عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أهداني مشكوراً أخي وصديقي وزميلي " السينيَر جداً " في الدراسة الجامعية ، البروفيسور " إبراهيم القرشي " ، أستاذ اللغة والأدب العربي بالجامعات السودانية والسعودية ، ووزير الثقافةالأسبق بولاية الجزيرة ، نسخة بتوقيعه من الطبعة الثانية من سفره الماتع المفيد الموسوم ب " عفو الخاطر: حروف من زمان الاغتراب " ، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي عالجت مواضيع شتى في الأدب ، واللغة ، والأدب الشعبي ، والسودانيات ، والنقد الأدبي والاجتماعي ، وخلاف ذلك. وكان البروفيسور القرشي قد نشر تلك المقالات منجّمة من قبل بصحيفة " الخرطوم " السودانية ، إبّان فترة اغترابه بالمملكة العربية السعودية ، خلال العقد الأول من هذا القرن.

وقد جاء هذا الكتاب – كالعهد بمؤلفات البروفيسور إبراهيم القرشي دائماً – غايةً في الإمتاع والفائدة والطلاوة وخفة الروح ، حتى ليصح أن نصفه بما سبق أن وصف به الدكتور غازي صلاح الدين رواية " منسي " للطيب صالح بانها من النوع ال unputdownable ، أي انك متى ما شرعت في قراءتها ، فإنك لن تستطيع وضعها من يدك حتى تأتي عليها جميعها ، من فرط سحرها وجاذبيتها الأخّاذة.

فمن بين المقالات التي استوقفتني بصفة خاصة في كتاب إبراهيم القرشي – وهي كثيرة بكل تأكيد –مقاله بعنوان: " هلاَّ هلاَّ على الحِرْدن لو " ، الذي خصصه لاستعراض ومناقشة الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الكبير الراحل السفير سيد أحمد الحاردلو رحمه الله ، المنشور في الصفحات ما بين 32 و36 من هذه الطبعة. فقد جاء هذا المقال مفعماً بفوائد لغوية جمّة ، وددتُ أن أُشرك القراء الكرام في تأمُّلها ، كما أود أن أُدلي بدلوي هاهنا في بعض جوانبها ، تذوُّقاً ، ومناقشةً ، ومراجعةً ، واستداركاً. قال البروفيسور القرشي:

" ... أما قولنا ( هلاّ هلاّ على الجد .. ) ، فالأصل فيها كما أرى هو ( الله الله على الجد ). وهو أسلوب إغراء وحث وحض معروف. أُبدلتْ ( ألف  لام ) لفظ الجلالة إلى ( هاء ) ، فأصبحت ( هلاّ  هلاّ ) ، بتفخيم اللامات وتشديدها... والعرب تبدل الهمزة وأل لام التعريف هاءً كما في قولهم: ( أراق الماء وهراق الماء ) ، و( السلام وهسَّلام ): أنشد الزمخشري:

عرضنا فقلنا هسَّلام عليكم    فأنكرها ضيْقُ المجَمِّ غيورُ

وهذا أسلوب معروف في عاميتنا ( ما يزال الكلام لإبراهيم القرشي ) في كلمات مثل: ( جيت هسَّع ) والمراد ( جئت الساعة ) ، أي الآن. فإن رققنا اللامات من ( هلاّ  هلاّ ) ، دلّتْ على الحسرة والعجب كقولنا ( هلاّ هلاّ يا فلان .. بقيت تالِتنْ ! ) ( أصبحت ثالثهنَّ ؟ ) .. قالها لي ضاحكاً بروفيسور عون الشريف... حين نلت جائزة الدولة في الأدب بالمشاركة مع الأستاذة بثينة خضر ... وهذا الإبدال معروف في العربية وأخواتها من اللغات السامية. ففي العبرية ... تقابل ( الهاء ) أل لام التعريف في العربية تماما ، فيقولون ( ها أرث ) يعني ( الأرض ) .... " الخ . انتهى الاقتباس من المقال في هذه الجزئية.

قُلتُ: أراني ميّالاً إلى ترجيح ما ذهب إليه البروفيسور إبراهيم من أن الهاء في عبارة " هلاّ هلاّ على الجد " ذات اللامات المفخّمة ، والتي تجئ – كما قال محقاً – في معرض الحث والإغراء ، متحوِّلة عن ألف لام لفظ لفظ الجلالة " الله ".

ولكن استخدام هذه العبارة بذات التنغيم الصوتي ، وبذات الدلالة ، ليس قاصراً على العامية السودانية ، بل كأنه بالعامية المصرية ألصق ، وإليها أقرب. ذلك بأنّ إخواننا المصريين ربما زادوا المعنى تأكيداً بتكرار العبارة مقلوبة الألفاظ هكذا: " هلاَّ  هلاَّ على الجد ... والجد هلاَّ  هلاَّ عليه !! ".

