عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصلات بين السودان ومصر قديمة ، موغلة في القدم ، وعريقة عراقة تاريخ هذين البلدين الشقيقين. وقد ظلت تلك الصلات الحميمة تتمثل في العديد من مظاهر التفاعل والتواصل والتبادل والتداخل السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي والبشري عبر مختلف الحقب التاريخية المتعاقبة ، وتلك هي لعمري ، حقيقة ثابتة ، قد أفاض في تبيانها عدد كبير من المؤرخين والكتاب والباحثين قديماً وحديثا ، حتى غدا تقريرها يعدُّ من نافل القول.
على أننا نود في هذه العجالة ، أن نعرض على نحو غير استقصائي ، لذكر طائفة من أعلام العلماء والكتاب والأدباء والشعراء المصريين ، الذين عاشوا في أرض السودان ، أو زاروه ، أو ألموا به لهذا السبب أو ذاك في هذا العصر الحديث ، وحسبنا من ذلك مجرد التذكير والتوثيق.
ونحن نعني بالعصر الحديث فيما يتعلق بتحقيب فترات التاريخ السوداني خاصةً ، الفترة ما بين عامي 1821م وهو العام الذي شهد حملة إسماعيل بن محمد علي باشا على أرض السودان بقواته وضمه لها عنوة إلى إمبراطورية أبيه التي كانت آخذة في التوسع آنئذٍ ، وعام 1956 الذي شهد استقلال السودان عن دولتي الحكم الثنائي مصر وبريطانيا. وتضاف إلى ذلك بالطبع و على سبيل التوسع ، الحقبة التاريخية المعاصرة الممتدة إلى اليوم.
هذا ، ولما كان الدور المصري ، والعامل المصري كذلك ، حاضراً بقوة في كلا فترتي الحكم التركي – المصري ، والإنجليزي – المصري اللتين فصلت بينهما فقط فترة حكم الدولة المهدية 1885 – 1898م ، فقد كان من الطبيعي أن تكون أرض السودان وجهة للعديد من أعلام المصريين في مختلف المجالات خلال الفترتين المذكورتين ، بما في ذلك فئة المثقفين والكتاب والعلماء والأدباء والشعراء ، الذين تهيأ لنفر منهم الإلمام بالسودان وزيارته ، أو العيش والعمل فيه لأسباب مختلفة.
نذكر من بين أولئك الأعلام الكبار على سبيل المثال أولاً: الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي ، أحد رواد الفكر العربي الحديث ، وباعثي النهضة العلمية والأدبية في العالم العربي ، الذي جاء إلى السودان في خمسينيات القرن التاسع عشر الميلادي ، حيث تولى تأسيس أول مدرسة نظامية بالخرطوم. وقد أشار هو نفسه إلى فترة مكوثه بالسودان في بعض مؤلفاته ، وإن اشتكى فيها من أن ذهابه إلى السودان قد كان بمثابة العقوبة والنفي له بواسطة الخديوي. وقد عبّر عن إحساسه بالمرارة من جراء ذلك في قصيدته التي جاء فيها قوله:
وما السودانُ قطُّ مكان مثلي وما سلمايَ فيه ولا سُعادي !
ومنهم الشاعر الكبير محمود سامي البارودي ، باعث الشعر العربي من سباته المتطاول الذي رزح فيه طوال فترة حكم المماليك. فقد جاء في سيرته أنه قد عاش ردحاً من طفولته بمدينة " بربر " بشمال السودان ، مرافقاً لوالده الذي كان يعمل في وظيفة مرموقة هناك ، وقد ذكر أنه تلقى تعليمه الأولي في " بربر " وكان ذلك في حوالي منتصف القرن التاسع عشر.
ومن محاسن الصدف أيضاً ، أن كلا الشيخين الجليلين: الشيخ محمد شاكر ، والد الأستاذين: محمود محمد شاكر وأحمد محمد شاكر ، والشيخ محمد هارون والد العالم المحقق عبد السلام هارون ، قد عملا على التوالي في منصب قاضي القضاة بالسودان في العقد الأول من القرن العشرين ، بينما تلقى الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر تعليمه بكلية غردون التذكارية بالخرطوم.
وفي خواتيم القرن التاسع عشر ، أو مطلع القرن العشرين ، زار الإمام محمد عبده السودان ، والتقى بعلمائه وفقهائه بالخرطوم ، قبل وفاته التي حدثت في العام 1905م ، وله قصة محفوظة ومتواترة بين السودانيين مع الشيخ " النذير جاد الله " إمام مسجد الخرطوم العتيق ، حول تحديد القبلة.
وزار الدكتور محمد حسين هيكل الخرطوم خلال العقد الثالث من القرن العشرين ، وأصدر عن زيارته تلك كتاباً بعنوان: " عشرة أيام في السودان ".
