عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات السياسية والتعامل الدبلوماسي بين مختلف الدول والكيانات أو من يمثلونها ، هو ذلك المبدأ الذي يُفترض بمقتضاه ، أن يعامل كل طرف الطرف الآخر بنفس الطريقة التي يتعامل هذا الآخر معه. ذلك بأن السلوك الدبلوماسي ، وخصوصاً في مجلاه المراسيمي أو الاحتفائي بالتحديد ، هو في نهاية المطاف شكل من أشكال التعبير الرمزي القابل للتفسير لجهة ما ينطوي عليه إما من احترام وتقدير واعتبار من جهة ، أو – لا سمح الله – احتقار واستخفاف واستهانة وعدم اعتبار من جهة أخرى.
ولا شك في أن مبدأ المعاملة بالمثل هذا ، له علاقة وطيدة بجملة من القيم والمبادئ الإنسانية العامة والمطلفة التي تنتظم جميع الثقافات والمجتمعات الإنسانية تفريبا ، وذلك من قبيل الحرص على احترام الذات ، والإحساس بالمساواة بين البشر من حيث محض الآدمية ، والاستعداد لصون كرامة النفس وعزتها ، والثأر ممن يسعى عمداً لامتهان تلك العزة والكرامة ، وبالمقابل: الميل إلى التعبير عن الشكر والعرفان والوفاء ، وكافأة الجميل بالجميل ، ومقابلة الاحترام والتقدير بمثلهما وهلم جرا.
على أن مبدا المعاملة بالمثل يمكن تطبيقه بطريقة مثلى ، ومن دون أية إفرازات سالبة ، أو مواقف محرجة ربما تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه في العلاقات الدبلوماسية الرسمية ، وكذلك على مستوى العلاقات الإنسانية العادية ، إذا ما كان هنالك إدراك واسع للخصائص الشخصية والنفسية الثقافية للآهر الذي يتم التعامل معه.
ولعل من الآثار العلمية النادرة التي وقفنا عليها مؤخراً مما له صلة بمدأ المعاملة بالمثل في الممارسة الدبلوماسية والعلاقات السياسية بصفة خاصة ، أطروحة للدكتوراه في العلاقات الدولية أنجزها الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل ، وزير خارجية السودان الأسبق ، وسفيره ومندوبه الدائم حالياً بجنيف تحت عنوان: مبدأ المعاملة بالمثل في الإسلام والقوانين الدولية ، وهي أطروحة أصدرها المؤلف لاحقاً في كتاب حمل ذات العنوان. يقول الدكتور مصطفى في معرض توضيخه لهذا الموضوع والدوافع التي حدت به إلى اختياره:
" إن دوافع اختيار هذا البحث جاءت على خلفية ملاحظة اختلال قيم العدل المبنية على النظام الوضعي القائم ، والخلل الذي حدث في المعايير التي تحكم العلاقات الدولية من ناحية نظرية وتطبيقية ، والذي أدى بدوره إلى سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين ، وإثبات أن القيم الإسلامية في مسألة المعاملة بالمثل في إدارة العلاقات بين الأفراد والأمم ، تؤدي إلى نتائج مهمة منها العدل والسلم والأمن العالميين ، والشعور بالرضا ..
هذا ، وتشير بعض المصادر إلى أن نجاح الثورة البولشيفية في روسيا في عام 1917م ، وما تلى ذلك من بروز قوي ومؤثر للاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية ، قد لعبت دوراً مهماً في تكريس مبدأ المعاملة بالمثل في الممارسة الدبلوماسية والعلاقات السياسية ، وذلك في مواجهة صلف وغطرسة القوى الإمبريالية الغربية .. "أ.هـ
أما بالنسبة لمبدأ المعاملة بالمثل في تراثنا الثقافي الشرقي عموماً ، والسوداني على وجه الخصوص ، فإن عليه أمثلة عديدة من الشواهد والمقولات والأمثال البليغة والموحية والطريفة في آن واحد.
ولعل خير ما نبدأ به في هذا المضمار ، هو قول الله تعالى في محكم تنزيله:
" وإذا حُييتم بتحية فحيِّوا بأحسن منها أو ردُّوها " الآية.
