أسفار الألماني فون كالوت في نواحي سنار وشرق النيل الأزرق في العام 1831م (1)

ترجمها من الألمانية إلى الإنجليزية: جى اسبولدينق:
تعريب: الدكتور/ خالد محمد فرح
*البروفيسور جى اسبولدينق Jay Spaulding عالم تاريخ كبير ، وأستاذ جامعي أمريكي الجنسية ، متخصص في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان. وقد سمح اسبولدينق في مدونته على الانترنت حيث نشر هذه الترجمة ، لأي شخص بأن يستخدم هذا العمل كلياً أو جزئياً ، شريطة أن يشير إلى مصدره. وها نحن نفعل ذلك.
توطئة بقلم المترجم جى اسبولدينق:
العمل المقدم أدناه ، هو عبارة عن ترجمة جزئية للتحرير الذي أعده فردريش جى بيبر Friedrich J. Bieber لمصنف ادوارد فرايهرّن فون كالوت Eduard Freiherrn von Callot بعنوان:
Eduard Freiherrn von Callots Reise durch Kusch und Habesch: Erinnerungen und Reisebilder. Stuttgart: Union Deutsche Verlagsgesellschaft, 1923.
أي: رحلة إلى بلاد كوش والحبشة ( التعريب مختصراً للعنوان من المعرّب الحالي ):
دخل فون كالوت السودان قادماً من مصر عن طريق أبو حمد. وفي أثناء صعوده مع النيل باتجاه الملتقى ( يعني ملتقى النيلين الأبيض والأزرق – التوضيح من المعرب الحالي ) ، كتب مطولاً عن المخلفات المروية ، والآثار السودانية الأخرى التي قابلها. إن هذه المادة معروفة جيداً بين الآثاريين ، كما تم توظيفها باستفاضة بواسطة طائفة من العلماء السابقين. وتحتوي هذه المادة في المقابل ، على قدر ضئيل من الأهمية والفائدة بالنسبة لمن هم خارج مجال علم الآثار.
وبخلاف بعض المخلفات الآثارية الشاخصة القليلة التي اجتذبت أنظاره وهو يسير في المنطقة الواقعة جنوب الشلال السادس ، ركّز فون كالوت انتباهه على عالم السودانيين وحياتهم في تلك المنطقة. ويمكن مضاهاة روايته في هذا الباب من حيث الكيف والمستوى ، مع روايات أخرى لرحالة عديدين من القرن التاسع عشر. وهي رواية قمينة بأن تُعرف على نحو أفضل.
وربما كان أهم ملمح من ملامح رواية فون كالوت ن هو الطريق الذي سلكه داخل السودان ، والذي حدث ان كان مطابقاً تقريباً لذلك الطريق الذي كان قد سلكه ( في الاتجاه المعاكس ) جيمس بروس قبل نصف قرن من ذلك التاريخ. ففي أكثر من موضع تعضد الروايتان بعضهما بعضا ، علاوة على أنهما أبكر الروايات ، أن لم تكونا الوحيدتين ، عن بعض الأنحاء الواقعة في الجزء الشرقي من السلطنة السنارية ، وهي تلك المنطقة التي وإن تم إخضاعها باستسلام السلطان ( سلطان الفونج – الزيادة من المعرب الحالي ) في عام 1821م ، إلاّ أنها لم تكد تُمسّ تقريباً بواسطة الأتراك بعد مضي عقد من ذلك التاريخ إبان زيارة فون كالوت لها. ومن الجدير بالملاحظة ، حديثه عن عاصمتي الفونج الإقليميتين في كل من " بيلا " و " عطبرة ".
إن الترجمة التي سوف تلي ، ليست مفسّرة أو محشيّاً عليها على نحوٍ كامل بعد ، وسيتعين على القراء أن يُذكِّروا أنفسهم باستمرار بأن ليس كل ما كتبه فون كالوت قد كان بأي حال من الأحوال دقيقاً وصائبا بالضرورة.
إنه على كل حال ، رفيق سفر ذكي ، ولطيف ، وودود.
ويود المترجم ( أي المترجم الأصلي – اسبولدينق ) أن يعرب عن ترحيبه الكبير بأية تصويبات أو انتقادات او ملاحظات. ويمكن التواصل معه عبر عنوان بريده الالكتروني.
