محددة وردت في هذا السفر أو أوحى بها إلي ، فلعل أول ما أود أن ابتدر به في هذا الباب ، هو أن كلا الإهداء والمدخل إلى هذا الكتاب ، ينمان عن الذوق الأدبي العالي للمؤلف ، وإحساسه العميق بالهوية السودانية وبالتاريخ الوطني في خاطره ووجدانه. فقد رأيته يهدي الكتاب إلى روح شريكة حياته الراحلة عليها رحمة الله ، متمثلاً بقول أبي العلاء المعري:
ما سرتُ إلاّ وطيفٌ منك يتبعُني سُرىً أمامي وتأويباً على أثَرِي
والبيت مقتبس من قصيدة المعري الرائعة التي مطلعها:
يا ساهرَ البرقِ أيقِظْ راقدَ السَّمُرِ لعلَّ بالجِزْعِ أعواناً على السَّهَرِ
ولا غرو في ذلك ، لأن الكاتب هو كما أسلفنا ، شاعر مبدعٌ مرهف الإحساس. أما إحساسه بنبض التاريخ الوطني لللأمة السودانية ، فيشهد عليه قوله في المدخل:
" جاء كتشنر مبعوثاً بأحدث ما أنتجته الترسانات الحربية الأوروبية ، في ست وعشرين الف من رجاله بأحدث الأسلحة ، ليحارب الأنصار المدججين بالإيمان والعزيمة القوية ، ودفاعاً عن شرفهم ، فأباد في غضون خمس ساعات أحد عشر ألف رجلا ، ولم يمت من رجاله سوى ثمانية وأربعين شخصا ، وخرج بعدد أربعمائة من الجرحى .. هكذا استعمل الرجل الأبيض عقله ليقتل قبل أن يصل ، ويبيد من البعد ولا يباد .. لكن شجاعة الفرسان تظل رمزاً ومثلاً يُحتذى للصمود والتقدم ، بشهادة العدو قبل الصديق .. " أ.هـ.
ولا غرابة في ذلك أيضا ، لأن الكاتب هو سليل أحد القادة البواسل لأولئك الأنصار الأشاوس الأبطال ، ألا وهو الأمير " كرم الله كركساوي " عامل المهدي وخليفته على بحر الغزال. على أنه ربما فات على المؤلف – ولكل جواد كبوة – أن يذكر في معرض حديثه عن تاريخ السفارة والسفارت في حضارات العالم القديم والوسيط مثل: مصر الفرعونية ، وبلاد الرافدين ، والصين ، والهند ، وفارس ، وبلاد الإغريق ، والرومان ، والأمبراطورية الإسلامية وغيرها ، أن بلادنا هذه ، أرض السودان ، قد عؤفت الدبلوماسية وإرسال الرسل إلى الأمم الأخرى منذ عصر ما قبل الميلاد ، حتى أن شهرتها في هذا الجانب قد خلدته التوراة نفسها ، إذ جاء في الإصحاح الثامن عشر من سفر أشعياء ما نصه:
" يا أرض حفيف الأجنحة التي في عبر أنهار كُوش المرسلة رُسلاً في البحر وفي قوارب من البردي على وجه المياه ... اذهبوا أيها الرسل السريعون إلى أمة طويلة وجرداء ، إلى شعب مخوف منذ كان فصاعدا .. أمة قوة وشدّة ودوس ، قد خرَّقت الأنهار أرضها .. " الخ ..
وأخيراً ، فإنَّ مما أطربني حقاً ما جاء في هذا الكتاب بشأن صفات السفير بحسب مقتضيات التراث و الحضارة الإسلامية العريقة ، وهو قوله:
" اختر لرسالتك في هدنتك وصلحك ومهماتك ومناظراتك والنيابة عنك ، رجلاً حصيفاً حوّلاً قُلّبا ، قليل الغفلة ، منتهز الفرصة ، ذا رأي جزل ، وقول فصل ، ولسان سليط ، وقلب حديد ، فطناً للطائف التدبير ، ومستقلاً لما ترجو أو تحاول بالحزامة وإثارة الرأي ، متقباً له بالحذر والتمييز ، سامياً إلى ما يستدعيه إليك ويستدفعه عنك ، حاضر الفصاحة ، مبتدر العبارة ظاهر الطلاقة ، وثاباً إلى الحجج ، مبراً لما نقض خصمك ، ناقضاً لما أبرم ن يحيل الباطل في شخص الحق ، والحق في شخص الباطل ، جامعاً في هذا العلم الفرائض والسنن والأحكام والسير ، عالماً بأحوال الخراج والحسابات وسائر الأعمال. وليكن من أهل الشرف والبيوتات ، فإنه لا بد مقتف آثار أوليته ، مُحبّاً لمناقبها ، مساو لأهله فيها .. " أ. هـ
ثم عاطر التهنئة والثناء ، مقرونتين بجزيل التحية والتقدير في الختام ، للأخ الكريم ، والزميل الفاضل ، الأستاذ كرم الله كركساوي ، على هذا السفر القيم حقا ، الذي يستحق مكانه اللائق به في المكتبة السودانية والعربية.