عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
إن أول من بين حقيقة التعدد والتنوع في الكون قاطبةً في الواقع ، هو الله جلّ وعلا ، خالق الكون ذاته ، وذلك إذ يقول في محكم تنزيله:
" ألَمْ تَرَ أنّ الله أنزل من السماء ماءَ فأخرجنا به ثمراتٍ مختلفاً ألوانها .. ومن الجبال جُددٌ بيضٌ وحُمْرٌ مختلفٌ ألوانها ، وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلفٌ ألوانه ، كذلك إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ إن الله عزيزٌ غفور .. " سورة فاطر ، الآيتان 27 و28.
وكذلك في قوله تعالى في سورة الروم الآية (22):
" ومن آياته خلقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم ، إنّ في ذلك لآياتٍ للعالمين " .. صدق الله العظيم.
فهذه الآيات الكريمة كما نرى ، تؤكد على حقيقة التنوع والتعدد في الكون والطبيعة بأشيائها وأحيائها ، وعلى مستوى المجتمع الإنساني أيضا. وهي تخاطب العلماء بصفة خاصة ، لأنهم قادة الفكر والرأي ، وحملة مشاعل التنوير والهداية ، فهم بالتالي أجدر بأن يعوا تلك الحقيقة ، وتدعوهم إلى أن يتدبروا في هذا التنوع والتعدد ، وأن يراعوه ويقدروه حق قدره ، وأن يحترموه ويستبصروا الحكمة من وجوده ، وأن يقوموا بدعوة الآخرين إلى مراعاة ذلك التعدد والتنوع واحترامه ، والتسامح والتعايش معه ، وخصوصاً إلى حسن إدارته كما يقال بحسب التعبير المعاصر.
على أننا إذا ما انتقلنا من هذه المقدمة التأصيلية بحسب مقتضيات ثقافتنا الإسلامية العامة بطبيعة الحال ، إلى محاولة منا لتحرير المصطلحات ذالت الصلة بموضوع التنوع الثقافي ، فإنه بوسعنا أن نقول إن هنالك أولاً مفهوم: " التنوع الثقافي " Cultural Diversity كحالة أو كوضع يتصف أو يوصف به مجتمع بشري ما ، وهو وضع غالباً ما يكون حركياً أو ديناميكياً ، ويندر أن يظل جامداً على حالة واحدة على مر الزمان. فلرب مجتمع ما بدأ في حالة وحدة ثقافية سكونية صمدية ، فما لبث أن انتهى به الحال عبر تعاقب الحقب ، وتقلبات الظروف إلى وضع ثقافي متعدد ، وربما يكون العكس صحيحاً على الأقل من الناحية النظرية.
وهنالك مصطلح التعددية الثقافية Multiculturalism كمفهوم أو كمبدأ وتوجه يقوم على الاعتراف القصدي الواعي بالتنوع الثقافي ، واحترامه ، والقبول به ، والتسامح نحوه ، بل العمل على تكريسه ، وحمايته ، وتطويره ، وإتاحة المجال له للتعبير عن نفسه ، فضلاً عن إتاحة الفرصة للحوار والتفاعل السلمي والإيجابي بين مكوناته وحملته أو المعبرين عنه ، وذلك عبر جملة من الاجراءات والتدابير والآليات والمؤسسات الدستورية والقانونية والتنفيذية الملائمة.
أما على الصعيد العالمي ، أو على مستوى السياسة الدولية المعاصرة بالتحديد ، فإن مفهوم التنوع الثقافي قد تبلور وأضحى ملزماً للجميع بصورة مؤسسية ، وذلك التزاماً بمقتضى الإعلان العالمي للتنوع الثقافي الذي تبنته منظمة اليونسكو في عام 2001م ، كأداة قانونية ، اعتبرت بموجبه التنوع الثقافي إرثاً مشتركاً للإنسانية جمعاء. وقد صادقت جميع الدول الأعضاء باليونسكو – وهي بالمناسبة أكبر عدداً من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة – على هذا الإعلان ، وأعربت عن التزامها بكافة بنوده. وكان السودان من بين تلك الدول التي صادقت على ذلك الإعلان.
وفي هذا المضمار ينص إعلان اليونسكو حول التنوع الثقافي على ما يلي:
" يؤكد احترام تنوع الثقافات ، والتسامح والحوار والتعاون ، في جوٍ من الثقة والتعاون كخير ضمان لتحقيق السلم والأمن الدوليين ".