القسم الأول: مختارات من " في كوش القديمة ":
]ص 146[ ( سائر النصوص المكتوبة بين معقوفتين مرسومتين بهذه الصورة في هذا النص هي من عمل المترجم – المعرب ) الحلفايا هي عاصمة مقاطعة دار الحلفايا أو ود عجيب. وهي تقع في سهل واسع يجل عن القياس ، مغطى بكميات كبيرة من أشجار الأكاسيا ( أشجار العضاه مثل: السنط والسيال والسَّلَم والسَّمُر الخ – الشرح من المعرب الحالي ) ، ونباتات الصحراء . وموقعها ليس بعيداً عن النيل المزروعة ضفته بشكل جيد جدا. ويقطن بالحلفايا التي هي أقل أهمية بكثير من شندي ، حوالي أربعة آلاف نسمة. وتقوم البيوت في شكل مجموعات ، أو منفردة داخل باحات واسعة ، ولهذا السبب تحتل المدينة مساحة واسعة جدا. أما الشوارع فهي جميعها في غاية عدم الانتظام.
في الأزمان السابقة ، كانت الحلفاية مثلها في ذلك مثل شندي وسائر مملكة سنار ، خاضعة لمطامح محمد علي ( باشا: الزيادة من المعرب الحلي ) في الحكم ومطامعه في الاستيلاء على الأراضي. وإلى غرب النيل تقطن قبائل الكبابيش البدوية ، وال Kemeab ( كما في النص الألماني بينما يقترح اسبولدينق: الجميعاب وهوما نميل إليه أيضا – المعرب ) ، والكناري Kenari – لم نستطع الاهتداء إليهم .. ولكن هل من الممكن أن يكون قد حدث تصحيف ما بمعنى أن تكون الكلمة المقصودة هي Kerari أي: جراري من (بني جرار) وقد كانوا يقطنون غرب النيل الأبيض قريبا من أم درمان ؟– المعرب ) ، أو لعله يقصد " كرري " الجبل الذي يقع شمال ام درمان والذي ارتبط اسمه بتلك المعركة الشهيرة في تاريخ السودان - المعرب ، والكرارات Kararat ( كما في النص الأصلي – ولعل المقصودين هم القِريّات لأنهم من سكان غرب النيل بتلك المنطقة – المعرب ) ، بينما يقطن في الصحراء الشرقية كل من الشُّكرية ، والشاوس ؟ Schaus ( لم نهتد إليهم – المعرب ) ، والعبدلاب ، والشايقية ، والحسانية.
انطلاقاً من الحلفاية ، اندفعت صاعداً إلى مسافة خمسة عشر ميلاً بمحاذاة الضفة اليمنى للنيل إلى رأس الخرطوم. انتصبت بعض الهضاب بإزاء الضفة الغربية للنيل ، وقد كانت سفوحها والأرض المحيطة بها إلى ضفة النهر ، مغطاة بأحراج كثيفة من أشجار الأكاسيا. ولكن لا يستطيع المسافر أن يشاهد في تلك المنطقة ، بما في ذلك الضفة اليمنى ، قرية أو حتى حقلاً واحدا ، بسبب ان التربة هنالك مكونة في معظمها من الرمال ومن الحجر الرملي. مررتُ في طريقي على مقربة من جزيرة أم دون Omdon ( الراجح أن المقصودة هي أم دوم ولم يعلق اسبولديتق على ذلك – المعرب ) التي يبلغ طولها ثلاثة كيلومترات. وإلى الشرق منها تقع جزيرة الخرطوم – توتي. وإلى الجنوب الغربي من أم دون ، هنالك جزيرة صغيرة أخرى تدعى أم درمان ، وعلى الضفة اليسرى توجد قرية أم درمان. وفوق هذه الجزر يجري بحر أزرق أي: النيل الأزرق أو الأستابوس Astapus كما يعرفه الأقدمون بهذا الاسم ، معاً مع بحر أبيض أو النيل الأبيض. وفي السابق كان رأس الخرطوم بمثابة الحد بالنسبة لمملكة سنار أو دار الفونج التي يحدها بحر أبيض من جهة الغرب. ويمتد سهل واسع بعيداً إلى الجنوب والجنوب الغربي. وفي بعض الأحيان ، يغمر فيضان النيل الأبيض ضفته الواطئة إلى عرضٍ يتراوح ما بين 450 إلى 600 مترا ، وبالتالي فإنه يتمتع بتربة جيدة جدا ، وملائمة بامتياز للزراعة. إن مياه النيل الأبيض في الواقع ، هي في بياض اللبن تقريبا ، بينما أن مياه النيل الأزرق تبدو أكثر صفاءً ، وتميل إلى اللون الأزرق. ومهما يكن من شيء ، فإن النيل الأبيض ( البارو أو السوباط حالياً ) ينساب عبر أراضٍ ذوات تربة طينية بيضاء ، بينما يجري النيل الأزرق منحدراً من أعالي صخور وجبال اثيوبيا البركانية ، حاملاً معه التربة البركانية المنجرفة ، التي تُخصب كل أراضي النيل.
