عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رواية " كَرَمُ الأعداء " ، أو كما يظهر هذا العنوان باللغة الإنجليزية ، وهي التي اللغة الأصلية التي كتبت بها هذه الرواية ابتداءً “ The Kindness of Enemies “ ، هي أحدث الأعمال الإبداعية للكاتبة الروائية السودانية " ليلى أبو العلا ". وقد صدرت الطبعة الأولى لروايتها هذه في حوالي منتصف العام الماضي 2015م ، عن دار النشر البريطانية " ودينفيلد ونيكلسون " Weidenfeld & Nicolson في 392 صفحة من القطع المتوسط.
وقد فرغ الأستاذ الجامعي السوداني ، والمترجم الحاذق ، البروفيسور بدر الدين حامد الهاشمي ، من تعريب هذه الرواية ، ومن المؤمّل أن ترى ترجمته لها إلى اللغة العربية النور في المستقبل القريب بإذن الله ، علماً بأنه قد سبق له أن قام بتعريب روايتها بعنوان: " مئذنة في ريجنت بارك " أو Minaret in Regent Park ، كما ترجم رواية “ Lyrics Alley “ لذات الكاتبة تحت عنوان " حارة المَغْنى " ، وجاءت ترجمته لها ترجمة رائعة ، وببراعة وحيوية مدهشتين ، لم تبتعد بفضلهما مطلقاً عن حضور النص الأصلي لتلك الرواية ، بأسلوبها العذب الأخّاذ ، ولغتها الشاعرية الساحرة.
وكان البروفيسور الهاشمي قد ترجم إلى العربية ونشر من قبل ، مقتطفات مما ورد في بعض المقالات التي نُشرت بالملاحق الأدبية بعدد من الصحف الغربية مثل صحف: الاسكوتسمان ، والإندبندنت ، وهيرالد اسكوتلاند عن رواية هذه الرواية في مقال له تحت عنوان: " حول رواية: كرم الأعداء من تأليف ليلى أبو العلا " ، بينما وقف كاتب هذه السطور على مقال بعنوان : The Kindness of Enemies, by Leila Aboulela ، نشرته كاتبة تدعى أيريكا واقنرجان Erica Wangnerjan بصحيفة " نيو يورك تايمز " ، وأفاد منه في كتابة هذا المقال.
ورواية " كرم الأعداء " هذه لليلى أبو العلا ، تشتمل على قصتين متوازيتين ، بينهما تواشج سردي وموضوعي محكم في آن واحد معا. وقد أبدعت الكاتبة في نسج خيوط ذلك التواشج ، والمواءمة فيما بينها بمهارة فنية عالية ، تنمُّ عن خبرتها الثرة والعميقة – رغم قصرها النسبي – في تقنيات الكتابة الإبداعية ، والسرد الروائي على وجه التحديد.
أما القصة الأولى ، فهي قصة فتاة خلاسية ، أبوها سوداني وأمها روسية ، كانت تسمى ناتاشا حسين ، ولكنها صارت تعرف باسم " ناتاشا ويلسون ". تعمل هذه الفتاة محاضرة في علم التاريخ بإحدى الجامعات بأسكتلنده ، ويدور تخصصها حول تاريخ بلاد القوقاز في القرن التاسع عشر الميلادي ، ويتعلق اهتمامها البحثي على نحوٍ أخصّ بدراسة وقائع الغزو والاجتياح الروسي لبلدان داغستان ، والشيشان ، وسيركاسيا في ذلك القرن ، وما جوبه به من مقاومة إسلامية شرسة حينئذٍ.
وفي أثناء تدريسها ذلك الفصل لطلابها بالجامعة ، تكتشف " ناتاشا " أنَّ أحد طلبتها الملقب اختصاراً ب Oz” " ، والذي يعود بأصله إلى تلك المنطقة من بلاد آسيا الوسطى المسلمة ، يمتلك تحفة أثرية ثمينة تعود إلى تلك الحقبة ، ألا وهو السيف الشخصي الخاص بالإمام " شامل " ، الذي كان هو أحد كبار قادة المقاومة الإسلامية في القاوقاز في ذلك العهد.
