عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في معرض التكالب من أجل تحديد موقع " مروي " المذكور في الجغرافيا الرياضية لإراتوسطين Eratosthenes ، فوجئوا بأنها هي المصورات !. ذلك من القول ، ينطبق على الرحالة الأوروبيون الذين خاضوا مغامرة استكشاف السودان ( إثيوبيا المصادر القديمة). لقد كان أولئك الرحالة في بحثهم مروي ، ونيل شرف اكتشافها ، معتمدين كلياً على الآداب الأوروبية الكلاسيكية ، تلك التي تظهر فيها مملكة مروي المجيدة ذات الصيت والشهرة ، بسبب علومها وعظمتها ، موصوفة بعناية.

وقد خلص جيمس بروس بعد أن ألقى نظرة فاحصة على تلك الأدبيات القديمة واستعرضها بدقة ، خلص إلى المقولة التالية:

" بالنظر إلى كل الشواهد والمعطيات ، نخلص إلى أنه قلّما تم وصف مكان في الجغرافيا القديمة ، بتحديد موقعه على نحو أكثر دقة ، مثل جزيرة نهر عطبرة أو مروي " ( Bruce 1813: V, 458 ) .

ويذكر كراوفوت محقاً في ذات السياق ما يلي:

" كان جيمس بروس ، مكتشف المنابع الحبشية للنيل ، هو أول الرحالة المعاصرين الذين تعرّفوا على الحدود الحقيقية لجزيرة مروي ، وموقعها محصوراً بين نهر أتبرة ونهر النيل والنيل الأزرق وروافده " ( Crowfoot 1911:3 ) .

على أن كراوفوت يتهم جيمس بروس ظلماً في هذا الموضع من كتابه بأنه:

" ذلك الرحالة من نمط السيد الغطريف ( الجنتلمان ) ، والدبلوماسي الهاوي ، الذي يهتم بالسكان المحليين ، وبكتابة القصص عن الأشياء المسلية والغريبة. وعلى الرغم من أنه قد جازف بالتخمين بأن يكون ذلك الموقع هو مروي حقيقةً ، إلا أنه قد أفرد بضع صفحات في موضع آخر لكي يدلل على أنّ مروي تقع إلى الجنوب أكثر. ( Ibid:3 ).

لقد كان جيمس بروس ينهج في استكشافاته تلك ، نهج الجغرافي ، وعالم الطبيعة ، وعالم الإناسة (الانثربولوجيا) ، وقلما التفت إلى دور جامع العاديات وعالم الآثار ، ولم يكن لديه القصد ولا الزمن الكافي لكي يستعرض ويدون مشاهداته حول جميع الآثار التي مرّ بها ، حتى ولو كانت ملقاة على العراء في طريقه ، اللهم إلا إذا كانت ذات صلة بشؤون أخرى في سياق ترقية أبحاثه الجغرافية ، على غرار تلك الخاصة بمنطقة " ود بانقا " التي سجل عنها ملاحظة في الواقع.

وإذا كان بروس هو أول من أشار إلى تعيين الموقع الحقيقي لمدينة مروي ، فلقد كان أول من شكَّ فيه كذلك. إنَّ هذا التأرجح فيما بين الاعتقاد وعدم الاعتقاد ، نابع من مقولات طائفة من الأعلام الأثبات الذين كان يقتدي بهم ، وبالتحديد كل من استرابو ، وديودورَس ، وبليني ، وبطليموس. لقد خصص بروس سبع صفحات من كتابه الكبير لاستعراض ومناقشة أقوالهم فيما يختص بجزيرة مروي ومدينة مروي كلتيهما ، شافعاً ذلك بملاحظاته الميدانية هو نفسه. وبعد قراءته قراءة متأنية ، فإننا نخرج بالآتي: لكي يتم التعرف على أي موقع على أنه مروي ، كما يصفها ويحدد معالمها أولئك المؤلفون ، فإنه ينبغي عليه أن يستوفي ثلاثة شروط هي: أن تكون المسافة صعوداً على النيل بين ملتقاه مع نهر عطبرة وبين ذلك الموقع سبعين ميلاً ، وأن يقع على خط عرض 16 درجة و26 دقيقة شمالاً ، وأن يكون حجم ذلك الموقع وتنوع آثاره يدل على أطلال مدينة.

وكان بروس على طول طريقه من " قَرِّي " نزولاً إلى " البجراوية " ، يرصد النجوم لتحديد المواقع الأثرية. وقد أورد ما يلي وهو يلاحظ اتساع وحجم الخرائب في البجراوية ( أو كُرْقُسْ  كما أثبتها ):

" يصعب على المرء تفادي المجازفة بالتخمين بأنّ تكون هذه هي مدينة مروي العتيقة التي ينبغي أن تكون على خط عرض 16 درجة و26 دقيقة ". ( Bruce 1813: VI.453 ).

