عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ظلت أهمية المحافظة على الآثار والتراث المادي منه وغير المادي في السودان ، تمثل هاجساً ملحّاً بالنسبة لكاتب هذه السطور منذ فترة ليست بالقصيرة ، وذلك على الصعيدين الشخصي والمهني على حدٍّ سواء. ولعل أناساً كثيرين مثلي داخل البلاد ، ينتابهم ذات الهاجس أيضا. ومن المحتمل ، بل من المؤكد أن بعضهم قد عبّر بالفعل عما يعتمل في نفوسهم حيال هذا الموضوع ، بالكتابة والنشر ، أو الحديث من خلال وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في أزمان مختلفة. هذا بالطبع ، بالإضافة إلى الدور والنشاط الإرشادي والتوعوي الذي تضطلع به المؤسسات ذات الصلة بهذا الموضوع بحكم وظيفتها ، مثل وزارات الثقافة والإعلام ، والسياحة والتراث ، والتربية والتعليم على مستوىً ما ، والهيئة القومية للآثار والمتاحف ، واللجنة الوطنية لليونسكو ، بالإضافة إلى الصحف وغيرها من وسائل الإعلام الأخرى ، أو هذا هو المفترض.
أما اهتمامي بهذا الأمر على الصعيد الشخصي ، فلأنني كنت وما زلت منذ أيام الطلب ، شغوفاً ومهتماً بشدة بتاريخ السودان وآثاره وتراثه المادي والثقافي ، على الرغم من أنني لم أدرس أياً من ذلك دراسة أكاديمية راتبة في المرحلة الجامعية ، ولم أتخصص في أي منها.
وأما اهتمامي بهذا الأمر من الناحية المهنية ، فلعله جاء من كون أنني قد أُتيحت لي الفرصة بأن توليت منصب مندوب السودان لدى منظمة اليونسكو بباريس خلال الفترة بين عامي 2011 و2013م ، وهي ذات الفترة التي عملت فيها في نفس الوقت أيضاً ، سفيرا للسودان معتمداً لدى الجمهورية الفرنسية. وبالتالي فقد تسنى لي ، خصوصاً من خلال الصفة الأولى ، أن أتعرف عن كثب على ماهية التراث المادي وغير المادي لدولة ما ، وأهمية المحافظة على الآثار ، وسائر متعلقات التراث. وقد شاركت باسم السودان خلال الفترة المذكورة ، في اجتماعات لجنة التراث العالمي التي انعقدت بمدينة سان بطرسبيرغ ( لينينغراد) سابقاً الروسية ، خلال شهر يونيو 2012م.
وفي أواخر شهر نوفمبر الماضي 2015م ، شهدتُ ندوةً نظمتها اللجنة الوطنية السودانية لليونسكو بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم ، بالتضامن مع مكتب اليونسكو بالسودان ، حول المحافظة على الآثار والتراث ، تحت رعاية ومشاركة معالي الأستاذ محمد أبو زيد مصطفى ، وزير السياحة والآثار والحياة البرية ، وبحضور ومشاركة معالي وزير الثقافة ، الأستاذ الطيب حسن بدوي.
وقد شرَّفني أستاذي سعادة السفير الدكتور نور الدين ساتي ، بأن طلب مني تقديم ورقةٍ كان قد أعدها للمشاركة بها في الندوة المذكورة بالنيابة عنه ، نسبة لسفره حينئذٍ خارج البلاد. وقد جاءت ورقة الدكتور ساتي بعنوان: " المحافظة على التراث من منظور ثقافة السلام ".