وأما فيما يتعلق بواقع التنوع الثقافي في السودان ، وهو موضوعنا الأساس في هذه الكلمة ، فنستطيع أن نؤكد على حقيقة ثابتة هي أن السودان قد ظل عبر تاريخه الطويل ، موطناً للتعدد والتنوع الثقافي الظاهر والملحوظ.
وقد نجم هذا التنوع الثقافي الذي يتسم به السودان من عاملين رئيسيين أحدهما جغرافي ، والآخر تاريخي. أما العامل الجغرافي فبسبب عظم مساحة هذا البلد ، وتنوع تضاريسه ، وتباين مناخاته ، وتعدد واختلاف المجموعات السكانية التي ظلت تقطن فيه ، واختلاف ثقافاتها وسبل كسب عيشها ، بالإضافة إلى موقعه الفريد في ملتقى الطرق بين إفريقيا الشمالية والمدارية ، وكونه بمثابة همزة الوصل بين شرق القارة الإفريقية ووسطها وغربها ، ومجاورته للجزيرة العربية ، وللبحرين الأحمر والأبيض المتوسط.
وأما العامل التاريخي ، فبسبب أن السودان قد ظل يشهد مظاهر الاستيطان البشري منذ أحقاب موغلة في القدم ، كما ازدهرت فيه حضارات وممالك عريقة ، كانت تمثل بؤر جذب وإشعاع عظيمة ، امتد تأثيرها على نطاق واسع مثل ممالك: كرمة ونباتا ومروي ، ثم الممالك النوبية المسيحية ، ومن بعدها السلطنات الإسلامية المختلفة.
يضاف إلى ذلك ، أن وفرة المياه ، وخصوصاً مياه نهر النيل وروافده العديدة بالسودان ، والمراعي الشاسعة ، والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة ، وسوى ذلك من الموارد الطبيعية الهائلة التي يمتاز بها السودان ، وتجعل وسائل كسب العيش فيه متوفرة وميسورة ، قد ظلت تجذب إلى أرضه مجموعات إثنية عديدة من أصقاع شتى ، فطاب المقام لتلك المجموعات ، واستقرت بربوعه واستوطنتها.
ولعل أبعد تلك الهجرات أثراً في تشكيل هوية السودان العامة والقائمة إلى الآن ، هي هجرات القبائل العربية أو المستعربة الى أرضه ، والتي تمت خلال فترة طويلة من الزمن ، امتدت منذ القرن السابع الميلادي وحتى القرن الخامس عشر الميلاديين.
غير أن العامل الحاسم في استعراب أجزاء واسعة من السودان – من الناحية الثقافية على الأقل – بما أدى إلى انتشار اللغة العربية ، وصيرورتها لغة أم بالنسبة للكثيرين من سكانه ، لم يكن هو العامل البشري بكل تأكيد ، وإنما هو العامل الثقافي بامتياز. ذلك بأن الكثير من المجموعات العرقية القاطنة في السودان ، قد اعتنقت الدين الإسلامي ، وتمثلت الثقافة العربية واللغة العربية المرتبطة به تبعاً لذلك.
ومهما يكن من أمر ، فإن التيار العام للثقافة السودانية المعاصرة ، حتى المستعربة منها ، قد ظل يعبر عن ثقافة هجينة ، قوامها عروبة اللغة في الأساس ، ولكنها حاملة للعديد من الخصائص والملامح المحلية ( الإفريقية ) بصورة واضحة. ولعل أوضح مظهر على ذلك ، هي الموسيقى السودانية التي بقيت إفريقية على حالها ، ذلك بأنها قد استمرت قائمة على ما يسمى بالسلم الخماسي الإفريقي الطابع ، بينما سائر العرب تعتمد موسيقاهم على المقام المستند إلى السلم السباعي ، وإن شذت من ذلك بعض الأنماط الموسيقية في غرب السودان " عرب البقارة " وشرق السودان " السماكة السواكنية " التي تقترب موسيقاها من الموسيقى الشرقية العربية نوعاً ما ، مما يكرس في حد ذاته مسألة التعدد والتنوع الثقافي التي نحن بصددها هاهنا. ولعل هذه المفارقة بين الكلمة السودانية المغناة ، والموسيقى التي تصاحبها ، هي التي أوحت للشاعر الراحل الدكتور محمد عبد الحي أن يقول في قصيدته الشهيرة " العودة إلى سنار ":
أنا تائهٌ مثلكم
عاد يغني بلسان
ويصلي بلسان
إن الوعي بخصوصية الثقافة السودانية ، وتعدد مشاربها ، قديم لدى الطبقة المثقفة السودانية ، بمن في ذلك أهل السياسة والفكر ، وإن زعم بعض أفرادها بأن الأمة السودانية:
أمةٌ أصلها للعربْ
دينها خير دينٍ يُحب
فهاهو الشاعر والناقد حمزة الملك طمبل ، والناقد الأمين علي مدني منذ عشرينيات القرن الماضي ، يدعوان الشعراء والمبدعين السودانيين في كل مجال ، إلى أن يصدروا عن مشخصات ثقافتهم الذاتية السودانية الإفريقية ، وألا يقلدوا إنتاج كائن من كان من البيئات العربية الأخرى في مصر وبلاد الشام وغيرها.
