عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

" من نافذة القطار " كتابٌ في السيرة الذاتية والمذكرات والذكريات ، من تأليف أستاذ الأجيال العلامة البروفيسور عبد الله الطيب رحمه الله. صدر هذا السفر الممتع والمفيد للغاية في طبعته الأولى ، خلال النصف الأول من ستينيات القرن الماضي ، لكي يكون بمثابة الجزء الأول من مذكرات هذا العالم الفذ وسيرته الذاتية التي أكملها بإصداره لجزئها الثاني المتمثل في كتابه الموسوم ب " من حقيبة الذكريات " الذي صدر عن دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر في عام 1983م ، أي بعد مرور نحو عقدين من صدور الجزء الأول.
كانت بحوزتي نسخة من الطبعة الأولى من كتاب " من نافذة القطار " ، ولكنني لم أهتد إلى موضعها في " جخانين " مكتبتي المبعثرة ، وأضناني البحث عنها ، فتركت ذلك البحث والتفتيش أسيفاً ومبتئساً زماناً ، حتى تكرم عليّ قبل نحو عامين أو ثلاثة أعوام من الآن ، الأخ والصديق الفاضل الدكتور الصديق عمر الصديق ، مدير معهد البروفيسور عبد الله الطيب للغة العربية بجامعة الخرطوم ، بأن أهداني نسخة من طبعة جديدة من هذا الكتاب ، صدرت عن مطبعة " الحياة الجديدة " بالخرطوم في عام 2011م.
سعدتُ بتلك الهدية الثمينة أيما سعادة ، وطفقت أقرأ بنهم وتلذذ ما كنت قد قرأته من قبل من ذلك الكتاب قبل عدة سنوات خلون. على أنني لاحظت أن هذه الطبعة الحديثة مشوبة بأخطاء طباعية كثيرة ، وكأني بهذه الطبعة الجديدة من الكتاب ، لم تُعرض قبل الطبع على عارفٍ متمرسٍ باللغة والأدب العربيين ، ومطلعٍ عليمٍ بصفة خاصة على تراث عبد الله الطيب ولغته وأسلوبه ومصادره ، كالدكتور الصديق نفسه.
ولا غرو في أن الجزء الثاني من مذكرات عبد الله الطيب ، أي كتابه: " من حقيبة الذكريات " هو أوعب وأشمل وأغزر مادة ، وأصدق دلالة على إعطاء صورة أوضح وأكثر تفصيلاً عن حياة عبد الله الطيب وملامحها ، وخصائص شخصيته ، ومقوماتها ونوازعها الأخلاقية والنفسية والمزاجية ، فضلاً عن بيان الخطوط العريضة لعلمه ورؤاه وفلسفته وأفكاره في الحياة والوجود والمجتمع والسياسة ، ومواقفه بإزاء المعرفة والفكر والفن بصفة عامة.
ذلك بأنّ كتاب " من نافذة القطار " قد ركز المؤلف فيه بصفة أساسية على ذكريات رحلته بالقطار والباخرة إلى لندن مروراً بالقاهرة ، مبتعثاً من قبل حكومة السودان ، أو معهد التربية ببخت الرضا على وجه التحديد ، للدراسات العالية في الأدب العربي بجامعة لندن خلال النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين ، تلك الرحلة التي آب في نهايتها مظفراً ، بعد أن حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة لندن في عام 1950م ، كأول شهادة من نوعها في السودان في هذا التخصص.
على أن الكتاب يشتمل أيضاً على ومضات من ذكريات الطفولة الباكرة للعلامة بمعية أسرته في مدينة كسلا بشرق السودان في أواخر عشرينيات القرن الماضي ، وذكرياته عن رحلة له بالقطار من كسلا إلى ديار عشيرتهم بالدامر ، ومشاهد تلك الرحلة المسحورة ( قلتُ: ليس كمثل السفر بالقطار سفر ، لكن ذلك أمر آخر !! ) من خلال نافذة القطار ، التي أوحت له بدورها بعنوان هذا الكتاب ، بالإضافة إلى لمع من ذكريات طفولته أيضاً في جزيرة " مقرات " من ديار " الرباطاب " بشمال السودان ، حيث كان يعمل والده مدرِّسا. وهنا يذكر المؤلف حادثة صراعه مع حدأة أرادت أن تخطف منه كوم اللحم الذي أوكل إليه أيصاله من السوق إلى منزلهم ، وكيف أنه قد قاوم الحدأة ، وصد ضربات أجنحتها القوية ، فانتصر عليها في نهاية المطاف ، وأوصل اللحم سالماً إلى البيت.
