عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قدّم الدكتور إدريس سالم الحسن ، أستاذ علم الاجتماع بكلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم ، ورقة مفيدة ماتعة بمؤتمر " كتاب طبقات ود ضيف الله ... مخزون معرفي للثقافة السودانية " الذي انعقد في يومي الرابع والخامس من شهر أغسطس 2015م بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم ، في إطار أنشطة الأمانة العامة لمهرجان سنار عاصمة الثقافة الإسلامية للعام 2017م.

اندرجت ورقة الدكتور إدريس سالم في إطار " محور الاجتماع " الذي كان من بين بضعة محاور بحثية ومعرفية أخرى غطاها ذلك المؤتمر ، وقد جاءت ورقته بالتحديد تحت عنوان: " الأسر الدينية والقرابة في كتاب الطبقات ".

والمقصود بكتاب الطبقات هاهنا ، هو " كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان " الذي صنفه العالم والفقيه والمتصوف السوداني الشيخ محمد النور بن ضيف الله ، المولود بحلفاية الملوك شمال الخرطوم في عام 1727م ، والمتوفى والمدفون بها في حوالي عام 1809 / 1810 م.

والواقع هو أن كتاب " طبقات ود ضيف الله " كما اشتهر بهذا الاسم ، والذي يمثل بحق كما وصفه محققه العلامة بروفيسور يوسف فضل حسن: مرآة صادقة وسجلا حافلا للحياة بمختلف وجوهها وصورها في أجزاء واسعة من سودان وادي النيل خلال فترة حكم سلطنة سنار ، أو مملكة الفونج 1504 – 1821م ، قد اشتمل على إشارات عديدة هي في غاية الأهمية فيما يتصل بمسألة علاقات القرابة الرحمية منها أو الروحية القائمة على مجرد التتلمذ أو سلوك الطريق الصوفي لمؤسس أسرة دينية أو مشيخة صوفية من خلفية عرقية ما ، على يد شيخ ينتمي إلى قبيلة أو إثنية أخرى بعينها. وكثيراً ما ترد في غضون ذلك في كتاب الطبقات المومى إليه ، إشارات وإضاءات أخرى مفيدة حول الانتماءات العرقية أو القبلية للعديد من أسماء الأعلام التي ورد ذكرها في الكتاب ما لاحظ ذلك الدكتور إدريس محقاً.

وفي ذات السياق يقرر السير هارولد مكمايكل ، مؤلف كتابي: تاريخ العرب في السودان الصادر في عام 1922م ، وقبائل وسط وشمال كردفان الذي صدر في عام 1912م ، بعد مقارنة ما جاء في كتاب الطبقات ببعض ما توفر لديه من أشجار النسب وكتب التاريخ ، أن ود ضيف الله " كان أميناً دقيقاً في تسجيل الحوادث التاريخية ، وأنه نادراً ما يخطئ فيما يذكره ، ومما يُحمد له أنه لا يدعي معرفة كل شيء ، بل كثيراً ما يعترف بجهله " كما لاحظ ذلك البروفيسور يوسف فضل في ورقته التي قدمها في ذات المؤتمر تحت عنوان: " تجربتي في تحقيق كتاب الطبقات ".

ولعل أول ما ينبغي أن يستوقف القارئ ويسترعي انتباهه في كتاب الطبقات فيما يتعلق بالاسم الذي كان يطلقه الآخرون في الجوار العربي خصوصاً على سلطنة الفونج أو بلاد سودان وادي النيل بصفة عامة في تلك الحقبة ، أن اللفظ المستخدم بكثرة في هذا السياق كما لاحظ يوسف فضل هو " البَر " والنسبة إليه " برِّي " بفتح الباء في كليهما ، والتي شرحها المحقق بأنها تعني " بر السودان ". وقد لاحظنا أن الدكتور إدريس سالم لم يتوقف عند هذه النقطة.

ومن الشواهد على هذين اللفظين " بَر وبَرِّي " في معرض الإشارة إلى السودان والسودانيين ، ما جاء في ترجمة الشيخ " إبراهيم بن جابر " الذي لقبه به شيخه بقوله " إنت بولاد البَر ". (انظر صفحة 47 من الطبعة الثانية من الطبقات ، تحقيق يوسف فضل ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، 1974م ).

وكذلك قول الشيخ المصري " علي الأجهوري " لحمد ولد أبو عقرب ، تلميذ الشيخ إدريس ولد الأرباب ، في معرض إنكاره لموقف هذا الأخير الذي كان يقول بحرمة تدخين التبغ: " يا بَرِّي ... شيخك صحابي ؟ ! ".

