عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

جاء في أنباء الرياضة العالمية خلال الأيام الفائتة ، أن عدّاءً بريطانياً من أصل صومالي اسمه " محمد فرح " قد حصل على ميداليتين ذهبيتين لنفسه ولبريطانيا في كلا مسابقتي العدو لمسافتي خمسة آلاف وعشرة آلاف متر على التوالي ، ضمن منافسات الألعاب الأولمبية الصيفية ، التي أُسدل الستار عن مهرجانها مؤخراً بمدينة ريوديجانيرو البرازيلية.
وكان هذا العداء نفسه قد وُشِّح بذهبية سباق العشرة آلاف متر في الأولمبياد السالقة التي أُقيمت في العاصمة البريطانية لندن في العام 2012م ، بما يشير بقوة إلى أن هذا الرياضي المتألق ، ربما يكون بالفعل بسبيل أن يصبح خليفةً للعداء الإثيوبي الأشهر " هايلي قبرسلاسي " ، الذي كان متخصصاً في ذينك السباقين خلال العقدين المنصرمين.
مهما يكن من أمر ، فإن العداء " محمد فرح " قد صنع الفارق حقيقة بالنسبة لبلد إقامته وجنسيته الثانية المكتسبة " بريطانيا " ، بحصوله لنفسه ولها أيضاً على ميداليتين ذهبيتين في آن واحد معاً مما أهلها لكي تحتل المركز الثاني في ترتيب الدول التي حصلت على ميداليات خلف الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة ، إذ لو لا ذلك ، لكانت جمهورية الصين الشعبية قد تقدمت على بريطانيا في النتيجة العامة للآولمبياد الأخير ، وذلك بحسبان أن بريطانيا إنما تفوقت على الصين لآنها قد تقدمت عليها بذهبية واحدة فقط ، على الرغم من أن الصين قد أحرزت حصيلة أكبر من الميدالايات.
ويسرنا بهذه المناسبة بالطبع ، أن نزجي التهنئة لبريطانيا ووللشعب البريطاني الصديق ، على هذا الإنجاز الرياضي الباهر ، ونخص بالتهنئة هذا العداء البطل وبلده الأصلي الشقيق ، هذا العداء الذي أجدني سعيداً سعادة خاصة بتألقه وفوزه الباهر هذا من ناحية أخرى ، لدافع شخصي محض هو أنه يحمل اسما ولقباً يطابقان تماماً اسمي والدي وجدي: " محمد فرح ".
هذا ، والاسم العلم " فرح " اسم شائع الاستخدام جدا في بعض دول القرن الإفريقي ، وخصوصاً: الصومال وجيبوتي ، بالإضافة إلى السودان ، سوى أن أهل الصومال وجيبوتي يميلون إلى إشباع فتحة الفاء في هذا الاسم ، فيحيلونها إلى الألف فيقولون " فارح ".
وأذكر لما كنت سفيراً للسودان بباريس خلال الفترة بين عامي 2011 و2013م ، كان كل من سفراء السودان والصومال وجيبوتي لدى فرنسا آنئذٍ ، يحمل اللقب فرح ، فكان هنالك: خالد فرح ، وسعيد فرح ، ورشاد فرح على التوالي.
ذلك ، وفي بعض البلدان العربية والإسلامية يطلقون الاسم " فرح " على الإناث ، ومن أشهرهن الأمبراطورة " فرح ديبا " عقيلة شاه إيران السابق " رضا بهلوي ". ولدى طوائف من الأوروبيين أيضاً هنالك بعض الأسماء التي تطلق على الذكور والإناث معا.
ولما كان الشيئ بالشيئ يذكر ، فإن ذكر هذا العداء البريطاني ذي الأصل الصومالي " محمد فرح " ، من شأنه أن يقودنا لا محالة إلى الحديث عن ظاهرة قيام بعض الدول بتجنيس رياضيين من بلدان أخرى لكي يخوضوا في حلبات التنافس باسمها في سائر المسابقات الرياضية القارية منها والعالمية ، بغرض تعظيم محصولها من الانجازات والألقاب الرياضية المختلفة ، وذلك سعياً وراء خدمة صورتها الكلية ، وتعزيزاً لمكانتها العالمية ، وتكريساً لأمجادها الوطنية ، وذلك أمر لم يعد موضع خلاف في عالم اليوم ، في سياق الحرص على تحصيل أسباب وممسكات ما يسمى بالقوة الناعمة والدبلوماسية العامة والشعبية. قال الشاعر:
وما نيلُ المطالبِ بالتمنِّي ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا
على أنّ هذه الظاهرة لا تخلو أحياناً من بعض المفارقات الطريفة بسبب التباين الصارخ والمضحك بين أسماء بعض الرياضيين والبلدان التي صاروا ينتمون إليها أو تجنسوا بجنسياتها. إذ ليس يندر أن تسمع في مثل هذا السياق أو تطالع في وسائل الإعلام المختلفة أسماءً منسوبة إلى جنسياتها الجديدة المكتسبة من قبيل: البحرينية تشانغ تشينغ ، أو الإماراتية أبابا تسفاي ، أو القطري ديفيد ماكابا.
وبمناسبة الحديث عن دولة قطر الشقيقة تحديداً ، فإننا نود أن نسوق إليها التهنئة الخالصة على إنجازها في أولمبياد ريو ديجانيرو ، وخصوصاً على فوزها بفضية مسابقة الوثب العالي الذي كسبها لها الرياضي القطري من أصل سوداني: " معتز برشم " ، والذي يذكرنا أمره بقول أبي العلاء المعري في اللزوميات وهو يؤصِّل للشاعر الأموي: " قطري بن الفجاءة " الذي كان أحد شعراء الخوارج وفرسانهم المشهورين ، وكيف أنه كان أساساً من بلدة بشرق نجد أي السعودية الآن ، تسمى " مَعدان " ، ولكنه اشتهر بنسبته إلى قطر كما هو معروف. قال أبو العلاء:
أبو نعامةَ في معدانَ مولدُهُ فكيف أصبحَ معزوَّاً إلى قطرِ
وأبو نعامة هو لقب الشاعر قطري بن الفجاءة.
وإن شئتم قلنا:
وإبنُ برشمَ في السودان موطنهُ فكيف أصبح معزوّاً إلى قطرِ
قلنا " موطنه " ولم نقل " مولده " ، لأننا كما علمنا من سيرة البطل برشم المبذولة على شبكة الانترنت ، أنه مولود بالعاصمة القطرية الدوحة بتاريخ 42 يونيو 1991م ، فله منا جزيل التحيات والتهاني.