صحبت الاستاذ الصحفي المراغي الحفيد رئيس القسم الاقتصادي في صحيفة الأهرام المصرية رحمه الله وانا في عهد اليفاعة الدبلوماسية في النصف الثاني من عقد التسعين عندما جاء زائرا لحضور المؤتمر الاقتصادي القومي الثاني، وفي تلك الرفقة العجولة كان كثير الاحتفاء بإرتباط أسرته التاريخي بالسودان اذ كان جده الشيخ المراغي قاضي قضاة السودان (١٩٠٨-١٩١٩)، ومن تعليقاته التي اذكرها بعد المؤتمر قوله ان الشخصية السودانية عصية علي التقييد والتأطير و ذلك بعد ان استمع الي الدكتور الطيب زين العابدين اثناء المؤتمر وهو يقول ان ازمة الاقتصاد السوداني هي بسبب التدخلات السياسية. وقال ضاحكا لن يستطع اي مصري ان يقول هذا الحديث في مؤتمر تنظمه حكومة حسني مبارك في القاهرة لأنه لن ير الشمس بعدها.

. لم أقف حينها علي اي سيرة ذاتية عن فترة عمل الشيخ المراغي في السودان وآثاره الفقهية في تطوير تاريخ التشريع الاسلامي في السودان، وقد شجعني علي البحث في سيرة الشيخ المراغي المراجعات التي افترعها الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه لمذكرات الشيخ السنهوري وفترة عمله بالسودان، وكذلك مقال السفير الدكتور خالد فرح عن آثار العلماء والفقهاء المصريين في السودان. و في الدراسة الفريدة التي أنجزتها الدكتورة الامريكية كارولين لوبان عن التجديد التشريعي في قانون الأحوال الشخصية في السودان اشارت الي الأثر الواضح لتعاليم الامام محمد عبده الإصلاحية والتجديدية في تاريخ التشريع والقضاء في السودان في مجال الشريعة والاحوال الشخصية، وانه عمد الي إرسال أنبغ تلاميذه للسودان ممن حملوا مشروعه الفكري الاصلاحي و التجديدي، وهذا ما جعل قانون الأحوال الشخصية في السودان يتفوق علي نظيره المصري وجميع القوانيين الاخري في المنطقة في مجال حقوق المرأة ليس لاختلاف المذاهب الفقهية كما يشيع البعض ولكن لأن الأفكار الإصلاحية التي بثها تلاميذ محمد عبده في التشريع القضائي في السودان كان لها ابلغ الأثر علي النزعة التقدمية في قانون الأحوال الشخصية، وقد ألهمت الدكتورة كارولين لوبان البروفيسور عبدالله علي ابراهيم لمزيد من البحث والاستقصاء عن تاريخ القضاء والتشريع في كتابه الشهير كما أظن وانا اكتب من الذاكرة (هذيان مانوي)، ولعل ابرز هذه الإصلاحات كما اشارت الدكتورة كارولين لوبان هي طلاق الفدية، كما أقره الشيخ الجزولي شيخ القضاة في سبعينيات القرن الماضي ، وهو يؤكد حق المرأة في طلب الطلاق وانها يمكن ان تفتدي نفسها ببذل مال عيني مستحق او مسترد. وقد كان السودان سبَّاقا ومتقدما في هذا المضمار، وهذا ما جعل جيهان السادات قرينة الراحل أنور السادات ان تكتب في مذكراتها ان السادات استفاد من تجربة السودان المتقدمة في مجال حقوق وتمكين المرأة.
. في سيرته العلمية والعملية المبذولة في كتابه ( الاجتهاد) الذي نشرته هيئة علماء الأزهر العام الماضي قال الشيخ المراغي عن نفسه انه ذهب ليودع الشيخ محمد عبده الذي انتدبه في العام ١٩٠٤ ليتولي القضاء في مديرية دنقلا. فقال له الشيخ محمد عبده: هل لك رفقاء سفر؟ فقال الشيخ المراغي: نعم ، بعض كتب آنس بها وأديم بها اتصالي بالعلم. فقال له : أومعك كتاب الإحياء للغزالي؟ فقال المراغي نعم. فقال محمد عبده: هذا الكتاب لا يجوز لمسلم ان يسافر سفرا طويلا دون ان يكون رفيقه.
ويتضح من مذكرات الشيخ المراغي ان رفيق سفره للسودان كان كتاب الأحياء للغزالي وهو كتاب تجديدي في عصره، ولعل في التماس صحبته للسودان بذلا لمعرفة الخلق خاصة وان اهل السودان لديهم اتصال وجداني وحبل عرفاني متصل بسيرة وتاريخ التصوف، ولعلي من باب الاستطراد اذكر في هذا المقام إنني لم اطالع كتابا ممتعا عن التصوف بعد ( إحياء علوم الدين ) للغزالي وكتاب الدكتور زكي مبارك ( التصوف) من كتاب الدكتور زروق حسن زروق استاذ الفلسفة الاسلامية في الجامعات السودانية الصادر تحت عنوان ( التصوف الاسلامي). ولعل الأعجب في سيرة كتاب ( إحياء علوم الدين) للغزالي ان الحركة الاسلامية منعت عضويتها من مطالعته في عقد الستين والسبعين حتي لا يستشري فيها داء المسكنة كما أفادني المرحوم يس عمر الامام.