على أنّ من بين ذكرياتي غير السارة نوعاً ما ، وانطباعاتي الشخصية غير الإيجابية – مع الأسف – مع تعامل السودانيين اللامبالي عموماً مع الآثار ، أنني عندما كنت طالباً بجامعة الخرطوم خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي ، كنت أشاهد وأنا أسير ماشياً أحياناً بمحاذاة الجانب الأيمن من القطاع الشرقي من شارع الجمهورية ، إلى الغرب قليلاً من " نفق بُرِّي " ، وفي قبالة صف مباني مجمع اللغة العربية واتحاد المصارف ومفوضية العون الإنساني حالياً ، بضعة أوتاد مصنوعة من الحديد الصلب ، مزعزعة وبعضها يوشك أن ينخلع من مكانه ويسقط على الأرض بسبب عوادي الزمن ، وخصوصاً من فرط الإهمال. ويبدو من هيئة تلك الأوتاد الحديدية أنها كانت مغروزة ومثبتة في شكل صف ، وتفصل بينها مسافات معينة. ومما اتذكره عن تلك الأوتاد ، أن رؤسها كانت تحمل نقشاً بارزا يحمل هذه العبارة: " استحكامات غردون باشا ". ولما سألنا بعض أهل الذكر عن تلك الأوتاد العجيبة ، أفادونا بأنها كانت تمثل جزءاً من التحصينات التي أمر الإنجليزي " غردون باشا " آخر حكمدار للسودان في عهد الحكم التركي – المصري ، بإقامتها حول الخرطوم ، وذلك في محاولة منه لصد أي هجوم لجحافل أنصار الإمام المهدي التي كانت تحاصر المدينة ، ثم اجتاحتها بالفعل رغماً عن ذلك ، بتاريخ 26 يناير 1885م كما هو معلوم.
ولكنني لاحظت بعد مضي نحو عشر سنوات منذ ذلك التاريخ أو أكثر قليلا ، أن تلك الأوتاد الحديدية الأثرية ، أو استحكامات غردون ، التي لم يهتم بها أحد ، قد اختفت تماما. وأخشى أن تكون قد سرقت ، أو تم تهريبها إلى خارج البلاد ، أو حتى صهرت وأعيد سبكها في شكل آلات أو أواني حديدية أخرى ، والله المستعان.
وحتى إذا ما افترضنا جدلاً أن تلك اللا مبالاة وذلك الإهمال لتلك المخلفات الأثرية المتينة وغير القابلة للدمار والتلف بسهولة ، قد تم قصداً بدافع وطني مثلاً ، على اعتبار أنها تعود إلى فترة استعمارية بغيضة ، وتخص حاكماً أجنبياً مستعمراً ، مستبداً ومتغطرساً ، هو الجنرال " شارلس غوردون " ، فما بال جزء كبير من أثر عظيم من آثار المهدية ، وهي جوهرة مآثرنا الوطنية بلا ريب ، وأعني بذلك جزءاً من السور الأصلي القديم لحوش الخليفة عبد الله ، في جزئه الغربي المحازي لشارع الموردة ، قد تم هدمه قبل بضعة عقود ، وبني مكانه سور جديد بأعمدة وجدران من الطوب الأحمر ، مشدودة بعضها إلى بعض بقضبان من الحديد مطلية باللون الأخضر ؟. إنه في تقديرنا محض قلة وعي واستهانة بالتراث وأهمية المحافظة عليه كما هو.
وكنت قد وقفت قبل فترة على رأي طريف منشور في موضع ما ندّ عني الآن ، انتقد فيه صاحبه ما وصفه بقرار السودانيين المتسرع وغير الحكيم على حد قوله ، الذي قضى بُعيد الاستقلال مباشرة ، بإرجاع تمثالي غردون وهو يركب بعيراً ، وكتشنر وهو يعتلي صهوة حصان إلى بلدهما بريطانيا. وكانت حجته هي أنه كان ينبغي علينا أن نحتفظ بذينك التمثالين في حديقة صغيرة مسورّة ، أو متحف خاص صغير ، بعيداً عن أعين العامة ، حتى لا تُستفز المشاعر الوطنية ، وسيكونان مزاراً سياحياً معتبراً بالنسبة للأوروبيين عموماً ، وللبريطانيين الذين يزورون السودان على وجه الخصوص ، وبمقابل مالي جزيل يصب في خزينتنا العامة.
ولقد رأيتُ بعض البلدان الإفريقية كالسنغال مثلاً ، وهي ما تزال تحتفظ بأشد الآثار تذكيراً بأبشع ما هو مسئ وجارح للكرامة الإنسانية ، مثل آثار جزيرة " قوري " الواقعة على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات شمال العاصمة " داكار " ، والتي كانت تُصدر منها شحنات المسترقين الأفارقة قسراً إلى الدنيا الجديدة عبر الأطلنطي لبضعة قرون. وهذه الجزيرة السنغالية الصغيرة ، موضوعة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو ، وهي تدر على السنغال أمولاً طائلة في كل يوم ، بسبب ألاف السياح الذين يحرصون على زيارتها من شتى بقاع العالم. ولكن يبدو أننا في السودان ، قد تأثرنا في قرارنا ذاك بطبعنا الإنفعالي المعروف ، وخصوصاً عندما استخفنا قول شاعرنا ، وخصوصاً أداء مطربنا العطبراوي لأنشودة: " يا غريب بلدك يلاّ لبلدك .. شيل معاك ولدك ولملم عددك " الخ .. وواضح أنها عبارات لا تقبل أية مهادنة مع المستعمر وجميع متعلقاته.