وفي رأس الخرطوم ، شاهدتُ أربعة من أفراس النهر ]ص 149[ كانت قد صعدت إلى خارج النهر وذهبت إلى اليابسة. وبما أن هذه الوحوش العملاقة تخرٍّب المحصول ، كما أنها خطرة أيضا ، فإن الأهالي قد أشعلوا فوراً ناراً عظيمة ، وقرعوا بقوة فظيعة على طبل ، حتى رجعت جميع تلك المجموعة من ذوات الأربع من حيث أتت ، ثم غطست بسرعة في النهر واختفت.
وفي توتي جزيرة الخرطوم ، شاهدت أطلال كنيسة قبطية ، غير أنني لم أعثر على أي أثر حي للمسيحية ، سواءً في بلاد النوبة ، او في سنار ، ولا كذلك أية كتابات يعقوبية Jacobite writing ( لم يشرحها المترجم أو يعلق عليها ولكن لعل المقصود منها كتابات تخص مذهب المسيحيين اليعاقبة وهم أتباع المطران السرياني: يعقوب البرادعي الذي عاش في القرن السادس الميلادي وكان يدعو إلى الاعتقاد في الطبيعة الواحدة للمسيح ، وهو مذهب انتشر في مملكة علوة – المعرب ).
إن تيار بحر أبيض قوي جدا ، بينما ينساب بحر أزرق هابطاً في بطء. ( لم يعلق المترجم على هذه المعلومة ، إذ في الواقع أن العكس هو الصحيح بصفة عامة ، ولعله اعتبرها من قبيل تلك الأشياء غير الدقيقة وغير الصائبة التي أوردها المؤلف . اللهم إلا أن تكون زيارة فون كالوت لمقرن النيلين قد تمت في أول الصيف أي ابريل أو مايو مثلاً ، عندما يكون تيار النيل الأبيض أقوى نسبياً من تيار النيل الأزرق بسبب أن الأمطار تهطل في الهضبة الاستوائية أبكر قليلاً من هطولها في الهضبة الإثيوبية – المعرب ). وفي الحقيقة ، أن ماء كل من هذين النهرين يمكن تمييزه عن الآخر إلى مسافة بعيدة جداً أسفل ملتقى رأس الخرطوم ، تلك البقعة من الأرض المسماة ب " رأس خرطوم الفيل " ( هذا هو التخريج الذي ظل شائعاً ردحاً من الزمن لاسم الخرطوم عاصمة السودان ، وهو غير صحيح بالضرورة ، بل إن فيه شبهة تخريج مدرسي. ذلك بان عامة السودانيين لا يعرفون خرطوم الفيل وإنما يسمونه فرطلّة أو زلومة في عاميتهم - المعرب ). فكأنما هذين النهرين المختلفين جدا ، يجريان في مجرى واحد ، ذلك بأن مائيهما مختلفان بصورة واضحة من حيث اللون ، وسرعة التيار إلى مسافة بعيدة.
وعلى مقربة من رأس الخرطوم ، لا يجد المرء إلا أكواخاً قليلة بائسة. بيد أنني أرى أن من شأنها بقليل من الاهتمام والاستثمار من قبل الحكومة ، أن تصبح مكاناً على قدر كبير من الأهمية. أولاً: من المنظور الاستراتيجي ، ستكون محصنة بصورة مناسبة. ذلك بأنها لا تطل على النيلين الأزرق والأبيض فحسب ، والمجرى الموحد للنهر والجزر ، ولكنها تشرف كذلك على سائر المنطقة المحيطة بها. ثانياً: ]من الممكن لها أن تصير[ سوقاً مهمة ، إذ أن خمسة أو ستة طرق تجارية برية ، وثلاثة نهرية تؤدي إلى ذلك المكان. ولذلك فقد تقدمتُ باقتراح ، وأعددت الرسومات المناسبة ومخططات البناء الخاصة بالتحصينات ، لأنني أعتقد أنه سوف يكون من الملائم إنشاء مدينة كبيرة هاهنا ، من أجل خير البلاد ، وبغرض زيادة العوائد الحكومية. ( ولكن اقتراح فون كالوت هذا كأنه من قبيل تحصيل الحاصل ، لأن العاصمة كانت قد انتقلت من سنار وود مدني على التوالي بالفعل إلى ذات الموضع الذي يشير إليه ، أي الخرطوم منذ عام 1825م في عهد الحكمدار خورشيد باشا وهو يكتب في العام 1831 أو بعده – المعرب ).