وإلى جانب ذلك جاء في معرض ترجمة الشيخ حمد النحلان ولد الترابي بصفحة 154 من ذات الطبعة ، أن المطر الذي هطل بغزارة في مكة المكرمة ، وهددت سيوله البيت الحرام نفسه كرامة للشيخ حمد الذي اعتقل هناك بسبب ادعائه المهدية ، عُرف عامئذٍ ب " مطر البرِّي ".

ولكن ، إذا ثبت أنه كان لمصر برٌّ وللحجاز برٌّ ، فكان يُقال مثلاً: " برُّ مصر " و " برُّ الحجاز " ، فلماذا اقتصرت الصفة أو النسبة " بَرِّي " على سودانيي ذلك العهد وحدهم ؟. أيجوز أن تكون للصفة " بريِّ " التي كاد إطلاقها يكون حصرياً على السودانيين على الأقل حتى عصر المملكة السنارية ، عمق تاريخي أبعد من ذلك ؟ ، كأن تكون مثلاً مشتقة من " بَرَوه " أو " بَرَوي " التي هي إحدى صور هجاء ورسم اسم " مروي " تلك المملكة السودانية العريقة كما يفيدنا بذلك الآثاريون واللغويون المختصون ؟.

ومما لا شك فيه أن كاتب الطبقات كان في الغالب الأعم ، متسقاً في تناوله لموضوع الأنساب والقرابات هذا ، مع ما كان سائداً من تواضع النسابة الوطنيين في السودان من بيان وتصنيف المجموعات القبلية الكبيرة ، وتوضيح انتماء هذه القبيلة الفرعية أو تلك إلى هذه المجموعة أو تلك ، وذلك في توافق عام مع النهج الذي صنعها به الشيخ الغامض الهوية المعروف ب " السمرقندي " للسلطان عمارة دونقس منذ القرن السادس عشر الميلادي كما يقال ، وكما هو شائع ومشهور. وذلك يدل على أن الوعي الجمعي بثبوت تلك الانتماءات بتصنيفاتها وتفريعاتها التي توافر عليها لاحقاً نفر من الكتاب والباحثين الوطنيين منهم والأجانب على نحو أكثر تفصيلا ، يعود بالفعل إلى القرن الثامن عشر الميلادي على الأقل ، أي عصر ود ضيف الله نفسه ، إن لم يكن قبله.

ذلك بأننا نراه على سبيل المثال ، يطلق الصفة " جعلي " مثلاً التي تدل على النسبة إلى قبيلة الجعليين على أناس ينتمون إلى بعض القبائل التي أضحت الآن ومنذ بضعة قرون ربما ، كيانات متميزة وقائمة بذاتها ، مما يشي بوعيه وإدراكه وقناعته الذاتية باشتراك تلك الكيانات في وحدة الأصل العرقي البعيد بالانتماء المشترك للجد الغامض المسمى ب " إبراهيم جعل ".

وربما اعتبر بعض المعاصرين ذلك النهج الذي انتهجه ود ضيف الله نوعاً من التساهل أو الترخص المفرط من قبله. على أن هذا النهج الذي سلكه ود ضيف الله ، هو لعمري ذات النهج الذي نجده عند أجيال من النسابة الوطنيين التالين لعهد ود ضيف الله ، نزولاً إلى عهود المشائخ عبد الله الخبير ، وعثمان حمد الله ، والفحل الفكي الطاهر وأضرابهم.

فمن ذلك – على سبيل المثال – تعريفه بالشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب بأنه: " الشيخ محمد بن عيسى بن صالح الجعلي البديري المشهور بسوار الدهب " أ.هـ صفحة 348 ، فنراه قد قدم الصفة جعلي على بديري نفسها ، فكأن الأمر بالنسبة إليه واضح ومحسوم. فعنده أنّ البديري جعلي قولاً واحداً وضربة لازب. ومنه أيضاً تعريفه للشيخ بانقا الضرير جد اليعقوباب بأنه: " الشيخ بانقا الضرير الفضلي الجعلي الوثيق " صفحة 109 ، وكذلك تعريفه لجده هو نفسه الفقيه " ضيف الله بن علي بن عبد الغني بن ضيف الله الفضلي الجعلي ... الخ ( صفحة 246). ونلاحظ هنا أنّ المؤلف قد عدل عن الصيغة العامية " فاضلابي " الشائعة الآن ، إلى الصيغة الفصيحة " فضْليّ " ، ولعل مرد ذلك إلى ثقافة ود ضيف الله الفقهية ومعرفته للغة العربية وصيغ النسب فيها.

