لازمتْ ظواهر المحاورة والمناقشة بين الناس ، مراحل الوجود البشري من حيث هو ، منذ أن ظهر الإنسان الناطق والعاقل والمفكر على وجه البسيطة ، وهداه الخالق الحكيم جلَّ وعَلا ، إلى تنظيم حياته الاجتماعية ، ابتداءاً من أبسط أشكالها ، وترقياً في درج التطور والتقدم بصورة مضطردة ، تمشياً مع تغير الظروف وتقدم الزمن.
ولما شاء سبحانه وتعالى ، أن يبعث في الأمم الأنبياء والرسل ، والفلاسفة والحكماء ، مع تقدم الحياة العقلية للبشر ، فقد ظل الناس ينتقلون من مجرد الحوار والناقش العادي والساذج ، إلى آفاق أوسع وأكثر عمقاً وتشعُّباً من الجدل والمناظرة ، القائمة على شيء من النظر الفلسفي والمنطق ، كأداة موضوعية ضابطة للحجاج والاستدلال ، بغرض إلزام الحجة للخصم المحاور ، استناداً على ما يلزم به نفسه بها هو ذاته افتراضاً ، من مقدمات يتفق عليها حكماً مع محاوره.
وقد استفاد حتى علماء العقائد في سائر الأديان السماوية بلا استثناء وبلا شك ، من أسس المحاججة المنطقية وتقنياتها وأساليبها ، في تأييد أطروحات ومقولات مذاهبهم ودياناتهم المختلفة ، والذب عنها في أوجه مناقضيها ومنتقصيها ، ومن هنا جاءت – على سبيل المثال – نشأة علم الكلام في الثقافة والتراث المعرفي الإسلامي كما هو معروف.
واحتفى العلم الإسلامي منذ القرون المتقدمة ، أيما احتفاء بالمناظرة وحلقاتها ، شاملةً جميع أبواب المعرفة ، حتى أنهم كانوا يصنفون العلماء ، ويفرقون فيما بينهم ، من حيث ملكاتهم ومواهبهم وقدراتهم في هذا الجانب. فكانوا يرون مثلاً ، أن أبا علي الجُبّائي ، وهو أحد علماء المعتزلة المشهورين ، كان بارعاً في المناظرة والجدل الشفاهي دون التأليف والكتابة ، وأنّ صنوه أبا الحسن الأشعري ، كان بارعاً في التأليف ، حتى إذا عمد إلى الجدل والمناظرة ، كان أداؤه فيهما بارداً فاترا ، أو غير مؤثِّرٍ الأثر الحسن على سامعيه ، وهلم جرا.
نخلص من ذلك إلى أنَّ ظاهرة أركان النقاش الحديثة في المجتمع السوداني ، وخصوصاً في المدن والحواضر ، لها جذورها المعرفية والأدائية القديمة.
بيد أن ظاهرة " أركان النقاش " التي كانت تقيمها مختلف التنظيمات والتشكيلات السياسية والفكرية داخل الجامعات والمعاهد العليا السودانية ، ابتداءاً ربما منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي فما بعدها ، والتي أدركها أبناء جيلنا وهي على أشدها ، وفي أوج توهجها وعنفوانها ، ونحن آنئذ طلاب بالجامعة ، بين أواخر السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين ، هي التي عليها مدار حديثنا في هذا المقال ، الذي نود أن نتناول من خلاله بالتعليق ، الجانب أو الشكل الفولكلوري أو الأدائي والدرامي بالتحديد لتلك الظاهرة ، التي تندرج قطعاً في سياق ما يمكن تسميته بالفلوكلور الحضري ، أو فولكلور المدينة.
