عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ظلت ظاهرة الهجرة غير الشرعية من بلدان النصف الجنوبي  للكرة الأرضية ، الفقيرة والمبوءة بشتى صنوف الكوارث الطبيعية ، والنزاعات السياسية ،والحروب ، والاضطرابات الأمنية ، إلى بلدان النصف الشمالي المستقرة سياسياً ، والمزدهرة اقتصادياً ، وخصوصاً من حيث توفر فرص العمل ذي العائد المجزي ، والمرفهة اجتماعيا ، لجهة توفر سائر المقومات المادية للرعاية والضمان الاجتماعي ، والخدمات الأساسية لجميع الأفراد القاطنين فيها ، ظلت تشكل هاجساً كبيراً بالنسبة لطوائف عديدة من الساسة والدبلوماسيين والأكاديميين والإعلاميين والباحثين في شتى أنحاء العالم ، عبر العقدين المنصرمين.

وقد طفق أولئك المهتمون بهذا الشأن يدرسون هذه الظاهرة بدقة ، ويحاولون تفسير الأسباب الكامنة من ورائها من مختلف الزوايا ووجهات النظر ، ويقترحون لها الحلول والمعالجات ما وسعهم ذلك.

ولم يقصِّر حتى الكتاب الساخرون ورسامو الكاريكاتور عن الإدلاء بدلوهم في هذا الموضوع ، إذ صوَّر بعضهم هذه الظاهرة على أنها تأتي من قبيل المعاملة بالمثل ، أو رد الزيارة بواسطة أولئك البائسين والمحرومين من سكان بلدان العالم الثالث ، إلى بلدان أوروبا التي سبق أن حشدت من قبل الجيوش بمئات الآلاف ، وأرسلتها على متون سفنها وبوارجها مدججة بأفتك أنواع الأسلحة إلى تلك البلدان ، وخصوصاً في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط ، فاستعمرتها عنوةً ، وانتبهت مواردها وخيراتها ، ابتداءً من القرن التاسع عشر ، وربما قبله ، كما هو الحال بالنسبة للاستعمار الإنجليزي للهند ، وللمستعمرات البرتغالية في إفريقيا على سبيل المثال.

فليس أقل من وجهة النظر الأخلاقية– بحسب هؤلاء – من أن تُحسن أوروبا والغرب عموماً استقبال أولئك الذين هاجروا ولجأوا إليها سلماً ، تكفيراً عما اقترفه جنودها الذين كانوا قد غزوا تلك البلدان عنفاً وحربا ، واستعمروها لعقود متطاولة من قبل. أو كما تدين تدان.

على أننا ما نزال نعجب – كما يعجب الكثيرون غيرنا – لسلوك آلاف الشباب من البلدان العالم الثالث ، الذين ما فتئوا يخوضون المخاطر الجمَّة ، غير آبهين –فيما يبدو – لما قد يتعرضون له من مهالك حقيقية ، في سبيل الوصول إلى الفردوس الأوروبي الموعود ، بل إنّ جل هؤلاء ، هم على علم بكل تأكيد بما يحدث ، أو حدث بالفعل ، ورأوه رأي العين من خلال شاشات التفزيون عبر نشراتها وتقاريرها الإخبارية المختلقة ،بالنسبة للمئات من الناس قبلهم ممن سلكوا ذات السبيل المخوف ، فكان مصيرهم أما الموت عطشاً في فلوات الصحراء الإفريقية الكبرى الرهيبة ، أو غرقاً في أمواج البحر الأنبيض المتوسط العاتية ، أو دهساً تحت إطارات الشاحنات العابرة لطرق المرور السريع الموصلة بين العواصم الأوروبية ، فكان حظهم هو شر الحالين من قول الشاعر العاشق في الأغنية الشعبية السودانية الشهيرة: " القمر بوبا ":

روحي في دربك سايما

يا غرِقْ يا جيت حازِما

وبالطبع فإنَّ الهدف الذي يجازف من أجله الشاب هاهنا بحياته ، هو الظفر بالوصول إلى أوروبا والعيش والعمل فيها ، والتمتع بمهاجها وخيراتها.

ونعتقد أنّ حالة العوز واليأس والقنوط وانسداد الأفق ، التي تدفع آلاف الشباب من بلدان العالم الثالث نحو الهجرة إلى أوروبا بأي كيفية وبأي ثمن كان ، شبيهة – إلى حد كبير – بسلوك بعض قطعان الحيوانات البرية في بعض براري إفريقيا ، وذلك عندما تضطر إلى هجر مواطنها بالآلاف ومعها صغارها ، هرباً من الجفاف ونقص أو انعدام الماء والكلأ ، وإن اضطرها ذلك مثلاً ، إلى عبور بعض الأنهار سريعة الجريان ، والتي تغص مياهها وشواطئها عادةً بمختلف أنواع الضواري المفترسة ، كالتماسيح والأسود وغيرها ، حيث تهلك أعداد مقدرة من تلك القطعان بسبب تلك المهددات ، وكذلك بسبب الإرهاق من جراء طول الرحلة ، وخصوصاً على الصغار وكبار السن من تلك الحيوانات. ولكن السواد الأعظم من القطيع يضحي بتلك " الخسائر " كما يقال في لغة الجيش ، وذلك في سبيل الوصول إلى بقعة وفيرة المياه والكلأ ، تحفظ حياة الجم الغفير منه.

إنّ هذا السلوك الحيواني الجماعي ، الذي يجسد الرغبة الغريزية في البقاء وحفظ النوع من الانقراض ، معلوم وموثَّق ، ولا يندر أن يشاهد المرء نماذج منه من خلال بعض البرامج التلفزيونية الوثائقية ، وذلك على غرار مثل تلك التي تعرضها أحياناً ، قناة " ناشيونال جيوغرافيك " الفضائية وغيرها على سبيل المثال. فهل وصل حال بعض الناس في العالم إلى هذه المرحلة ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.