عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مروي كما هو معلوم ، هو اسم تلك المملكة السودانية العظيمة (وهو اسم عاصمتها أيضا) ، التي ازدهرت في شمال السودان ، وامتد سلطانها ليشمل أجزاء واسعة من بلاد النيل الأوسط ، والجزيرة ، والبطانة ، وربما أجزاء من شرق السودان وكردفان ، وحكمت لمدة قاربت الألف عام تقريباً ، إذ يرجح المؤرخون أنها قد قامت في حوالي القرن السادس قبل الميلاد ، وأنها قد اندثرت وفقاً لأكثر الروايات شيوعاً ، في حوالي منتصف القرن الرابع الميلادي ، على يد (عيزانا) ملك الحبشة.
ولقد أصابت مملكة مروي شهرة عظيمة في أوساط العالم الكلاسيكي الإغريقي والروماني ، لم تبلغها أية مملكة قديمة أخرى ، خصوصاً في بلاد ما يسمى بإفريقيا جنوب الصحراء ، وظل اسمها يتردد بصورة ملحوظة من خلال المصادر الكلاسيكية من لدن هيرودوتس أبي التاريخ الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد ، ومروراً بديودوروس الصقلي ، واسترابو ، وبليني ، وجوزيفوس فلافيوس ، والجغرافي الشهير بطليموس الذين عاشوا قبل وبعيد ميلاد المسيح بقليل ، وانتهاء بهليودورس الذي عاش في القرن الرابع الميلادي.
لقد ورد اسم " مروي " كما أسلفنا ، في عدد من مؤلفات الكتاب الكلاسيكيين الإغريق والرومان ، ونقله عنهم الكتاب والرحالة الأوروبيون في العصور الحديثة ، إلا أن من الثابت أن أي مصدر معاصر ، سواء كان من تأليف كاتب أو باحث سوداني أو غير سوداني ، لم يشر إلى ورود الاسم " مروي " لفظاً في أي مصنف عربي من القرون الوسطى مطلقاً ، على كثرة ما أشار المؤرخون والجغرافيون العرب القدامى في مؤلفاتهم إلى بلاد النوبة وأرض السودان. فتلك المؤلفات قد ذكرت بكثرة ملحوظة على سبيل المثال أسماء مثل: النوبة ، والمريس ، والبجة ، والأبواب ، وسوبا ، ودنقلة ، والأنج أي: " العنج " كما يسميهم السودانيون الخ .. ، ولكنها لم تذكر مروي فيما نقل عن تلك المصنفات حتى الآن البتة.
على أن أحمد بن واضح اليعقوبي المتوفي في سنة 284 هجرية الموافقة للعام 897 ميلادية ، قد ذكر في تاريخه من أسماهم " المرويون " فقط ولم يشر إلى نسبتهم إلى مروي. وقد جاء نص إشارة اليعقوبي كما أثبتها الدكتور مصطفى محمد مسعد في كتابه الموسوم ب " المكتبة السودانية العربية " على النحو التالي:
" وكان ولد حام بن نوح قد قصدوا عند تفرُّق ولد نوح من أرض بابل إلى المغرب ، فجازوا من الفرات إلى مسقط الشمس. وافترق ولد كوش بن حام ، وهم الحبشة والسودان لما عبروا نيل مصر فرقتين ، فقصدت فرقة منهم التيمن بين المشرق والمغرب ، وهم النوبة والبجة والحبشة والزنج. وقصدت فرقة الغرب وهم زغاوة ، والحس ، والقافو ، والمرويون ، ومرندة ، والكوْ كوْ ، وغانة " أ.هـ  ( مسعد – 1972 ص 20 ).
ومن الواضح أن مسمى " المرويون " الوارد في نص اليعقوبي المشار إليه ، يشير بالأحرى إلى قوم او جماعة بشرية ، وليس إلى رقعة جغرافية ، أو مملكة ، او مدينة بعينها.