فهاهنا حضٌ على أكثر من مجرد المعاملة بالمثل ، بل بأحسن منه حتى تكون المحصلة النهائية هي أن يسود الود والإخاء والتآلف الحقيقي بين البشر.
وكذلك قوله تعالى في سورة " البقرة ":
" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين "..
وهو هاهنا يوجه المؤمنين بالتمسك بأخلاقيات الحرب ومراعاة حقوق الإنسان ومقتضياتها ، وألا يقاتلوا إلا من يقاتلونهم من أعدائهم ، ويشدد عليهم ألا يعتدوا على الأبرياء والضعفاء غير المقاتلين من الأطفال والعجزة والنساء.
ذلك ، ويذخر تراثنا الشعبي القولي في السودان ، بالعديد من العبارات والأمثال التي تُقال في معرض التعبير عن ضرورة الالتزام بمبدأ المعاملة بالمثل وتطبيقه. فمن ذلك قولهم مثلاً: " الجاك أو القابك متحزّم .. قابلو عريان !! " ، يعني: من أتاك أو قصدك مشمرا عن ثيابه ، حازماً وسطه وهو يريد بك شرا ، فإنه لا بأس عليك بل يجب عليك أن تلاقيه عرياناً ، أي خالياً تماماً من جميع المعيقات والموانع حتى تصرعه.
ومن ذلك قولهم أيضاً في المثل العامي: " من جعلك حمار ، اجعلو بعرة ". أي من اعتبرك أو عدك حماراً فاعتبره بعرة ، والبعرة أحقر من الحمار قطعا.
وليست الأمثال السودانية الرائجة في هذا الباب تدعو إلى التشدد والتصلب ، بل أن من بينها ما يعبر فعلاً عن المرونة والأريحية مثل قولهم: " البكا لى حولو بجيب زولو " ، أي بوسع المرء أن يؤدي واجب العزاء لأسرة أي متوفى خلال عام كامل من تاريخ الوفاة دون عتب أو حرج إذا كانت له ظروف خاصة ، أو كان عذره عن أداء العزاء في حينه مقبولا.
ومن العبارات الطريفة التي وردت في بعض أغانينا الشعبية التي سارت مثلاً ، مما له صلة بمبدأ المعاملة بالمثل ، قول المطرب كمال ترباس:
ما بنمشي لناس ما بجونا
في القلعة رجعوا يعذبونا
ومن القصص الفرعية الطريفة التي أوردها الطيب صالح في ثنايا روايته الرائعة " عرس الزين " ، مما له صلة بالتجلي الثقافي التراثي لمبدأ المعاملة بالمثل ، قصة سعدية زوجة الحاج إبراهيم ووالدة " نعمة " بطلة الرواية مع " الزين " ، وآمنة التي كانت داست على كرامتها مرة وذهبت الى سعدية لكي تخطب نعمة لابنها أحمد رغم أن سعدية ، لم تعزها في وفاة أمها مع العلم بأن سعدية نفسها كانت طريحة فراش المرض بمستشفى المدينة في أيام العزاء ، وزارتها كل نساء القرية لكي يقلن لها حمدا لله على الشفاء وعلى العودة ، ما عدا آمنة بحجة أن سعدية لم تعزها في أمها ، فانقسمت نساء القرية إلى فريقين: فريق وقف في صف سعدية ، وآخر تحزب مع آمنة على نحو ما صور الطيب صالح هذه القصة التراثية النموذجية ، ووظفها خير توظيف في ثنايا النسيج الروائي.
ونختم بطرفة أخرى تقول إن سفيراً لإحدى الدول الأوروبية ابتعث إلى دولة أهلها بدائيون ومتوحشون من أكلة لحوم البشر ، فتربصوا به وقتلوه وأكلوه ، قالوا: فلما احتجت حكومة بلاده لدى سلطات تلك الدولة ، ردوا عليهم قائلين: وما المشكلة ، دونكم سفيرنا المعتمد لدى بلادكم فكلوه !!.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.