ومع توفر سياسات معقولة ، وسلطة ضرائب غير مفرطة الطمع ، فإن هذه المدينة الجديدة ، سوف تصبح قريباً سوقاً مزدهرة جدا. فالطرق تؤدي من رأس الخرطوم مباشرة عبر الصحراء الغربية إلى ( أب دوم ) في ]منطقة[ دنقلا ، وفي اتجاه الجنوب الغربي عبر طريقين أو ثلاثة طرق إلى (بارا) و (الأبيض) في كردفان ، ومن هناك يتقدم إلى الأمام نحو دار فور أو أرض الفور. كذلك تذهب الطرق في كل اتجاه ]جنوبي[عميقاً داخل إفريقيا. ]إنها تؤدي[ في اتجاه الشمال الشرقي إلى عن طريق شندي إلى بلاد النوبة وإلى مصر ، أو إلى سواكن على ساحل البحر الأحمر. ]وأخرى تجري[ باتجاه الجنوب إلى مدينة سنار العاصمة ، ومن هنالك مرة أخرى تتجه في شتى الاتجاهات نحو كردفان ، ودار فور ، و ]بلاد ال[ بقّارة ، ودار فور ، ودار البُرُن Dar Burun ، ودار فازوغلي ، إلى دار فرتيت ، و ]بلاد ال[ أورما Orma ( أو بجة أورومو أو بلاد القالا ) ، أي قبائل القالا أو الأورومو ، متوغلة إلى الأمام في داخل إفريقيا. ]وتؤدي[ في اتجاه آخر بطرق عديدة إلى إثيوبيا ، وعبر هذه البلاد الكبيرة إلى مصوع على ساحل البحر الأحمر. ومن الواضح ان هنالك صلات تجارية مهمة ، بحرية وبرية ، تربط بين هذه المواضع. وفي ظل حكم أوروبي ، وليكن نمساوياً على سبيل المثال ، فإن من الممكن تأسيس مدينة تجارية مزدهرة هنا في غضون سنوات قليلة ، مدينة من شأنها أن تصبح مركزاً أو بؤرة للتجارة في شرق إفريقيا. شرق إفريقيا التابعة للنمسا !.
إنني لا أستطيع وصف المسافر التي انتابتني عند أول مشاهدة لي لنيل الأبيض الذي يجري عبر جزء كبير من إفريقيا. لقد كنت اود أن أجدَّ السير بكل سرور نحو منبعه ]ص 151[ الذي يقال صواباً او خطأً إنه ينبع من بحيرة صغيرة في " جبال القمر " Jabal al-Qamar ( هذه المعلومة مستقاة من أدبيات طائفة من الجغرافيين والرحالة العرب في القرون الوسطى كابن حوقل والمسعودي والإدريسي وغيره – المعرب ).
ثم إنني صعدت بمحاذاة النيل الأزرق. والأرض هنا غير مزروعة في معظمها. وعلى بعد ثلاثة أو أربعة كيلومترات فوق رأس الخرطوم ، وجدت مدينة ( مريوك ) Meriok ( لم نستطع التعرف على مريوك هذه ولكننا نرجح أن يكون الموضع المقصود هنا هو بلدة (الجريف كركوج/ مريوك؟) ، فكأن تصحيفاً فظيعاً آخر قد حدث هاهنا أيضا. وكركوج بلدة عريقة ومعروفة تقع في ذات النواحي في جهات أم دوم وسوبا الخ ، واشتهرت بوقوع المعركة الفاصلة بين الفونج والعبدلاب فيها في عام 1611م – المعرب ) وبعدها أم دوم Amdom .