توضح التراجم التي توفر عليها ود ضيف الله في طبقاته كما لاحظ البروفيسور يوسف فضل ، أن المصنف قد ركز اهتمامه على دائرة النفوذ السياسي للعبدلاب بصفة خاصة ولم يتجاوزها إلا نادراً للترجمة لأعلام آخرين خارج تلك الدائرة. ومما يذكر في سيرة ود ضيف الله نفسه بهذه المناسبة ، أنه كان قاضيا ومفتياً لدى شيوخ العبدلاب ، فضلا عن أن مسقط رأسه ومسكنه قد كان بحاضرتهم " الحلفاية ". لذلك نراه على سبيل المثال لا يذكر من متصوفة كردفان ومشايخها إلا أسماء قليلة لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ، ينتمي اثنان منهم إلى قبيلة الجوامعة هما: ( مختار ود أب عناية و غانم أبو شمال ) ، وواحد إلى قبيلة بني محمد هو ( جودة الله ) ، واثنان إلى بني عمران هما: ( جودة والدومة )، ولا ذكر لنماذج من قبائل كردفان الأخرى سواء المستقرة منها أو المترحلة ، بينما لا ذكر لمشائخ من قبائل دار فور الأصلية البتة. على أنه ذكر من شيوخ كردفان عرضاً في معرض الترجمة لشيوخ آخرين ، كلاً من الشيخين: " سلامة الأحمر " و " كباشي تور بُقُل " من دون أن ينسبهما إلى قبيلتيهما. والأول من الشويحات والأخير من كنانة. ومن قبائل الصعيد والجزيرة ووسط السودان ، تذكر أسماء أعلام منسوبين لقبائلالمحس والعركيين والكواهلة والجموعية والبطاحيين والحلاويين أكثر من غيرهم. أما في الشمال فإن معظم من ترجم لهم ود ضيف الله ينتمون إلى قبائل الجعليين بمختلف بطونهم وبدناتهم ، والبديرية ، والشايقية ، والركابية ، والدناقلة ونماذج قليلة من الرباطابوالحضور ، ولا ذكر لأمثلة  للميرفاب والمناصير والحلفاويين والسكوت ومحس السافل إلا إشارات لبعض الصواردة. أما قبائل البجة فقد اقتصر تمثيلهم على الشيخ عبد الله الحلنقي فقط.

في معرض محاولته لتفسير بعض مصطلحات القرابة في الطبقات ، يبدو أن المصطلح " راجل " الذي يرد في عبارات مثل " شرف الدين راجل إنقاوي " قد أشكل على الدكتور إدريس نوعاً ما ، ونص عبارته في هذا الخصوص هو: " وكذلك عندما تكون العلاقة غير معروفة هل هي قرابة أو شئ آخر ، كما في ترجمة شرف الدين " راجل إنقاوي " الطبقات 226 " أ.هـ

والواقع هو أنّ مصطلح " راجل " هاهنا بالتحديد تعني: رب وسيد ومتملك وقيِّم ومتسلط سلطة روحية وليست زمنية ، منسوباً إلى موضع بعينه ، وهو مصطلح ما يزال مستخدماً في مثل هذا السياق الصوفي إلى يوم الناس هذا ، إذ لا يندر أن يسمع المرء قائلاً يقول مثلاً: الشيخ الطيب راجل أم مرِّحْ ، أو الشيخ المكاشفي راجل الشكينيبة ، وهلم جرا. وقريب من ذلك في المعنى العام: " دابي رندة " و " صقر البرزَّن " و " صقر الغبيشا " و " تور أم بكول " و " تور عفينة " الخ.. كناية عن القوة والسطوة الروحية ليس إلاّ.

ومن عجبٍ أنّ المعبود الوثني (آمون) ، كان يُعرف ب " ثور مروي " في بعض النقوش المروية القديمة.