وعلى ذكر كلية غردون التذكارية التي أنشأتها الادارة الاستعمارية البريطانية تخليداً لذكرى الجنرال شارلس غوردون ، آخر حكمدار عام للسودان قضى على أيدي جنود الثورة المهدية ، فمن المؤكد أن جل مدرسيها منذ إنشائها في عام 1902م ، وخصوصاً في مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية وربما في غير هذه المواد ، قد كانوا من المصريين الذين لا بد أنهم قد خلفوا بصماتهم الواضحة على مجمل المشهد العلمي والثقافي والفكري في السودان.
وفي ثلاثينيات القرن الماضي ، زار السودان الشاعر المصري الكبير الأستاذ " علي الجارم " ، ومكث بالخرطوم أياماً وسط حفاوة أدباء السودان وعلمائه وشعرائه. وقد ذكر العلامة " عبد الله الطيب " رحمه الله أنه كان حينئذٍ طالباً بكلية غوردون التذكارية ، وقال إنه قد أُتيحت له فرصة مقابلة الجارم وتحيته ، وأنه قد أنشد أمامه قصيدة أبي العلاء المعري التي مطلعها:
طربنَ لضوءِ البارقِ المتعالي
فاستحسن الجارم إنشاده إياها ، وانصرف منه عبد الله الطيب جذلان فرحاً بتلك الشهادة القيمة. وكان أحد أقرباء هذا الشاعر ، ألا وهو الشيخ " النعمان الجارم " ، قد عمل من قبل أيضاً ، قاضياً للقضاة بالسودان في عشرينيات القرن الماضي ، وهو ذاته الذي عناه الشاعر السوداني/ المصري: " حسين منصور " المدرس بمعهد أم درمان العلمي ، وأحد أساتذة الشاعر التجاني يوسف بشير بقوله في قصيدة ثورية ساخطة له:
ولستُ بمثنٍ على أحمدٍ ومفتي الديارِ ولا الجارمِ
إلى أن أرى ثورةً حقَّةً تردُّ الأصولَ إلى آدمِ
وفي عام 1942م ، وصل عملاق الأدب العربي الأستاذ عباس محمود العقاد إلى الخرطوم فاراً بجلده من مصر ، بعد أن توجس من احتمال انتصار قوات القائد الألماني روميل والنازيين الذين كثيرا ما كان ينتقدهم ، على قوات الحلفاء في معارك شمال إفريقيا إبان الحرب العالمية الثانية. وكذلك قابل مثقفو السودان وأدباؤه الأستاذ العقاد بالحفاوة والترحيب اللائقين به. إذ أقام الأدباء والمثقفون السودانيون بالخرطوم حفل شاي بهيج على شرفه ، وأنشد أمامه الأستاذ " محمود الفضلي " إحدى قصائد العقاد نفسه ، فتأثر هذا الأخير غاية التأثر حتى فاضت عيناه بالدموع ، فكتبت إحدى صحف الخرطوم في اليوم التالي قائلة: " عندما بكى الجبار ! ".
وإذا كان كل من طه حسين عميد الأدب العربي ، وأحمد شوقي أمير الشعراء لم يزورا السودان قط مع الأسف ، فلقد زاره الشاعر الكبير حافظ إبراهيم ، وعاش فيه فترة من الزمن في خدمة إدارة الحكم الثنائي ، حيث عمل بالتحديد بمدينة " الروصيرص " بأعالي النيل الأزرق. وقد أشار شوقي نفسه إلى ذلك في مرثيته الشهيرة لحافظ إبراهيم بقوله:
يا مانحَ السودانِ شَرْخَ شبابهِ ووليُّه في السِّلمِ والهيجاءِ
لما نزلتَ على خمائلِهِ ثوى نبعُ البيانِ وراءَ نبعِ الماءِ
ومنذ أربعينيات و خمسينيات القرن الماضي ، ظلت طوائف من كبار أساتذة الجامعات المصرية ، يفدون على السودان ويعملون في جامعاته ومعاهده العليا ، وكذلك مدارسه الثانوية ، حيث برزت من بين أولئك أسماء أعلام بأعيانهم مثل الشيخ محمد أبو زهرة ، والدكتور محمد النويهي ، والدكتور عبد المجيد عابدين صاحب كتاب: " تاريخ الثقافة العربية في السودان " وأحد رواد الدراسات السودانية المعاصرة ، والدكتور عبد العزيز أمين عبد المجيد صاحب كتاب: " تاريخ التربية في السودان " ، والدكتور علي عبد الواحد وافي عالم اللسانيات الشهير ، والدكتور عبده بدوي الأستاذ بجامعة أم درمان الإسلامية سابقاً ومؤلف كتاب: " الشعر في السودان "، والدكتور خليل عساكر عالم اللغويات ، والمؤرخان الدكتور مصطفى مسعد ، والأستاذ الشاطر بصيلي عبد الجليل ، والدكتور الناقد محمد مصطفى هدارة ، والدكتور أحمد فتحي سرور ، والدكتور فتحي أحمد عامر وغيرهم. وقد كان لهؤلاء جميعاً أكبر الأثر في رفد وإخصاب الحياة العلمية والثقافية والفكرية في السودان بكل جميل ومفيد.