والشائع هو أن أول من ابتدع " أركان النقاش " الحديثة في السودان ، هم الإخوان الجمهوريون تلاميذ المهندس " محمود محمد طه " ، وإنما أسموا تلك الحلقات أركاناً ، لأنهم كانوا يقيمونها في أركان الشوارع والطرقات بالعاصمة وبعض المدن الكبرى في السودان ، إذ كانوا آنئذٍ هم الكيان السياسي والمذهبي الوحيد ، المسموح له بمثل ذلك النشاط ، خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي ، تحت ظل سلطة " ثورة مايو ". ومن ثم انتقل ذلك النشاط من أركان الشوارع إلى أركان بعينها داخل مؤسسات التعليم العالي ، وخصوصاً جامعة الخرطوم أم الجامعات ، التي اشتهر فيها بصفة خاصة ، ركن النقاش الذي كان يقيمه الطالب بكلية العلوم سابقاً ، والدكتور حالياً " أحمد المصطفى دالي " ، تحت ظل دوحة عظيمة وارفة من شجر المهوقني ، تقع قبالة مبنى قاعة الامتحانات الكبرى بالجامعة ، على الحافة الشرقية للطريق الرئيسي ، أو ما يُعرف ب " المين رود ".
كان " ركن دالي " كما كان يعرف بهذا الاسم في جامعة الخرطوم ، هو أحفل أركان النقاش ، وأكثرها جمهوراً ، وأشدها جذباً للمتابعين من داخل الجامعة وخارجها. وكان هو بامتياز ، النموذج الذي احتذت حذوه ، ونسجت على منواله سائر التنظيمات في إقامة أركان النقاش الخاصة بها فيما بعد. ولعلنا لا نعدو الحقيقة كثيراً إذا قلنا إن كثيراً من " كوادر " أركان النقاش بالتنظيمات الأخرى ، قد مرنوا على النقاش والجدل وتقنياته ، في حلقة دالي تلك ، حتى صاروا من بعد ، رواداً يشار إليهم بالبنان في هذا الصدد.
ولعل أول ملمح شكلي من ملامح ركن النقاش النموذجي ، هو أن الأصل فيه أن يكون صاحب الركن ، أي مبتدر الحديث ، و مدير النقاش ، والمتحدث الرئيسي فيه واقفاً ، وأن يكون جميع الحضور وقوفاً في شكل حلقة تحيط به ، ويكون هو بمثابة المركز ، أو القطب منها.
ويبدأ صاحب الركن عادةً ، ركنه بعرض موضوع محدد ، أو التعليق على حدث أو تطور بعينه ، سياسياً كان ، أو اقتصادياً ، أو اجتماعياً ، أو فكريا ، ويوضح وجهة نظر التنظيم الذي ينتمي إليه غالباً حياله ، مدافعاً أو معارضاً ، مع إيراد الحجج والبراهين ذات الصلة ، ومن ثم يفتح الباب أمام الحاضرين للادلاء بآرائهم ، أو طرح اسئلتهم واستفساراتهم. وبقدر ما يكون صاحب الركن مقنعاً في طرحه ، سديداً في إجاباته ، موضوعياً في تناوله ، محترماً لأشخاص محاوريه ولعقول الحاضرين ، بقدر ما يكون ناجحاً في أداء مهمته ، وخصوصاً في إنفاذ رسالته ورسالة الكيان الذي ينتمي إليه.
ولعمري فلقد كانت أركان النقاش تلك وبكل تأكيد ، ساحات علم وفكر ومعرفة وتثقيف حقيقي ، خصوصاً بالنسبة لناشئة الطلبة والطالبات ، يتعلمون من خلالها ، ما لا سبيل لهم إلى معرفته البتة من قاعات الدرس نفسها ، خصوصاً بالنسبة لإولئك الذين لا علاقة لهم بمجالات العلوم الإنسانية عموماً. ففي معرض تلك المناقشات والمجادلات والمناكفات بين ممثلي التنظيمات المختلفة ، يحصل المتتبع لتلك الأركان ، على ذخيرة واسعة جدا من المعارف عن تاريخ السودان الحديث والمعاصر بصفة خاصة ، إذ أنه غالباً ما يتجاوز الحوار ال " أنتَ " أي الشخص المفرد المحاور ، إلى ال " أنتم " أي الحزب أو التنظيم الذي ينتمي إليه الشخص المعني ، وموقفه من تلك الأحداث والتطورات. وهكذا يسمع طالب الهندسة أو الزراعة أو الطب وغيره من الطلاب بالطبع ، في تلك الأركان الكثير مما سوف يرسخ في ذهنه