وقد عبر عدد من المبدعين السودانيين عن الاعتزاز بالانتماء إلى إفريقيا وهويتها ، وتماهوا معها بصورة عفوية ، وذلك حتى قبل بروز التيارات الإيديلوجية الحديثة مثل مدرسة الغابة والصحراء. فمن ذلك مثلا: أنشودة:
أرض الخير إفريقيا مكاني
زمن النور والعزة زماني
بيها جدودي جباهم عالية
مواكب ما بتتراجع تاني
أقيف قدامها واغني وأقول
أنا إفريقي أنا سوداني ..
والقصيدة من كلمات الشاعر " السر أحمد قدور " ، وصاغها لحناً وأداها الفنان الرائد الكبير " إبراهيم الكاشف ".
ومن ذلك أيضاً قول الشاعر " إسماعيل حسن " في تاريخ لاحق في أغنية " بلدي ":
عرب ممزوجة بدم الزنوج الحارة ديل أهلي
ديل قبيلتي لما أدور أفصل للبلود فصلي
والحقُّ أنه مراعاةً لواقع التعدد الثقافي والعرقي في السودان ، لم تعمد الحكومات والأنظمة المختلفة التي تعاقبت على حكم البلاد بعد الاستقلال ، على الرغم من أنها تنتمي جميعها كما قد يصنفها بعض منتقديها إلى ما يسمى بالنخبة العربية الإسلامية ، إلى إضفاء أي صفة تحمل دلالة عرقية أو دينية محددة على الاسم الرسمي للدولة السودانية ، كأن يقال مثلاً: جمهورية السودان العربية ، أو الإسلامية. على أنها قد أسميت خلال الحقبة المايوية تحت قيادة الرئيس الأسبق جعفر نميري 1969 – 1985م " جمهورية السودان الديموقراطية " لدوافع إيديلوجية محضة لا علاقة لها البتة بالواقع السوداني ذاته ، وإنما في الأساس تعبيراً عن أشواق وتطلعات النخبة التي حكمت البلاد خلال تلك الحقبة. فلما انقضت تلك الحقبة إثر انتفاضة أبريل 1985م ، أزيلت تلك الصفة " الديموقراطية " عن الاسم الرسمي للدولة ، وعادت " جمهورية السودان " فحسب كما كانت.
هذا ، واسم السودان هو الصيغة العربية للاسم العتيد لهذه البلاد منذ أقدم العصور ، فهو كرمة ، وهو كوش وهو اثيوبيا كما كان يعرفها الإغريق ، ومعناها أرض الناس سود البشرة. وقد قيل إن بعض الناس قد اقترحوا على الرئيس الزعيم إسماعيل الأزهري بُعيد الاستقلال ، أن يغير هذا الاسم " السودان " إلى " سنار " فرفض ، وتمسك بالاسم الأول ، انطلاقاً من ذات الوعي بالمشخصات الحقيقية للهوية السودانية.
وثمّة مأثرة أخرى مشابهة تصب في ذات الاتجاه وتعضده ، هي ما يروى من أنه قد عرضت عدة طرائق أداء لحني وموسيقي للنشيد الوطني الحالي للسودان " نحن جند الله جند الوطن " على رئيس الوزراء الأسبق الأميرالاي عبد الله بك خليل ، فوقع اختياره هو على اللحن والتوقيع الحالي للنشيد الوطني الذي لحنه ووضع موسيقاه الراحل العقيد أحمد مرجان ، على اعتبار أنه " أكثر إفريقية " على حد تعبيره ، أي أصدق تعبيراً عن الهوية السودانية.