وفي الوقت الذي تقوم فيه ناتاشا بزيارة " أوز " أو " أُسْ " ، أي " أُسامة " مختصراً ، وهو ما فسره بعض النقاد باعتباره محاولة من قبل الكاتبة لتضمين بعض الاسقاطات السياسية من الواقع المعاصر للعالم الإسلامي ، خصوصاً على خلفية مناجزته الحضارية الراهنة المتوترة مع الغرب ، حيث قاربوا بين اسم أوز أو أُسامة وشخصية " أسامة بن لادن ".
وكان أوز – بحسب الرواية - يتبادل الرسائل عبر البريد الالكتروني مع أستاذته " ناتاشا " ، مستخدماً بعض العبارات التي تثير حساسية أجهزة التلصص والتنصت عادةً ، من قبيل: " أسلحة تستخدم في الجهاد " الخ ، في ذلك الوقت بالذات يتم اعتقاله إثر مداهمة صباحية ، وتنتزعه قوى الأمن عنوة من منزل والدته لكي تمضي به بعيدا.
تجري رواية هذه القصة على خلفية وقائع قصة تاريخية واقعية أخرى ، ابتدأ أول فصولها في عام 1854م في جورجيا القوقازية ، عندما أسر جنود الإمام شامل المذكور ، السيدة النبيلة " أنّا " ومعها طفلاها ومربيتهما الفرنسية ، واحتجزوا الجميع كرهائن على الرغم من أنهم قد أحسنوا معاملتهم ، واعتبرهم الإمام شامل بمثابة الضيوف عنده ، وذلك انتقاماً من الروس الذين كانوا قد أسروت ابنه " جمال الدين " منذ عام 1839م.
وهكذا ، تشبه قصة السيدة المأسورة قصة ناتاشا نفسها في بعض جوانبها ، أي قصة امرأة غريبة تعيش في بلاد غريبة. على أنه بمرور الوقت ، بدأت أنا هذه تشعر ، إن لم يكون بالارتياح لمكوثها مع آسريها الغرباء أولئك ، فعلى الأقل بالتعود على العيش في وسطهم. أما ناتاشا ، فإنها لا تحس بالانتماء إلى أي مكان ، وتعتبر نفسها هجيناً فاشلاً ، ملفقاً من ذوات غير منسجمة وغير متناغمة. وهل قرأت ليلى أبو العلا أو مرت على واقعة أسر مقاتلي طلبان في أفغانستان لمجموعة صغيرة من الصحفيات الغربيات قبل بضعة أعوام خلون ، وكيف أنهم أحسنوا معاملة أولئك الصحفيات ، ولم يعتدوا عليهن أو ينتهكوا خصوصيتهن ، بل قاموا بإطلاق سراحهن في نهاية المطاف ، مما حدا بهن إلى التنويه والإشادة بعد ذلك ، بذلك العمل البطولي والإنساني النبيل ؟.
والأمر ذاته ينطبق على " جمال الدين " نجل الإمام شامل ، الذي ينتهي به الحال إلى أن يعيش كل حياته بين الروس ، وعندما يعود إلى بيت أبيه طليقاً ، لا يحس بأي شعور بالانتماء.
تعود ليلى أبو العلا بهذه الرواية إلى موضوعها الأثير ، ألا وهو مقاربة وتشريح الحالة الوجودية ، والنوازع النفسية والسلوكية ، التي تعتمل في نفوس الأفراد الذين يجدون أنفسهم بحكم أقدارهم أو بحكم ظروف معينة ، متنازعين بين هويات متباينة أو حتى متعادية ، أو أسرى حالات تصادم أوتضاد حضاري وثقافي بين العالم الذي قدموا منه أو ينتمون إليه ، ولو جزئياً كما هو الحال بالنسبة ل " ناتاشا " ، والعالم الذي يفدون إليه ، أو يهاجرون إليه ، أو يُجبروا على النفي و العيش فيه كما هو الحال بالنسبة ل " جمال الدين " ابن الإمام شامل.
