عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من الآراء العجيبة والمدهشة حقاً التي أوردها عبد الله الطيب في كتابه الذي عليه مدار حديثنا هذا ،  في صفحة 24 من الطبعة الجديدة التي اعتمدنا عليها في هذا المقال ، وهو رأي لم يشفعه العلامة بالبرهان الكافي في تقديرنا مع الأسف ، وليته توسع  أكثر في شرح مضمونه تعميماً للفائدة ، قوله:
" ولا تحسبنَّ أن القرءان نظر إلى الإنجيل فنقل منه كما يقول بعض الإفرنج المستشرقين من أمثال أسين. فالراجح عندي أن الإنجيل ( بل الكتاب المقدس بإنجيله وتوراته وزبوره وعهديه التليد والطارف ) نظر إلى القرءان فأخذ منه ، وهذا قد يبدو غريباً عجيبا. قال الشيخ محمد المجذوب بن قمر الدين ، رحمه ونفعنا بجاهه:
حضورٌ إذا غبنا وغيبٌ حضورنا   وذا عجبٌ فليعجبِ المتعجّبُ " .. أ. هـ
والحق أن هذا الرأي غريب عجيب كما وصفه المؤلف نفسه. إذ أن من المعروف والمشهور، بل أن من الثابت قطعاً أن نص الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد ، سابق تاريخياً لنزول القرءان الكريم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. ومن المعلوم بالضرورة من الناحية المنطقية والموضوعية ، أن السابق لا يمكن أن يتأثر باللاحق أو أن يأخذ عنه ، وإن كان قد يشبهه كثيراً أو قليلا ، وإنما يجوز أن يأخذ اللاحق من السابق ، وذلك هو الوضع الذي يحدث في أغلب الأحيان.
هنالك في الواقع بعض الروايات التلمودية خاصةً التي أُلّفتْ بعد القرن السابع الميلادي ، التي تشي بقوة باحتمال تأثر ما بالقرءان وأخذ عنه ، خصوصاً فيما يتعلق بأخبار بعض أنبياء بني إسرائيل السابقين وأسلافهم من العبرانيين ، مما ليس موجوداً في متن الكتاب المقدس نفسه ، بينما هي مذكورة بتفاصيل محددة لم ترد إلآّ في القرءان. وهذا لعمري كأنه مبحث بكر في مجال علم المقابلة بين الأديان. ولكن أن يقرر عبد الله الطيب – وهو من هو – أن الكتاب المقدس بجميع أسفاره قد تأثر بالقرءان الكريم وأخذ عنه ، فإن ذلك هو العجب بعينه. فيا ليت شعري لأي شيء كان يهدف عبد الله الطيب ؟.
وثمة فائدة لغوية لطيفة  وقعنا عليها في صفحة 33 من الكتاب ، تتعلق بالاختلافات بين لهجات بعض المجموعات الناطقة بالعربية داخل السودان ، وذلك قوله:
" وأهل مُقرات ( وهي جزيرة في وسط النيل بديار الرباطاب بشمال السودان – الشرح من عندنا ) لا يقولون " الحِديّة " ولكن يقولون " السِّرْتوية " .. واصطاد أناسٌ فرس البحر ( ويسمونه القلوبة بمقرات ) بحفرة احتفروها له ، وبعثوا إلينا بقطعة منه .. " أ. هـ
هذا بينما يعرف سائر الناطقين بالعربية في السودان اسم هذا الحيوان البرمائي إما ب " القرنتية " وهو الغالب ، وإما ب " العنسيت " أو " العيسيت " بدون نون قبل السين. فتأمل هذه العناية بتدوين الخصائص اللهجية لتلك المنطقة من مناطق السودان في تلك اللحظة التاريخية المحددة ( أواخر عشرينيات القرن العشرين ) أي السنكرونية كما يقول علماء اللسانيات. والسؤال هو: هل ما يزال أهل مقرات يسمون الحدأة " سرتوية " ، ويسمون فرس النهر " قلوبة " إلى يوم الناس هذا ، ام إنهم هجروهما إلى ألفاظ أخرى ؟. لعل صديقنا الدكتور أحمد المعتصم الشيخ يفيدنا في ذلك.