ويظل واقع التعدد والتنوع الثقافي في السودان حقيقة راكزة لا تنتطح فيها عنزان. فهذه البلاد تعج بمئات القبائل والمجموعات العرقية ، ويتحدث أهلها بأكثر من مائة لغة ، بل إن منطقة صغيرة مثل جبال النوبة ، فيها من اللغات ما لا يوجد في أي منطقة واحدة في مثل مساحتها في العالم تقريبا ، حتى راج المثل العامي " ود جبلك بعرف رطينك " تعبيراً عن ذلك التعدد والتنوع المدهش. ويفيدنا علماء اللغويات إن السودان تتمثل فيه جميع الأسر اللغوية الموجودة في إفريقيا فيما عدا أسرة اللغات " الخويسانية " المنتشرة في بلدان الجنوب الإفريقي. أما من حيث المعتقدات ، فهنالك غالبية مسلمة ،وهذه نفسها متنوعة المشارب ما بين صوفيين وسلفيين ، وحركيين وهلم جرا ، وهنالك أقلية مسيحية بطوائف مختلفة ، وهنالك بقية من أرواحيين فيما بين ذلك. و أما إذا جئنا إلى تعدد الإيقاعات الموسيقية وتنوعها في السودان فحدث عنه ولا حرج. ذلك بأن السودان يذخر بعدد هائل من الايقاعات الموسيقية الأصيلة والمتنوعة والمدهشة ، والمرتبطة بعدد من المجموعات الإثنية المنتشرة في أصقاعه المترامية الأطراف.
ومما لا شك فيه ، أنه متى ما اتيحت الفرصة لهذا الثراء والتنوع الثقافي المدهش للالتقاء والتلاقح في جو اجتماعي يسوده الوئام والاحترام المتبدل ،فإن من شأنه أن ينتج مزيجا بديعا فيه قطرة من كل هذه العطور المختلفة الروائح الشذية. وقي هذا المضمار يشير كثير من الباحثين إلى ثقافة ام درمان باعتبار أنها تلك البوتقة التي انصهرت فيها مختلف الثقافات والأعراق السودانية ، فأخرجت هذه الثقافة السودانية الجامعة لغةً ، وغناء وموسيقى ، والتي يتماهى معها السودانيون ويعشقونها حيثما كانوا.
على أن من الملاحظ بصفة عامة أيضاً ، أن الوعي المؤسسي بواقع التعدد الثقافي في السودان ، يبرز بقوة في كل فترة يطرأ فيها على البلاد تطور سياسي كبير. فعلى سبيل المثال ، يُلاحظ أن وحدة أبحاث السودان ، التي صارت فيما بعد ، معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية ، هذه المؤسسة النشطة في مجال البحث والتوثيق والنشر للتراث الشعبي لمختلف القبائل والإثنيات بالسودان ، قد تم تأسيسها عقب ثورة أكتوبر 1964م ، متزامنة مع مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في عام 1965م ، بغرض بحث السبل الكفيلة بحل مشكلة جنوب السودان ، وهي لعمري ذات الفترة التي برزت فيها بعض الحركات السياسية ذات النزعات الجهوية مثل: مؤتمر البجة ، وجبهة نهضة دار فور ، واتحاد جبال النوبة وهلم جرا.
وفي ذات السياق قد يُشار على سبيل المثال أيضاً ، إلى أنّ مؤسسة مثل: " مجلس تطوير اللغات القومية " قد نشأت وفقاً لمقررات اتفاقية السلام الشامل الموقعة في يناير عام 2005م ، التي كانت بلا شك واحدة من أهم التطورات السياسية المدوية التي حدثت في تاريخ السودان الحديث.
ومهما يكن من أمر في الختام ، فإنّ التنوع والتعدد الثقافي هو سُنَّة ماضية ، بمثل ما أن الاعتراف به ، والسهر على حسن إدارته ، سعياً وراء تحقيق مفهوم " الوحدة في التنوع " كما يقولون ، هدف مطلوب ، بالقدر الذي يكون فيه تحقيق ذلك الهدف عملياً ، وموضوعياً ، وممكنا. فعلى سبيل المثال ، هنالك أكثر من ستة آلاف لغة في العالم اليوم ، ولكن اللغات الرسمية العاملة في الأمم المتحدة هي ست لغات فقط ، وذلك للاعتبارات التي ذكرناها آنفا.

*ملخص محاضرة قدمها المؤلف بنادي أم درمان الثقافي مساء الخميس الموافق 9 / مايو / 2016م