ثمّ إننا تصفحنا مليّاً كتاب الدكتور مصطفى مسعد المشار إليه آنفاً ، وهو مجلد معتبر يحتوي على نصوص ووثائق تتعلق بتاريخ بلاد السودان ، مأخوذة من مصادر عربية مطبوعة وأخرى مخطوطة لأربعين كاتباً من العصور الوسطى ، مرتبة متونهم ترتيباً زمنياً ابتداءً من الواقدي ( توفي 207هـ / 823 م ) ، وانتهاءً بابن عبد السلام ( توفي 931هـ / 1525م ) ، وجميعها باللغة العربية  باستثناء كتاب واحد لناصر خسرو مترجم من الفارسية إلى العربية ، إلى اننا لم نعثر فيه على أية إشارة ‘لى الإطلاق ل " مروي " بوصفه اسماً علماً لمدينة أو مملكة سودانية قديمة.
على أننا قد وقعنا بالفعل قبل بضعة أعوام ، في كتاب " الجعرافية " بالعين غير المنقوطة لمؤلفه: أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزُّهري الغرناطي الأندلسي المتوفي في حوالي أواسط القرن السادس الهجري ، على إشارة نادرة حقاً لاسم نرجح أن يكون ذا صلة ب " مروي " التي ندت عن سائر المؤلفين العرب والمسلمين في القرون الوسطى فيما يبدو.
أما كتاب " الجعرافية " المذكور ، فقد ذكره المستشرق الروسي " اغناطيوس كراتشوفسكي " في مؤلفه الشهير: " تأريخ الأدب الجغرافي العربي " ، الذي عربه المرحوم السفير " صلاح هاشم " ، وذلك في موضعين. غير أن صلاح هاشم قد أثبت تعريبه لعنوان الكتاب هكذا: " كتاب الجغرافيا " بالغين المعجمة وبالألف في آخره عوضاً عن العين والتاء المربوطة كما في تحقيق الأستاذ محمد صادق الذي حقق هذا الكتاب ، وصدر له عن مكتبة الثقافة الدينية بميدان العتبة بالقاهرة بدون تاريخ.
ومن الملاحظ أن الدكتور مصطفى مسعد لم يشر مطلقاً إلى " كتاب الجعرافية " لأبي عبد الله الزهري الأندلسي هذا ، بوصفه مصدراً من مصادر سفره القيم " المكتبة السودانية العربية " ، على الرغم من أنه كما أسلفنا ، قد أثبت نصوصاً من مؤلفات عديدة سبقته تاريخياً ، وأخرى كثيرة صنفت من بعده.
أما النص الذي عليه مدار حديثنا في هذا المقال ، فقد ورد في صفحة 119 من النسخة التي عثرنا عليها من " كتاب الجعرافية " للزهري ، فهو قوله في معرض حديثه عن الجزء السابع ، وهي بلاد السودان وأرض الحبشة والزنج والنوبة:
" النوبة والزنج وبلاد الأردكان وما بين بلاد النوبة وبلاد الزنج وجبال الأردكان وما بين هذه الجبال والنوبة. وفي بلاد النوبة من المدائن مدينة مروه وهي دار ملكهم .. " انتهى
إن هذه في تقديرنا إشارة فريدة حقاً ل " مروي " التي رُسمت هاهنا " مروه " بتغيير طريف ، نحسبُ أنه لا يؤثر على المعنى المقصود مطلقا. والسؤال الذي يثور بداهةً هو: كيف تسنى لأبي عبد الله الزهري العثور على اسم هذه المدينة وإثباته في كتابه ؟ ، وهو الاسم الذي قد ندّ عن سائر المؤرخين والجغرافيين العرب في العصور الوسطى ، من الذين سبقوا الزهري ، والذين عاصروه ، أو الذين أتوا من بعده أيضا. وهنا نود أن نقول على وجه الحدس والتخمين ، إنه من المحتمل أن يكون الزهري قد وقع على هذا الاسم في بعض المصادر الكلاسيكية ، أو الإفرنجية المعاصرة له المكتوبة باللغة اللاتينية ، أو سواها من اللغات المشتقة منها على سبيل المثال ، ولا ينبغي أن يكون ذلك مستبعداً بالنسبة لرجل مثقف وطلعة كان يعيش في بلاد الأندلس ، وكذلك من الجائز أن يكون قد عثر على هذا الاسم في مصدر عربي آخر لم يصل إلينا ، وما أكثر تلك المصادر العربية التي لم تصل إلينا. !!