ولكن هذين الجزئين من سيرة عبد الله الطيب ومذكراته ، أعني: " من نافذة القطار " و " من حقيبة الذكريات " ، يكملان بعضهما بعضاً بكل تأكيد ، وحبذا لو عمدت جهة ما إلى إصدارهما معاً في مجلد واحد مستقبلا.
ولا شك في أن كتاب: " من نافذة القطار " الذي عليه مدار حديثنا في هذا المقال ، قد ظل يشكل واحداً من المصادر والمراجع الأساسية لكل أولئك الذين تصدوا أو يتصدون لتراث عبد الله الطيب الأدبي وتركته الفكرية ، استعراضاً ، وتوثيقاً ، وتذوقاً ، وإفادةً ، ونقدا.
فمما نذكره في هذا المقام – على سبيل المثال – أن السفير الأديب " صلاح محمد علي " ، كان قد استشهد في مقال له منشور ، في معرض تدليله على روح الدعابة التي كان يتحلى بها عبد الله الطيب وأدبه كذلك ، بتعليق الصبي عبد الله الطيب في هذا الكتاب على جدِّهِ ، وهم يومئذٍ داخل قَمَرة القطار ، وقد أُضيئت مصابيحها فجأةً: " هسع يا فُقرا .. اللمبات ديل العلَّبِنْ منو ؟ " .. ويعلق الصبي عبد الله ساخراً: " ولم يكن بالقَمَرة فُقرا غيره !! ". وكذلك أورد السفير صلاح في ذات السياق ، القصة التي أثبتها عبد الله الطيب عن مجموعة النسوة المتشيطنات اللائي أردن أن يشغبن على مجموعة " الفقرا " من أهل البراءة والحياء فقلن لهم: " يا فقرا هوي ... نفعل لكم كذا وكذا ". قال: فرد عليهن أكثرهم جرأة: " غلنا لكن مثلما غلتن لنا .. " وقلب القاف غيناً إمعاناً في التفاصح.. الخ.
هذا ، ونحن نعتقد أنه بخلاف كتاب البروفيسور عبد الله الطيب العمدة في بابه ، ألا وهو " المرشد لفهم أشعار العرب وصناعتها " بمجلداته الأربعة ، والذي بسط فيه العلامة أركان نظريته ومواقفه النقدية بإزاء مجمل التراث الشعري العربي منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الحديث ، فإن كتاب " من نافذة القطار " ، وهو أيضاً من مؤلفات عبد الله الطيب الباكرة نسبياً ، قد تضمن هو الآخر جملة صالحة من الآراء والأفكار الجريئة والمبتكرة والطريفة في عدة مسائل في الأدب واللغة والنقد والتاريخ والأنثربولوجيا والاجتماع وغيرها من المعارف والعلوم الإنسانية ، بل إنّ جذور وبذور طائفة من الأعمال والاجتراحات المعرفية والفكرية التي توسع فيها عبد الله الطيب ، وأصدرها لاحقاً ، توجد مبثوثة بالفعل بين طيات هذا الكتاب.
ونود من خلال هذه الكلمة أن نتوقف عند بعضٍ من تلك المواقف والمحطات ، مرافقين لعبد الله الطيب في رحلته بذلك القطار ، ومحدقين مثله عبر نافذته  - من وجهة نظرنا نحن بالطبع - كما سوف ننبه إلى بعض الآراء التأسيسية التي أوردها في هذا الكتاب ، والتي شكلت بدورها معالم بارزة في مجمل تراثه الفكري والمعرفي الباذخ.