وكأنّ ليلى أبو العلا تود من خلال هذه الرواية ، أن تشير إلى ملمح ومعنى إنساني شفيف ، مضمونه في نهاية المطاف ، هو أن الحدود بين الأنا والآخر ، هي ليست في كل الأحيان حدوداً صلبة وجامدة يصعب اختراقها وتذويبها وتقريب الشقة بينها ، وكأنها ترى ضمنياً أن من الجائزجداً بالنسبة للأنا أن تستوعب الآخر في تركيبتها ، حتى يغدو هو نفسه جزءاً منها ، حتى لتكاد أن تذهله عن كيانه الأصلي ، فيغترب عنه إلى درجة تكبر أو تصغر.
لقد قارب نفر من الروائيين في الواقع هذه الفكرة من قبل ، ولعل من أبرزهم الطيب صالح ، وخصوصا في روايته الأشهر " موسم الهجرة إلى الشمال " ، حيث جعل بطل القصة " مصطفى سعيد " ينزع حتى في لحظة انتهاء حياته بتلك الطريقة الغامضة غرقاً في النيل ، إلى الاتجاه نحو الشمال الأوروربي كما هو الراجح ، على الرغم من أن ذلك الشمال الذي خبره وتلبس به تلبساً لا فكاك عنه ، هو نفسه سبب مأساته ، وتمزق ذاته.
ومهما يكن من أمر في الختام ، فإنّ رواية " كرم الأعداء " هذه ربما ستبدو بالنسبة للقارئ السوداني خاصة ، بعيدة في جوها العام ، وشخوصها ووقائعها ، عن المواضيع التي عودته عليها ليلى أبو العلا ، وأعني بذلك المكوِّن السوداني القوي في رواياتها ، إذا جاز التعبير. وظني هو أنّ القراء السودانيين خاصةً ، سوف لن يتعاطفوا مع " ناتاشا " ، ولن يتماهوا معها كتعاطفهم وتماهيهم مع بطلتي روايتي " المترجمة " و " مئذنة في ريجنت بارك " على التوالي ، أو تعاطفهم وتماهيهم مع " نور " وحبيبته " ثريا " في رواية " حارة المغنى " ، وذلك ببساطة لأن " ناتاشا " ليس مقطوعاً بهويتها السودانية ، أو لأنها نفسها " ما بلحيل عليها ! " كما يعبرون بذلك في لهجتهم العامية.
ولذلك فإنَّ هذه الرواية تبدو بالأحرى ، ملامسة للشأن الإنساني العام ، ومقاربة للواقع الإسلامي المعاصر للشعوب المسلمة قاطبة في مواجهة الغرب بصفة خاصة ، والمناجزة الحضارية والعسكرية التي ظلت قائمة بين الكيانين ، وظلت تتخذ أشكالاً وأطواراً متعددة عبر التاريخ منذ الحروب الصليبية ، وإلى الهجمة الاستعمارية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، بما في ذلك ما حدث للمسلمين في جمهوريات آسيا الوسطى ، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تحتدم فيها الحرب التي يشنها الغرب بالأساس ضد ما يسميه الإرهاب. ومن هنا يجيء اهتمام الصحافة الأدبية الغربية ، وخصوصاً الأنجلوساكسونية منها جزئياً بهذه الرواية ، على غرار ما ورد بشأنها في صحف الاندبندنت ، والأسكوتسمان ، والأسكوتلاند هيرالد ، وجريدة سان فرانسيسكو كرونيكل ، وصحيفة الواشنطون بوست الأمريكية التي جاء المقال الذي نشره عنها بها الكاتب " رون شارلس " تحت عنوان: " رواية كرم الأعداء تستكشف الجذور العميقة للحرب ضد الإرهاب ! ". وبالطبع فإن الكاتبة ليلى أبو العلا قد عمدت إلى توظيف هذا الوضع الصدامي المتطاول في هذه الرواية ، مجسداً في تلك الحوادث التاريخية ، من أجل إذكاء الصراع الدرامي ، لغرض تكريس حرارة السرد الروائي وحيويته. ولكن تظل هذه الرواية على كل حال – وهو المهم – عملاً روائياً تخيليَّاً محضاً ، تكمن قيمته في بعده وتأثيره الفني بالدرجة الأولى.