ويمضي عبد الله الطيب اعتماداً على ذاكرة طفولته ، في بيان بعض الألفاظ الأخرى ذات الارتباط بلهجة الرباطاب وأهل " مقرات " على وجه التحديد ، وذلك حين يقول:
" وأهل مقرات يسمون اللوبيا العفن " القُسيِيَّلْ " ( بضم القاف تليها سين مكسورة بعدها ياء مشددة مفتوحة ثم لام ساكنة في آخرها – الشرح من عندنا ) ، ويسمون جابية الساقية " الإقنين " ، ويسمون قطيع البيت " الدِّكيق " ( بدال مشددة مكسورة وياء ممالة – الزيادة منا ) ، ويسمون النَّفاج " السام ". أ. هـ
قلتُ ، يبدو أن كلمة إقنين التي تعني: جابية الساقية ، لم تكن قاصرة على الرباطاب فحسب ، وإنما هنالك شاهد يدل على أن هذه اللفظة كانت معروفة ومستخدمة حتى نواحي الحلفاية وما بعدها جنوباً. فقد أورد الشيخ محمد ود ضيف الله في كتابه " الطبقات " كرامة للشيخ خوجلي بن عبد الرحمن جرى بفضلها الماء فسقى مزارع أهل توتي بعد أن أضرت بها جزيرة رملية قطعت عنها السقيا ، حيث قال المصنف: " وضع ( الشيخ خوجلي ) عصاه في البحر ، وقال بسم الله الرحمن الرحيم ، يا شيخ أحمد بن الناصري ، وقرأ حزب البحر مرة واحدة. فمن وقته هاج البحر ، وذهبت تلك الجزيرة ، وملأ أقانين السواقي .. " أ. هـ ( راجع ترجمة الشيخ خوجلي في الطبقات ).
ويحدس المؤلف في صفحة 44 قائلاً:
" وقوز الدامر الكبير الذي غربيه الجامع القديم ، كأنه قام على أنقاض مدينة هليوبوليس المرويين القديمة. إذ لا يعقل أن يكون قوز رملة طبيعي التكوين ، وفيه من الثعابين ما يسكن في هذا الضرب من أقواز الخرائب .. الخ " أ.هـ
فحديث عبد الله الطيب أعلاه ، الذي ساقه على سبيل الحدس والتخمين ، ينطوي على رأي ذي شقين: أحدهما تاريخي ، والآخار آثاري. أما الشق التاريخي ، فيشير إلى أنه كانت توجد مدينة مروية قديمة تسمى هليوبوليس أي " عين شمس " سودانية على غرار عين شمس المصرية المعروفة ، وأما الشق الآثاري فيخمن فيه المؤلف أن خرائب عين شمس السودانية تلك وأطلالها ، تقبع مطمورة تحت رمال  القوز المجاور لمسجد الدامر القديم. وهذه لعلها تكون بمثابة دعوة لاختصاصيي الآثار للتنقيب في ذلك التل ، بغرض استخراج ما عسى أن يكون تحته ، استناداً إلى حدس عبد الله الطيب ذاك ، ولطالما كانت حدوس العلماء الكبار مفاتيح للكثير من أسرار العلوم الإنسانية منها والطبيعية.
وهذه خاطرة للمؤلف في صفحتي 50 و51 تنطوي على تحليل نفسي لخصائص بعض الجماعات والشعوب التي كانت تستعمرها بريطانيا ، وتأمُّل في بعض جوانب سلوكها الجمعي ، لا يخلو من السخرية المشوبة بروح الدعابة:
" ... والهندغربيون يعدون أنفسهم أرقى من الإفريقيين ، من أجل أنهم أقرب إلى البيض ، قرب طول جوار ، جوارٍ ما .. ". أو قوله: " بعض الآسيويين يوافقون على تهمة العنصرية ( يعني اتهام الملونين عموما للإنجليز بالعنصرية – الزيادة منا ) من غير حماسة ، إذ عندهم أنهم آريون كالإنجليز والألمان ، وعلى هذا يكونون بيضاً وإن غشي ألوان جلودهم سواد ، ويكون بياضهم مستتراً وجوباً كالضمير في اكتُبْ وقُمْ وخلا وعدا... لقد كان يغيظهم جداً أن الأوروبيين يحترمونهم في الكتب لا في المعاملة اليومية ، يحترمون أخبار أجدادهم ويحتقرونهم هم ، ولعلهم لو بُعثَ أجدادهم لاحتقروهم أيضا.. " أ.هـ
وفي معرض انتقاده لقصد الأوروبيين تنميط المسلمين والاستهزاء بهم يقول المؤلف في صفحة 53:
" وأفلام هوليوود مولعة بعرض منظر السجود في الطنز بالمسلمين ، تراه مضحكا ، تُريكَ المصلين من وراء. ولما عُرض منظر سجدة القائد الروسي في فلم الحرب والسلام أرته من أمام .. " أ. هـ
وفي هذا الحديث فائدتان: الأولى لغوية وهي كلمة " الطَنْز " على وزن " العَنْز " ومعناها: السخرية والاستهزاء. وقريب منها في اللفظ والمعنى أيضا قول أهل كردفان الفعل " طَعَّزْ " ، بطاء مفتوحة تليها عين مشددة مفتوحة ثم زاي منقوطة ، ومعناه عندهم: عابَ وانتقدَ وانتقص من قدر إنسان أو أي شيء آخر. وهذا الفعل يجري عندهم على ألسنة النساء أكثر. ويقابله في المعنى الفعل " شَنَّفْ " في مناطق أخرى من السودان.  والفعل " طّعّز " هذا ندّ عن عون الشريف نفسه ، فلم يورده في قاموسه الشهير.