قال الشيخ المراغي انه لم يعّمر طويلا في دنقلا اذ استقال من منصبه بعد سنة واحدة لخلاف بينه وبين مستر كارتر المفتش القضائي في السودان الذي قرر زيادة مرتب القاضي الشرعي ستة جنيهات علي مرتبه الاساس الذي يبلغ أربعة عشر جنيها، فرفض الشيخ المراغي محتجا للفرق بينه وبين مرتب القاضي الانجليزي البالغ خمسون جنيها.
عاد المراغي للقاهرة وعمل مفتشا للدروس الدينية بنظارة الأوقاف، لكن اتصل عليه سلاطين باشا من السودان ليعرض عليه العودة للسودان ليعمل في منصب قاضي القضاة. ولم اجد مصدرا تاريخيا آخر استطيع ان أحقق منه حادثة اعادة تعيينه قاضيا للقضاة بواسطة سلاطين باشا الذي لم يألوا جهدا في تثبيت سلطة الإنجليز في السودان ، وإذا لم يكن سلاطين متيقنا ان الشيخ المراغي سيقوم بتحقيق هذا الهدف والتعاون مع الإنجليز لإخضاع السودانيين لسلطتهم لما عرض عليه هذا المنصب. لكن علي العكس من ذلك حاولت مذكرات الشيخ المراغي ان تثبت له دورا بطوليا في مقاومة الإنجليز ودعم الثورة الوطنية في مصر والسودان. ولعل تعيين الشيخ المراغي بواسطة سلاطين في هذا المنصب الهام بعد تسع سنوات من سقوط المهدية يدل علي رغبة مكبوتة لدي سلاطين لكنس الآثار الدينية والفقهية لدولة المهدية ودماء كرري لم تجف بعد من الذاكرة الجمعية للأمة ، وهذا يؤكد ان الشيخ المراغي كان مؤهلا للقيام بهذا الدور وتثبيت أركان حكم الإنجليز في ذلك الوقت. قال المراغي انه اشترط علي سلاطين ان يتم تعيينه بواسطة الخديوي ( حاكم مصر والسودان المسلم) حسب تعبيره وليس الحاكم العام في السودان، وتم له ما اراد. وقال الأزهر في تعليقه ان طلبه ذلك حتي يثبت الدلالة الشرعية علي اختصاص الحاكم المسلم بالولايات الشرعية. واشترط الشيخ المراغي ان يختار بنفسه المذاهب والآراء والاجتهادات التي يحكم بموجبها القضاة في السودان. وإذا صدق هذا الوصف في صفحات التاريخ فإن ذلك كان مدخلا لمنهج الإصلاح الديني والتشريعي في السودان، اذ اشرف علي القسم الشرعي بكلية غردون ودرّب عدد من القضاة السودانيين. ومن الطاف السودان علي المراغي انه تعلم في ربوعه اللغة الانجليزية حسب مذكراته.
أكد الشيخ المراغي انه قام بأدوار وطنية في السودان و لم اجد ما يسند هذه المزاعم من روايات التاريخ. وادّعي انه ساهم في إصدار نشرة بعنوان ( اكتتاب لمنكوبي الثورة بمصر) و طلب منه نائب الحاكم الانجليزي حسب روايته إيقاف هذا النشاط المعادي للإنجليز، فرفض. وحسب ما ورد في الكتاب فإن مستر دن نائب الحاكم هو من أمره بذلك. وحسب المتواتر في كتب التاريخ فإن السكرتير الاداري هو من ينوب عن الحاكم العام ولا ادري هل كان مستر دن هو السكرتير الاداري وقتها ام شخص آخر ؟.