حتماً ، من وقائع وأحداث وجدالات ، واتهامات وردود عليها معينة من قبيل: مَنْ جاء مع جيش من كما يُشاع ، ومن أهدى سيف والده المجاهد لمن كما يُقال ، ومن هم الموقعون على سفر الولاء وماذا قالوا فيه ، ومن هم أقطاب مذكرة كرام المواطنين ، ومن رفض اتفاقية الحكم الذاتي 1953 التي أفضت إلى استقلال السودان ، وما ذا حدث في عنبر جودة وما هي أسبابه ، وما هي ملابسات تسليم السلطة للحكم العسكري الأول في عام 1958 ، ومن هم الذي شاركوا في انتخابات المجلس المركزي لسلطة 17 نوفمبر ، وثورة أكتوبر ، وأدوار الدكتور الترابي وحافظ الشيخ وربيع حسن أحمد ، وجبهة الهيئات ، وتكريس الحقوق السياسية والاقتصادية للمرأة ، ومؤتمر المائدة المستديرة ، وحادثة معهد المعلمين العالي ، وحل الحزب الشيوعي ، والقاضي صلاح حسن وبابكر عوض الله ، ومحكمة الردة لزعيم الجمهوريين ، وجماعة أبادماك ، وأحداث رقصة العجكو ، إلى إنقلاب مايو ، ولن تظل الجامعة جزيرة رجعية في محيط ثوري هادر ، وحوادث ود نوباوي ، والجزيرة أبا ، ثم انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971 ، وثورة شعبان 1973 ، ونشاط الجبهة الوطنية ورموزها ، وفشل محاولة يوليو 1976 م وأسبابه ، والمصالحة الوطنية وملابساتها ، ومن كان عضوا في اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ، ومن كان مستشاراً ، ومن كان سادناً ؟؟ الخ الخ..
هذا ، ومن المزايا الأساسية التي ينبغ توفرها في كادر أركان النشاط ، أن يكون مطلعا على نحو واسع وعميق على أدق التفاصيل ما وسعه ذلك ، في تاريخ السودان المعاصر بصفة عامة ، وتاريخ الكيان الذي ينتمي إليه على نحو أخص ، وذا معرفة ودراية كافية بالأدوار التي اضطلع بها كيانه برموزها وتواريخها. كما عليه أن يكون مطلعا على نحو كبير في المقابل ، على تواريخ التنظيمات الأخرى المنافسة ، وخصوصاً مواضع أخطائهم وخطاياهم وسقطاتهم السياسية وغير الوطنية إن وجدت ، وسيعينه ذلك بكل تأكيد في معرض الجدل والمناظرة.
فصاحب ركن النقاش ، بطبعه وبحكم ثقافته السياسية ، يكون مهتماً جدا بالتفاصيل لأنها عدته في المصاولة ، والشيطان عنده إنما يكمن في عدم التدقيق والتفصيل ، بخلاف ما تزعم تلك المقولة المضللة ، وكأن لسان حاله يقول كما قال المعري:
فأوضِحْ إذا ما رُمتَ إفهامَ سامعٍ فإنَّ بياناً من قضاءٍ مُعجّلِ
تقولُ حُميْدٌ قالَ والمرءُ ما درَى حُميْدُ بن ثوْرٍ أم حُميْدُ بن بَحْدلِ
وبطبيعة الحال ، فإنّه ينبغي على كادر أركان النقاش ، أن يكون شخصاً ذكياً ، لماحاً ، لبقاً ، حاضر البديهة ، واسع الحيلة ، هادئ الأعصاب ، قوي الذاكرة ، مهذب العبارة ، ويتمتع بشيء من روح الدعابة أيضا.
ومما يذكر في هذا الباب ، أن " دالي " انتقد مرة في أحد أركانه ، تنظيماً معيناً بأنه يعمد – في اعتقاده - إلى دغدغة المشاعر والعواطف الدينية لدى الجماهير ، واستغلالها كما قال ، سعياً منه لتحقيق المكاسب المادية والسياسية ، فمثَّل لذلك برجل سوداني بسيط ، يأتي إلى السوق الشعبي بالخرطوم ، وهو يريد السفر إلى بلدته بالجزيرة مثلاً ، فيجد بصاً مكتوباً عليه عبارة من قبيل: " سفريات العزّة الإسلامية " قال فيقول وهو يهم بركوب ذلك البص من دون سائر البصات الأخرى: " بسم الله .. عاد أنا الإسلام ده فايتو وين .. كان انقلب بي ومتَّ أموت شهيد !! " ومثّل دالي المشهد كله درامياً ، فانفجر الحاضرين بالضحك.