وأما الفائدة الثانية ، فتتمثل في حرص المؤلف على رصد ذلك الموقف المتحامل الذي وقفته وما تزال تقفه السينما الغربية  تجاه المسلمين ، عندما صورت منظر السجود عندهم على غير النحو الذي صورت به سجدة القائد الروسي ، مع أن المشهد والحركة هما نفسهما في الحالين. إنّ هذه الخاطرة عميقة التأمل لعبد الله الطيب ، مقروءة مع نظرته قبل ذلك لموقف أهل جزر الهند الغربية مع الأفارقة السود ، وهو – على كل حال – موقف شبيه بموقف بعض الأمريكان السود من أخوتهم الأفارقة حديثي العهد بالولايات المتحدة ، كأنها أدخل في باب النقد الثقافي للآخر مما توسع فيه إدوارد سعيد وأضرابه بعد عبد الله الطيب بسنوات عديدة.
ثم فائدة لغوية أخرى وردت بصفحة 70 من الكتاب ، يخرِّج فيه المؤلف كلمة " شَرْمُوط " العامية السوداني لغويا. والشرموط هو: شرائح اللحم المقدّد المجفف ، التي يُتخذ منها أدام شعبي بذات الاسم " مُلاح شرموط ". يقول العلاّمة:
" وأصل الشرموط من دون ريب من " شَرَط " زيدت الميم للدلالة على ما يقع من تشريط اللحم وتشريره ... وبلغني أن بنجد من يستعمل كلمة الشرموط استعمالها بالسودان ، وأنّ بمصر قد يقال للخرقة البالية شرموط. فهذا يقوي أن أصل الاشتقاق مادة ( شرط ) " أ.هـ
ودونك أيضاً فقرة أخرى في صفحة 75 من الكتاب ، مفعمة بجملة من الفوائد ، منها قول المؤلف:
" وبينما هو ينظر سقط على عينه ( كعكعول ) .. وكان الناس إذ ذاك يجنون الصمغ ، ويقرظون القرظ ، وكانوا عربا:
العطوي الجانا دابُهْ
يسلّلْ في رُقابُهْ
سنَّكْ لبن زولاً ظريف حلاّابُهْ  
يُميلون الألف من " حلاّبُه " إلى جهة الواو فتوشك أن تكون " حلّوبُه " بلام مشددة بعدها واو. " أ. هـ
ويشرح المؤلف الكعكول بأنه " الصمغة المستديرة المجتمعة ".
وأما مقطع الهزج البدوي التقليدي الذي أوله: " العطوي الجانا دابو " ، فإنه نموذج من الغناء الشعبي الذي يسمى " الجابودي " في شمال السودان ، وهو ذاته الذي يسميه الناس في غرب السودان ب " الجراري " ، كأنهم ينسبونه إلى قبيلة " بني جرار ".
وبهذه المناسبة ، فإن العطوي المذكور في هذا المقطع نفسه ، هو بكل تأكيد فتىً منسوب إلى العطوية ، وهم فخذ من أفخاذ قبيلة الكبابيش بشمال كردفان. وما أشبه أن يكون هذا المقطع ذاته من غناء بعض بداة شمال كردفان كالكبابيش والهواوير وبني جرار والكواهلة وغيرهم. ممن ينتجعون بإبلهم ومواشيهم وتجارتهم أحيانا حتى ضفاف نهر النيل شمالا. وتأسيساً على ذلك نرجح أن تكون الرواية الكردفانية الأصلية لهذا المقطع جارية على النحو التالي:
العطوي الجانا دابا
يسلّلْ في رُقابا
سنك لبن زولاً ظريف حلاّبا
بفتح الباء وهي حرف القافية وبعدها ألف ، جريا على طريقة نطقهم ، وستكون الألف  الممالة نحو الواو في حلابُه ثابتة لن تتأثر ، سوى انها سوف تنطق هكذا " حلّوبا ".
وأخيراً نجد هذه القصة العجيبة في صفحة 84 من الكتاب ، تلك القصة التي حدثت لجارية وقعت في بئر مع الولي الصالح " عبد المعبود " ، وفيها يقول المؤلف:
" يُقال إن جارية سقطت في بئر ، فإذا بضوء – أو وجه مضئ – ورجل يطعمها ويسقيها . ولما اهتدى أهلها إليها وجدوها يخير وقصت عليهم خبرها .. فعلموا أنه ولي صالح .. " أ. هـ  
ألا تكاد هذه القصة ، تكون مطابقة حذوك القذة بالقذة لقصة " أم شوايل " فتاة البئر التي راجت حكايتها الواقعية قبل بضعة أعوام فقط داخل السودان ؟ . على أن هذه القصة التي يوردها عبد الله الطيب قد دُوِّنت قبل بضعة عقود ، وإن كان لا يدري أحد متى حدثت وقائعها نفسها التي تشبه ما حدث لأم شوايل تشابهاً مدهشا حقا. مع العلم بأن عبد الله الطيب نفسه كان قد انتقل إلى جوار ربه قبل أن تقع حادثة أم شوايل هذه ببضعة أعوام ، كما هو معلوم.