عندما رفض الشيخ المراغي الاستجابة لأمر الحاكم الانجليزي قال له انني أكلمك كرئيس فرد عليه قائلا: انت الحاكم السياسي وتم تعيينك بأمر من الخديوي وانا قاضي القضاة ومعيّن بأمر ملكي من الخديوي وليس لأيٍ منا إمرةً علي الآخر. فقال الحاكم انني قلت للندن ان الشيخ المراغي يعد من دهاة العالم. ولا شك ان في هذا تزّيدا من الأزهر وهو ينسب هذا القول للحاكم الانجليزي اذ لم نجد في الآثار المكتوبة ما يثبت هذا القول. وزاد اكثر من ذلك عندما نسب لصحيفة التايمز البريطانية انها قالت ( ابعدوا هذا الرجل من السودان فإنه اخطر علي حياتنا وبلادنا من ويلات الحرب)، ولا أظن ان هذا تعليق يليق بصحيفة التايمز الانجليزية اذ لم تكتب هذا التعليق علي من هو اعظم اثرا وخطرا من الشيخ المراغي بالسودان، مما يجعلني أشكك في هذا القول جملة واحدة. لكن ما الذي يدفع مؤسسة الأزهر ان تكتب عن سيرة الشيخ المراغي كل هذه المزاعم والادعاءات دون تحقق؟ خاصة وان مذكراته لم تخضع لمراجعات وتحقيقات تاريخية، ونسب الأزهر اليه انه قاد مظاهرات في السودان دعما لثورة سعد زغلول ١٩١٩ وأخذ يجمع توقيعات السودانيين والمصريين للمطالبة بالإستقلال. وحسب هذه المزاعم اراد الإنجليز اعتقاله ولكن خشوا من غضبة السودانيين فقرروا ابعاده عام ١٩١٩ الي مصر.
لا شك عندي ان الشيخ المراغي كان احد أركان التجديد التشريعي في السودان اذ حمل الأفكار الإصلاحية للشيخ محمد عبده، وخلال فترة عمله التي امتدت لأثنتي عشر سنة لفترتين الأولي عندما عمل قاضيا لمديرية دنقلا (١٩٠٧-١٩٠٨) والفترة الثانية قاضيا لقضاة السودان (١٩٠٨-١٩١٩) ، وترك آثارا هامة في مسيرة التشريع القضائي في السودان علي هدي الأفكار الإصلاحية للشيخ محمد عبده. ولعل فترة عمله لمدة احدي عشرة سنة قاضيا لقضاة السودان تعتبر الأطول من بين كل نظرائه المصريين الذين اعتبر بعضهم ان السودان لا يليق به وبمقامه وانه بمقام المنفي لعقوبة المغضوب عليهم من موظفي الدولة المصرية مثل الطهطاوي الذي ندب حظه فيه بقصيدة طويلة وان السودان ليس بمقامه وليس فيه سعاد او سُعدي.
لكن استوقفتني في سيرته مزاعم البطولات الوطنية التي لم يسجلها التاريخ ، وكذلك موقفه من مقاومة الإنجليز وهو ما يتعارض مع قصة تعيينه في منصب قاضي القضاة بواسطة سلاطين باشا. وحسب وقائع التاريخ فإن الشيخ المراغي عُرض عليه هذا المنصب حتي يقوم بكنس الآثار الدينية والفقهية للثورة المهدية وتجفيف المنابع الدينية للثورة و اخضاع السودانيين لسلطة الإنجليز، وليس رغبة في بث الأفكار الإصلاحية للشيخ محمد عبده. هذا رغم قناعتي التي اثبتها كثير من الباحثين والدارسين ان الأفكار الإصلاحية للشيخ محمد عبده استبانت آثارُها وظهرت في السودان اكثر من مصر لأنه درج علي إرسال النجباء من تلاميذه للعمل في السودان مثل الشيخ المراغي والشيخ محمد شاكر وغيرهما، كما ان افكار الشيخ محمد عبده كانت محاربة الي حدٍ ما في مصر خاصة من قبل الأزهر ولم تتح له فرصة كافية لنشرها الا من خلال مؤلفاته خاصة تفسير المنار ودروسه ونشاطه التعليمي لذا وجدت متنفسا في السودان من خلال تلاميذه الذين خدموا في القضاء والتعليم اثناء فترة الحكم الثنائي. و ليت مؤسسة الأزهر اكتفت بالتنويه لتعاليم الشيخ المراغي وعمله القضائي في السودان ونشاطه الإحيائي والتجديدي دون ان تنسب له مواقف بطولية في مقاومة الإنجليز يصعب إسناد روايتها او التحقق منها، بل تتعارض منطقيا مع سيرة التاريخ ووقائعه المكتوبة، خاصة وان دوره التاريخي في تطوير الإصلاح التشريعي والقضائي في السودان يكفي لتمجيد سيرته والاحتفاء بآثاره دون الحاجة الي مزايدات حول دوره البطولي المزعوم في مقاومة الإنجليز. لعل من اشهر مواقف الشيخ المراغي بعد عودته لمصر وتقلده شياخة الأزهر ان حضر اليه الملك فاروق وهو طريح الفراش يطلب منه بعد ان طلق زوجته (فريدة) إصدار فتوي لتحريم زواجها من احد غيره، فرفض وقال للملك فارق بعد ان احتدم النقاش بينها اما التحريم فسلطة لا أملكها، وتوفي بعد يومين من الحادثة بعد ان كظم غيظه وتمسك بموقفه امام الملك فاروق.
اتمني ان يسهم علماء التاريخ في تنقيح سيرة الشيخ المراغي في السودان بما يتسق مع الحقائق العلمية وذلك من اجل حفظ سجلات أوثق للتاريخ لبناء الوعي الذاتي والهوية القومية والذاكرة الجمعية لأهل السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.