ولئن كان اللواء محمد نجيب الذي ولد في السودان ، وعاش فيه طفولته وردحا من صباه وشبابه ، حيث تخرج في كلية غردون التذكارية ، قد عُرف بين الناس أكثر بأنه قائد عسكري وزعيم سياسي ، إلا أنه كان مثقفاً مرموقاً أيضاً ، ومشاركا في الشأن الفكري العام. ذلك بان للواء نجيب عدداً من المؤلفات من بينها كتاب بالإنجليزية عن السودان صدر في عام 1947م.
وإلى جانب هؤلاء ، كان الأستاذ " محمد علي أحمد " وهو مصري الجنسية ، يعمل مأموراً بمركز أم درمان في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي ، أديباً وشاعراً ، وكانت له صلات حميمة بالوسط الأدبي والفني بالعاصمة المثلثة ، وكان صديقاً للفنان الكبير عبد العزيز محمد داؤود وللموسيقي والملحن البارع الأستاذ برعي محمد دفع الله. وقد أثمرت تلك الثلاثية أغنية:
همساتٌ من ضمير الغيب تُشجي مسمعي
وخيالاتُ الأماني رفرفتْ في مضجعي .. الخ
وهي من تأليف ذلك الشاعر المصري المرهف الذي عاش في أرض السودان.
أما الشاعر المصري الأصل السوداني الموطن: " إبراهيم رجب " فأمره عجب. ذلك بأنه نظم واحدة من أروع الأغنيات الوطنية السودانية ، باللهجة السودانية وبروح وأحاسيس سودانية تدعو للدهشة. تلك هي الأغنية التي أداها الفنان الراحل " سيد خليفة ":
يا وطني يا بلد أحبابي
في وجودي أريدك وغيابي
يا الخرطوم يا العندي جمالك .. جنة رضوان
طول عمري ما شفت مثالك .. في أي مكان
أنا هنا شبيت يا وطني
زيك ما لقيت يا وطني .. الخ
ولعب الأستاذ والفنان المصري: " مصطفى كامل " ، الذي عمل مدرساً بالمدرسة الثانوية بالخرطوم في خمسينيات القرن العشرين ، وكذلك بالجامعة الشعبية ، دوراً كبيراً في توطين الثقافة الموسيقية الحديثة بالسودان ، إذ تخرج على يديه عدد كبير من المطربين والموسيقيين السودانيين ، كما ساعد في عمليات التدوين والتوزيع الموسيقي لعدد من الأغنيات السودانية ، فضلاً عن مشاركته المميزة بالعزف على آلة القانون التي طوع أنغامها لكي تلائم الذائقة الموسيقية السودانية ، مع الجوقة الموسيقية السودانية التابعة للإذاعة السودانية ، مما وسم الكثير من أغنيات تلك الحقبة بنكهة مميزة.
وفي فترة لاحقة ، لعلها في ستينيات أو مطلع سبعينيات القرن الماضي ، زارت السودان الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ ) ، حيث قدمت عدداً من المحاضرات العامة بالخرطوم وبعض المدن السودانية الأخرى كالأبيض ، كما قدمت بعض الدروس لطلاب الأدب العربي بعدد من الجامعات السودانية.
أما من الأدباء والمثقفين المصريين المعاصرين الذين زاروا السودان ، فمنهم: الصحافي الشهير الأستاذ محمد حسنين هيكل ، والدكتور لويس عوض ، والدكتور بطرس غالي ، والأستاذ أحمد حمروش ، والأستاذ أنيس منصور ، والأستاذ جلال كشك ، وكذلك الشاعر صلاح عبد الصبور الذي له قصيدة رائعة في تمجيد الخرطوم والتغني بجمالها ، وهي تلك التي غناها المطرب الراحل سيد خليفة. وهي تلك القصيدة التي يقول فيها:
ولا هذي ..ولا تلك
ولا الدنيا بما فيها
تساوي مقرن النيلين في الخرطوم يا سمرا ..
وكذلك زار الخرطوم الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ، كما زارها الشاعر والفنان الشامل " صلاح جاهين " ، وفيها أعجب أيما إعجاب برسومات وتعليقات الكاريكاتيرست السوداني الراحل الأستاذ " عز الدين عثمان " ، بحسب شهادة الصحفي السوداني المخضرم الأستاذ " محمد سعيد محمد الحسن ".
وفي حوالي مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، زار الخرطوم الكاتبان والمفكران المصريان: الدكتور حسن حنفي والدكتور محمد عمارة ، حيث شارك كلاهما في أحد المواسم الثقافية بجامعة الخرطوم آنئذٍ ، كما زارها أيضاً المشائخ العلماء: محمد الغزالي ، ويوسف القرضاوي ، ومحمد متولي الشعراوي.
وختاماً كان الشاعر الراحل الأستاذ " عبد الرحمن الأبنودي " من أدباء مصر المحبين للسودان والسودانيين ، ومن الذين زاروا الخرطوم عدة مرات ، لما وجده من المحبة الصادقة ، والتجاوب الواعي من عطائه الشعري الباذخ ، الذي كان يزينه بصفة خاصة إلقاؤه الرائع بلهجته الصعيدية المحببة ، والقريبة الخصائص من عربية أهل السودان.