في هذه العبارة المذكورة أعلاه ، يُخبر بروس قارئه بأنّ ملاحظاته الميدانية المتعلقة بالموجودات الأثرية هو نفسه ، قد أوشكت أن تقنعه بما لايدع مجالاً للشك ، بأنّ تلك الآثار تقع في نفس خط العرض الذي أعطاه بطليموس لمدينة مروي.

وبحسب الكتاب الأقدمين ، فإنّ المسافة بين مروي وملتقى نهر عطبرة مع النيل ، يجب أن تكون سبعين ميلا. ولكن المسح الميداني لبروس يوضح أنَّ موقع البجراوية يقع على بعد ستين ميلاً فقط من الملتقى.(1)

إنّ خطا العشرة أميال قد لا يكون ذا أهمية أو أثر كبير ، لو لا أنه قد صحبه خطأ في خط العرض. وهنا يكتب بروس:

" لا أدّعي القول بأن أي برهان إيجابي يجب أن يؤسس على الملاحظات الفلكية للقدماء ، اللهم إلاّ إذا كانت هنالك معطيات أخرى تسير يداً بيد إلى جانبها وتعضدها. ولكننا سنغدو بكل تأكيد في متاهة كبيرة على الرغم من اجتهاد الرحالة المعاصرين ، إذا ما قُدِّر لنا أن نهمل الملاحظات الفلكية للأقدمين ، وأن نلقيها وراءنا ". ( Ibid: VI, 454 ).

وهكذا يترك بروس الباب مفتوحاً لأي بحث وتقصٍّ مستقبلي من أجل حسم " مبحث مروي " بهذه الكلمات التالية:

" لقد قمنا وفقاً لعدة معطيات يعضد بعضها بعضا ، بتحديد موقع مروي في " قرِّي " ، أو بين تلك المدينة وود بانقا ، أي على خط العرض 16 درجة و10 دقائق شمالا ، بينما يحدد بطليموس موضعها في خط العرض 16 درجة و26 دقيقة من خلال ملاحظة له على الانقلاب الشمسي ، بحيث أنّ الخطأ ، إن كان هنالك ثمة خطأ ، يبدو هنا بلا عواقب. ذلك بأن اتساع المدينة ربما كان ممتداً نحو اتجاه الشمال. (Ibid).

فهل يكون من الممكن العثور على أية آثار تقع بالضبط في خط العرض الذي حدده بطليموس ، قمينة بان تكون هي مروي بالنظر إلى هيئتها وكبر حجمها ؟. أعتقد أن لينان دي بلفون ، وفريدريك كايو ( الإضافة دي بلفون وفريدريك من عندي – المترجم ) قد طرحا هذا السؤال في نفسيهما عندما استأنفا البحث الميداني بغرض حسم مبحث مروي بعد بروس بخمسين عاما.

في يومي 24 و25 فبراير 1822م ، قام لينان بزيارته للمصورات ، يرافقه جيوفاني فيناتي Giovanni Finati كمترجم ومساعد. ويخبرنا فيناتي بأن المستر بانكس Bankes كان قد أرسل لينان وتكفّل بتغطية نفقات أسفاره " خصيصاً بهدف تحديد موقع مروي ، وفحص أطلالها ". ( Finati & Bankes 1830:355 ) .

ويمضي فيناتي ليقول ما يلي:

[ … ] شندي ] هي [ عاصمة أقوى الأمراء المحليين ، وأكثرهم شهرة في هذه الأنحاء. اسمه الملك نمر [ … ] أثناء إقامتنا في بلاطه ، حاول المسيو لينان الحصول منه على المعلومات التي كان بوسعه الإدلاء بها بخصوص الآثار التي قد توجد في تلك الديار [ … ] وما كدنا نستوثق من أنّ ثمة آثار عظيمة توجد على بعد مسافة ست ساعات فقط ، حتى ألححنا عليه لكي يرسلنا إليها ، ووجدناها بالفعل أثاراً لمعبد كبير وملفت للنظر يحمل اسم المصورات. ( Finati & Bankes 1830:384 - 89 ).

وقد أُدخلت هنا الحاشية التالية:

" هذه الخرائب فيما يبدو ، هي بلا شك آثار مروي " ( Ibid: 388 ) (2)

متلهفاً على تأكيد دور المستر بانكس الذي جهّز تلك البعثة الاستكشافية ، وتسبب بالتالي في ذلك الاكتشاف ، أضاف فيناتي إلى الحاشية المذكورة أعلاه: " لم يزر المسيو كايو الخرائب إلاّ لاحقاً بعد المسيو لينان [ … ] ". ويعترف كايو بذلك مُقرِّاً في يوميته:

" قابلت هنا ] في شندي [ السيد لينان الذي غادر سنار مؤخراً. لقد قام للتو بزيارة الآثار الواقعة إلى الجنوب من شندي ، والتي أعطاني عنها بعض المعلومات. " ( Cailliaud 1826 – 1827: III, 103 ).

وإلى جانب ذلك ، يبدو واضحاً من يومية كايو أنه قد وصل إلى المصورات بعد شهر من زيارة لينان إليها.