وبما أننا بصدد الحديث عن ركن النقاش كطقس فلوكلوري ، ومظنة للأداء الدرامي بالتحديد ، فإن أركان نقاش الجمهوريين هذه بالذات ، كانت تختتم في كثير من الأحيان بما يسمونه بالإنشاد العرفاني ، حيث تؤدي مجموعة منهم فاصلاً من قصائد الشعر الصوفي لشعراء مثل عمر بن الفارض ، وعبد الغني النابلسي ، ومن السودانيين لعوض الكريم موسى وغيره.
وفي المقابل ، كان طالب الطب آنذاك ، والدكتور الآن: " محمد محي الدين الجميعابي " ، صاحب ركن نقاش شهير بجامعة الخرطوم ، فيه الكثير من الحكايات المثيرة ، والفلولكوريات المضحكة ، مثل قصة " هاشم بلتون " التي سمعناها منه أكثر من عشرين مرة ، وكان لا يمل من تكرارها ، كما سمعنا منه وعد زعيم سياسي بعينه ، لجموع الطلاب بأن يستمروا في ثورة شعبان 1973م ، وأن يُبقوا عليها حيّةً أو Keep it hot كما قال لهم ذلك الزعيم باللغة الإنجليزية ، وسيأمر أنصار حزبه بالنزول إلى الشارع دعماً لهم ، ولكنه لم يفعل. ولعل ذلك هو ما أشار إليه الشاعر الراحل " محمد الواثق " في قصيدته بعنوان: " الفارس الأعزل " في قوله:
وهُمْ أوردوا جمعَنَنا مهْلَكاً وقالوا نَزالِ ولمْ ينزلوا
ويبدو أن فكرة أركان النقاش هذه ، كمظهر من مظاهر الفولكلور الحضري كما أسلفنا ، قد انتقلت من رحاب الجامعات وعرصاتها ، شأنها في ذلك شأك كثير من الأوابد الثقافية والاجتماعية واللغوية ، إلى فضاء الشارع العريض ، خصوصاً في العاصمة المثلثة. فقد شاعت عبر العقود الأخيرة ، ظاهرة حلقات مشابهة لها ، يتحدث فيها بعض المشايخ والوعاظ والناشطين المنتمين إلى هذه الجماعة أو تلك ، وبنفس التقنيات والكيفية السائدة بأركان النقاش الحديثة بالجامعات ومؤسسات التعليم العالي الأخرى. سوى أن حلقات النقاش " الشعبية " هذه ، كادت تنحصر بين فئتين فقط تقريبا هما: " الصوفيون والسلفيون " ، ونادراً ما تتعداها إلى تنظيمات أخرى.
على أنّ هذا النمط الأخير من أركان النقاش ، يغلب عليه الطابع الوعظي والإرشادي ، والنبرة الخطابية الحماسية ، ويقل فيها الحوار والنقاش الحقيقين ، بل ربما انحرفت عن مسارها إلى شيء من الشجار و العنف اللفظي أحيانا.
هذا ، ومن اللوازم الأسلوبية المميزة التي لاحظناها على الخطباء والمتحدثين في تلك الحلقات الشعبية ، وخصوصاً من قبل المتصوفة ، إكثار الواحد منهم من قوله مناشداً الجمهور: " صلوا على الرسول !! " بين الفينة والأخرى. والراجح أنه يقول ذلك إما رغبةً منه في الاستجمام قليلاً واستجماع أفكاره ، وإما مخافة العين والحسد من ذوي " العيون الحارة " ممن عسى أن يكونوا في ذلك الجمع ، الذين قد ينفسون عليه غزارة علمه ، وحسن بيانه ، وقوة حجته ، وذرابة لسانه ، والله أعلم !!.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.