وبعد سير قصير من أم دوم ، وصلتُ إلى خرائب سوبا. وحيث كانت تقوم هنا ذات مرة مدينة قديمة ، عثرتث فقط على أكوام من القمامة مكونة من طوب مصري ، وقليل من المباني الأخرى المهدّمة ، وبعض أكوام من الرماد ومخلفات المعادن ، مما يدل على أن بعض العمال قد مارسوا تجارتهم في هذا الموقع. وفي وسط ذلك المكان ، تحت تلك الجبال من الأنقاض ، عثرتُ على تمثال لأبي الهول مقطع الأطراف. لقد كان طوله يبلغ حوالي المترين ، وهو مصنوع على الأسلوب المصري ، ومنحوت من حجر رملي داكن مشوب ببقع من الكوارتز. وقد أثبت ذلك بالنسبة لي ، أن المدينة التي تقع على بعد نحو اربعمائة متراً من النهر ، تنتمي بالفعل إلى العصور القديمة. إن تلك الأطلال قليلة الأهمية ، تقع في وسط منطقة غير مزروعة تماماً ، ومحاطة بأحراج من أشجار الأكاسيا التي نصب بداخلها ( المراكبة ) Marakba ( لعل المقصود أصحاب المراكب أو المراكبية كما يعرفون أكثر بهذه الصيغة في السودان – المعرب ) أكواخاً قليلة بائسة. وإلى جوار قرية الرُديس / الروديس Rodess ( لعل المقصود هنا " الرويس " تصغير راس الكثيرة الورود كصفة طبوغرافية للأراضي الساحلية والشاطئية ، تحولت الى اسم علم لعدد من المواضع في تلك المنطقة – المعرب ) ، تقع أطلال مدينة قديمة ، تحتوي على شطايا مكومة ومبعثرة من الطوب. وقادنا المسير قدماً نحو أبو حراز من قرية إلى أخرى. وبالنظر إلى الأمطار المتزالية والغزيرة التي تهطل في هذا الإقليم ، فإنَّ هذه المنطقة بأكملها من شأنها أن تكون ملائمة للزراعة.
هنالك طريق تجاري يؤدي من أبو حراز إلى شندي يشق الصحراء ، وطريق آخر يؤدي إلى الأبيض في كردفان وكوبى في دار فور ( كانت كوبى بلدة تجارية عامرة تقع شمال غرب الفاشر في نهاية الطرف الجنوبي من درب الأربعين ، وكان جل سكانها تجاراً وخبراء قوافل تعود أصولهم إلى شمال السودان وكردفان ، وقد اندثرت منذ عهد المهدية وتفرق سكانها – المعرب ) وثالث يمضي ماراً بموضع " ريرة " المقدس ( لم يوضح فون كالوت بأي شيء كانت ريرة مقدسة ، ولم يعلق المترجم اسبولدينق على ذلك أيضاً – المعرب ) إلى قوز رجب و فيليك Filik ( لم نهتد إليها - المعرب ) عبر بلد التاكا أو أرض التاكا ، وجزء من الصحراء الشرقية إلى سواكن ]ص 152[ والبحر. واثنان آخران من ]الطرق يؤديان[ إلى أكسوم وقُندار في إثيوبيا. ولذلك فإن أبو حراز هي سوق. وإلى الجنوب من أبو حراز ، عبرت نهر الرهد الذي يبلغ عرضه نحو تسعين متراً ، والذي ياتي من إثيوبيا.
لقد استطعنا أن نسير راكبين عبره بسهولة. أما المنطقة حوله ، فعبارة عن حديقة حقيقية. فالزرع يانع وممتاز ، وخصوصاً على الضفة اليسرى ، ويعج بالمدن والقرى. ثم إنه ]وراء الرقعة المزروعة[ ، كان كل شيء مغطىً بكثافة بمجموعات من الشجيرات الشوكية والصنوبرية التي كان من الصعب جداً اختراقها. وهناك شاهدتُ ضباعاً قليلة وقرودا ، وأعداداً كبيرة من الدجاج الخلوي ( جداد الوادي كما يُعرف في العامية السودانية – المعرب ) ، وثعابين كثيرة. أما التربة ، فقد كانت طباشيرية.
وهكذا وصلنا إلى نهر الدندر ، الذي هو حدُّ دار سنار أو الفونج. وإلى الشرق منها تقطن قبيلة (الكواهلة) ، وهي قبيلة بدوية. إن هنالك قطعاناً بأكملها من الأفيال ، والكثير من حيوان وحيد القرن في الأراضي الواقعة من نهري الرهد والدندر ، والتي يُطلق عليها الأهالي اسم " جزيرة الجزيرة ".

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.