لم أتمكن مع الأسف من متابعة كل الأوراق والمداولات والمناقشات التي جرت في ندوة المحافظة على التراث والآثار التي انعقدت مؤخراً بالخرطوم ، ولكنني آمل بصفة خاصة أن تكون مسألة إشكالية أيلولة الولاية على الآثار ما بين المركز والولايات ، قد تم التطرق إليها في تلك الندوة. ذلك بأنّ دستور السودان الانتقالي للعام 2005 ، يمنح الولايات حق الإشراف على الآثار. وهذا في حد ذاته يشكل معضلة كبرى تتطلب معالجة ملائمة. ذلك ببساطة لأن الآثار هي آثار الدولة جميعها ، بل إن بعض الآثار التي تحظى بمزية الانضمام إلى قائمة التراث العالمي ، مثلما هو الحال مع مجموعتي آثار البركل ، وآثار جزيرة مروي في السودان ، تصبح تلقائياً ملكاً للإنسانية جمعاء ، مما يتطلب تعاملاً مباشراً بين الدولة المعنية عبر سلطاتها المركزية ذات الصلة مع منظمة اليونسكو ، في كل ما يتعلق بها ، وخصوصاً بالنسبة للسبل الكفيلة بصونها وحمايتها.
إننا في السودان ، محتاجون بكل تأكيد وبصورة ملحة ، إلى رفع الوعي لدى مجتمعنا بكافة شرائحه وفئاته بأهمية المحافظة على الآثار والتراث لآنها عنوان البلاد ورمز تاريخها التليد ، وإرثها الحضاري العريق ، مثلما أننا بحاجة إلى ترقية الحس الجمالي ، وتملي الحسن والبهاء في العراقة والعتق ، وعدم الاندفاع نحو طلب التجديد والتحديث بأي ثمن. فلك أن تتخيل مثلاً أن لو قام قائم أهوج بتجليد cladding مبنى البوستة أو وزارة المالية ، أو جامع فاروق بالخرطوم ، بمثل تلك الألواح اللامعة المتلاصفة التي جعلت تنتشر بصورة مزعجة في الخرطوم خلال السنوات الأخيرة. فلا شك أن لو تم مثل هذا العمل ، لا سمح الله ، فإنه سيكون كارثة عظيمة.
إن التجديد والتحديث الحقيقي في المباني والعقارات ينبغي أن يكون في الأشياء الجوهرية ، أي في اللباب وليس القشور. ونعني بذلك: النظافة ، والنظام ، والتهوية ، والإضاءة ، وتوفير المرافق الحيوية الأساسية مثل بيوت الراحة ، ومقتضيات السلامة ، ومخارج الطوارئ الخ ، وفوق كل ذلك حسن إدارة المبنى المعني.
وانظر إلى المؤسسات العريقة التي تحترم التقاليد ، ويقوم عليها أناس واعون ومثقفون ومتحضرون ، يعرفون معنى تناسق البيئة المعمارية ، والانسجام والتناغم ،  كجامعة الخرطوم مثلاً ، تجدها ما تزال وفية للمشهد المعماري والجمالي العام لمبانيها ، مهما أُضيفت إليها مبانٍ جديدة ، على الرغم من أن نواتها الأساسية ألا وهي كلية غردون التذكارية ، أو مبنى المكتبة الرئيسية يعود تاريخ إنشائها إلى أكثر من مائة عام. فحري بنا أن نتعلم منها.
ومهما يكن من أمر في الختام ، فإن رفع الوعي بأهمية المحافظة على الآثار والتراث هي في تقديرنا ، جزء من الوعي بأهمية تقديس الملكية العامة والمحافظة عليها بصفة عامة. وهذا يستدعي بالضرورة تضافر الجهود التربوية والإرشادية والتثقيفية وتكثيفها عبر مؤسسات التربية والتعليم والإعلام والثقافة ، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني ذات الصلة ، وفوق ذلك تشديد وتفعيل القوانين ، والحرص على تطبيقها بدقة ، ردعاً للمعتدين والمخالفين ، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.