ولدى عرضه وتحليله لعلاقات القرابة داخل أسرة الشيخ إدريس ود الأرباب ، يشير الدكتور إدريس إلى نجاح الشيخ إدريس في التوسط بين أبناء عجيب بسبب ما اشتهر في الروايات الشفاهية الشعبية من أنّ الشيخ إدريس ود الأرباب والشيخ عجيب بن عبد الله جماع هما أبناء خالات ، هما بنتا الشيخ " حمد أبو دُنّانة " ، الشريف المغربي وصهر عبد الله بن سليمان الجزولي مؤلف كتاب " دلائل الخيرات " ، كما هو شائع بين الناس في السودان. ومن المدهش حقاً ألاّ يورد ود ضيف الله أي ذكر لحمد أبو دنانة هذا ، وبناته السبع اللائي يُقال إنّ كل واحدة منهن قد أنجبت شيخاً صوفياً واصلاً علما ذائع الصيت داخل السودان ، على الرغم من أن هؤلاء الشيوخ أبناء الخالات المفترضين جميعاً ، من ضمن من ترجم لهم ود ضيف الله في طبقاته. ويغدو من المستبعد جداً ألاّ يكون قد سمع بهذه الرواية الفاشية جداً داخل السودان.

وتأسيساً على ذلك ، ربما تطلب استجلاء أمر الشيخ حمد المذكور وبناته السبع ، وشقيقهن الوحيد المسمى " الحسن البيتي " كما هو متداول ، بحثاً وتقصياً علمياً جاداً ، من أجل إدراج هذه الرواية في مجري الحقائق التاريخية ، ونفي شبهة الظن والوهم والأسطورة عنها.

يشير الدكتور إدريس في ورقته محقاً إلى التداخل المفضي إلى قريب من الحيرة والارتباك فيما يتصل بعلاقة الرازقية باليعقوباب ، خصوصاً لجهة التشابه الشديد بين أسماء الأعلام فيهما. والسبب في ذلك هو كما ذكر المؤلف ، تأثير النسب الروحي والتلمذة الصوفية. ذلك بأنّ الرازقية نسبة إلى جدهم الشيخ " عبد الرازق أبو قرون " وهو من " الرفاعيين " كما يقول ود ضيف الله ، قد تتلمذوا فقط على اليعقوباب ولا علاقة رحمية بينهم ، وإن كنا لا نستبعد وقوع بعض المصاهرات بينهما ، وهذا شئ طبيعي.

وهذه العلاقة الروحية ذات المظاهر والأبعاد الاجتماعية بين الرازقية واليعقوباب ، شبيهة في تقديرنا بالعلاقة المعاصرة الماثلة حالياً ، بين طائفة من الرازقية أنفسهم و " البادراب " في أم ضواً بان وأحوازها على سبيل المثال. على أن البادراب هم من المسلمية على ما هو مشهور عنهم. يدلك على ذلك الانتشار الملفت لأسماء أعلام الرازقية في هذه المنطقة مثل: عبد الرازق وصالح وبانقا الخ.

ولكن أسرة بانقا الضرير ليست مجهولة الأصول كما جاء في الورقة ، فقد نصّ ود ضيف الله على أنّ كبيرها ، وهو الشيخ بانقا الضرير كان جعلياً فضلياً ، أي " فاضلابياً " بالمصطلح السائر حاليا. وفي روايات اليعقوباب الشفاهية أنّ والد  بانقا الضرير هو الشيخ " موسى أبو دقن ". ولعل من ذلك انتشار اسم " موسى " بينهم، مثل حفيده الشيخ " موسى أبو قصة بن يعقوب ". أما نسبة هذه المجموعة إي: اليعقوباب إلى " يعقوب " بدلاً من " بانقا " ، فشبيه بنسبة ذرية غلام الله بن عايد إلى ابنه " ركاب " وليس إليه هو نفسه. فكأنّ العلّة في ذلك ، هي مجرد التماس التسهيل اللفظي ليس إلاّ ، أو بسبب الشهرة. إذ تغدو النسبة ركابية من ركاب ، ويعقوباب من يعقوب ، سائغة أكثر من قولهم غلاماب أو بانقاب على التوالي مثلا. أضف إلى ذلك أنّ العبدلاب ، وخصوصاً ملوكهم ، اشتهروا بأنهم " أولاد عجيب " أكثر من كونهم " أولاد عبد الله " الذي هو والده ،فتأمّلْ !.

ومهما يكن من أمر في الختام ، فإنه ما يزال هنالك الكثير الذي يمكن أن يُقال حول موضوع الأنساب والقرابات في كتاب الطبقات لمحمد النور بن ضيف الله ، وبحسب الدكتور سالم الحسن أنه قد ابتدر البحث في هذا المجال عبر هذه الورقة الرصينة حقا ، مما يفتح المجال للمزيد من الآراء و الأبحاث في هذا المضمار.