ويوضح كايو الآتي:

" إنّ خط عرض المصورات ، الذي وجدته محاذياً للخط 16 درجة و25 دقيقة ، مطابق تماماً للخط 16 درجة و26 دقيقة الذي عينه بطليموس لمروي وفقاً لملاحظة له على الانقلاب الشمسي " (Ibid:169) .

وبالإضافة إلى ذلك ، فإن الموقع الذي يحمل الآن اسم المصورات ، كان – من دون شك –مقر الإقامة الرئيسي لطائفة من الرجال الذين كانت بأيديهم مقاليد السلطة على حد قول هيرودوتس: إذ ليس من المحتمل بناءً على ذلك ، أن تكون هي النقطة التي جعلها بطليموس حقيقةً كموقع لمروي ، متحققاً من تلك الأطلال بوصفها عاصمة الجزيرة ( جزيرة مروي – المترجم ).

وقد نقش كل من لينان وكايو النص الآتي على جدار الواجهة الغربية من المبنى الأوسط:

" في العام 1822 من ميلاد يسوع زار لوي فينان Louis Vinant هذه الآثار المشهورة .. لقد وصل إليها مفوضاً من قبل إنجلترا ، وتوغل داخل البلاد إلى أن وصل إلى مملكة سنار بفضل فتوحات إسماعيل باشا قائد جيوش والده محمد علي والي مصر.

في شهر مارس من العام 1822 لميلاد يسوع ، زار فريدريك كايو هذه الآثار المشهورة التي جاء إليها مفوضاً من قبل فرنسا ، ومشمولاً برعاية الأمير إسماعيل باشا ، لكي يتوغل إلى ما وراء فازوغلي بإزاء خط العرض 10 درجات شمال ، لزيارة بعض الشعوب الوثنية .. "

أما لبسيوس (1853:152) ، فيقرن ذات الصفة بمروي قائلاً: " هذه البقعة الأكثر شهرة في إثيوبيا الأقدمين.

وعلى نفس الواجهة التي ترك فيها كل من لينان وكايو تذكارين عن زيارتيهما ، عثرتُ على نقش مرتب وواضح باللغة المروية ، فككتُ شفرته ونشرته ( Mirghani 2005:541 ) . وفيه تظهر بصورة واضحة ، كلمة إغريقية مكتوبة بالحروف المروية بما يمكن قراءتها " كاتيترا Katitra " بمعنى: مدرسة ، تليها كلمة " مروي ". ولا علم لي بوجود نصوص مروية أخرى تظهر فيها كلمة " مروي " هذه.

إن لكاتب هذه السطور رأياً خلاصته هي: إنّ كلاً من أيراتوسطين وبطليموس قد استقيابعض المعلومات والملاحظات المتعلقة بمروي من فلكي المرويين الذي أعطاها لهما بالنسبة لموقع إقامته وأرصاده التي ما تزال تحمل اسمه " مصورات " إلى يوم الناس هذا. وهكذا جاء تعليق بروس:

[ … ] مدينة مروي العتيقة ، التي تقع على خط العرض 16 درجة و 26 دقيقة شمالا ، وأُدرك أيضاً  أنه كان يوجد في هذه الجزيرة مرصد ذلك المهد المرموق لعلم الفلك (Bruce 1813: vol. V:453).

( يميل الدكتور جعفر مرغني إلى ترجيح أن يكون مدلول كلمة مصورات اسماً أو صفة لشخص بعينه ، أو سلسلة من الأشخاص المتعاقبين الذين كان الواحد منهم يقيم في هذا الموقع الذي اشتهر بهذا الاسم ، ويتولى جملة من المهام التعليمية والدينية والفلكية. وقد قارب بين كلمة مصورات السودانية ومصوراج الحبشية بالجيم التي تحمل ذات المدلول.. وتأمّلْ عبارة المك نمر لفردريك كايو عندما وصف له ذلك الأثر بأنه " كنيسة الفكي مصورات ! " " فإنه مشعر بذلك أيضا – المترجم ).

 
• مقال للمؤلف بالإنجليزية بعنوان: Musawwarat Identified With Meroe نُشر بالمجلة الفصلية الإيطالية للدراسات النوبية الصادرة بروما في العام 2014م.

Atti della Quarata Giomatta di Studi Nubiani, Roma, 2014, p 203 - 208

حواشي المؤلف:
• (1) بحسب أطوال المسافات بالميل الخاصة بسكك حديد السودان ، فإنّ محطة البجراوية تبعد عن محطة عطبرة بستين ميلاً. أما السير والس بدج الذي قام بهذه الرحلة في عام 1899 من عطبرة إلى البجراوية على متن الباخرة التاريخية ( البوردين ) ، فإنه يعطي ذات المسافة 44 ميلاً وفقاً لخريطة الجيش. (Budge 1907 – passim).
• (2) هذه العبارة منقولة حرفياً من يومية لينان (Linant & Shinnie 1958: 120)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.