أما إبدال ألف ولام التعريف هاء الذي أورد عليه البروف شواهد من اللغة العربية الفصحى ، وأوضح أنه من خصائص اللغة العبرية بصفة خاصة ، فإنّ له كذلك ، شواهد أخرى من كلامنا العامي كما نعتقد. فمن ذلك مثلاً قول السودانيين في عاميتهم: " هِضْلِيم " بكسر الهاء على وزن " إكْلِيل " يعنون بذلك: " ذكر النعام " الذي يُسمى في العربية الفصحى " الظليم ". وقد يطلقون " هضليم " من قبيل المجاز على شعر المرأة الحسناء ، بجامع السواد والنعومة والغزارة في كليهما. ومنه قول الشاعر " محمد بشير عتيق ":

أيه الحياة غير لِيمك

ومن بعدك أصبح

حظي زي لون هضليمك

يا نعيم الدنيا.. !!

وعندي أنّ الجذر " أ.. و..ب " الذي منه الفعل " آبَ يؤوبُ " .. بمعنى: رجع  يرجع ، وعاد يعودُ كما في الفصيح ، قد تلحقه هذه الظاهرة في بعض الألفاظ العامية السودانية مثل قولنا: " قلب الهُوبة " ، إذ الأصل فيها أنّ من يقلب الهوبة ، يقفز مستديراً بجسمه كله في الهواء ، ثم يعود أي يؤوب أو " يهوب " إلى وضعه الطبيعي مرة أخرى.. وقريب من ذلك في تقديرنا قول المصريين في عاميتهم: " يهوِّبْ " بمعنى: يحوِّم أو يقترب: " ما حدِّش يقدر يهوِّب ناحيتي !! " . فكأنها " يؤوِّبْ " ذاتها قُلبتْ همزتها هاءَ.

هذا ، ويؤوِّبْ فعل عربي فصيح معناه: يُرجِّعْ ويُردِّدْ. ومنه قوله تعالى في حق سيدنا داؤود عليه السلام: " يا جبالُ اوِّبي معهُ " الآية.. أي: ردّدي معه الذكر والتسبيح.

على أنَّ شدَّ ما استوقفني في مقال البروقيسور إبراهيم القرشي الذي عليه مدار حديثنا هذا ، هو مناقشته لمادة " شالَ .. يشيل " ، التي لاحظ الكاتب أنها قد وردت بكثرة في ديوان سيد أحمد الحاردلو ، على الرغم من أنها من العامي أو المولَّد كما قال ، بينما أنّ " شال " في العربية الفصحى تعني ( رفعَ ) ، نحو: شالت العقربُ بذنبها أي: رفعته. وذاك لعمري هو الاستخدام المشهور والشائع بالفعل في الفصيح ، على نحو ما هو مثبت في كتب اللغة ومعاجمها ، وبحسب ما أشار إلى ذلك المؤلف نفسه.

ولكنَّ الحق هو أنَّ مادة " شال يشيل " بمعنى: " حملَ يحملُ " خاصةً ، هي من الذيوع والانتشار بمكان واضح في سائر العاميات العربية المعاصرة ، مما قد يحمل البعض على ترجيح أن تكون من ذلك الضرب من الكلم الفصيح الذي ربما يكون قد ندَّ عن جامعي اللغة ومصنفي المعاجم أنفسهم.

هذا ، ومن غريب اللهجة التونسية – بهذه المناسبة – أنها تستخدم الفعل " هَزَّ يهزُّ " في مكان " شال يشيل " الشائعة في معظم اللهجات العربية المعاصرة. فإذا قال لك التونسي: " تنجِّمْ تهزَّها ! " ، فإنه يريد أن يقول لك: " ممكن تشيلها .. أو تشيلا " أي: تستطيع أن تحملها.

على أنّ الحاردلو ليس ببدع بين الشعراء العرب المعاصرين في استخدام الفعل " شال " في أشعارهم. فعلى سبيل المثال ، ورد هذا اللفظ عينه في شطر من قصيدة لنزار قباني يرثي بها ابناً له تُوفِّي ، هو قوله:

أشيلك مئذنةً يا ولدي .. الخ

ثم يتوسع الكاتب في بيان استخدامات مادة (شال يشيل ) في العامية السودانية ، وهذا هو بيت القصيد فيما نحن بصدده ، وقد أورد في ذلك ما يلي:

" ..... هذه المادة في العامية السودانية لها نحو خمسة عشر معنى سوى (الرفع). واستخدم شاعرنا (يعني الحاردلو) ثلاثة معاني كقوله: سأشيل عذابي في صدري ، وقوله: في السفح شال الفستق ، أو قوله: وشالني سحابة وأمطرا. وهلمّ جرا. أما في عاميتنا فنحن نقول: (السحاب شال) إذا اجتمعت السحب وتراكمت ، و(الحنّة شالت) إذا اسودّتْ ، و(شايل يمين) إذا كان ملتزماً بحلف أو قسم ، و(شيل الصلاة) في المديح هو تكرار المطلع و (العَصَاة) ، وكذلك الشيّالين في الأغاني. و(شال) بمعنى أخذ ومنه قوله: (دار أبوك كان خربتْ شيل ليك منها شليَّة). و(شيل معاي) بمعنى (احملْ) و (شال راسو) بمعنى: قطعه. وشالوه في الصالح العام أي: (فصلوه). وفلان جمل الشيل وعدّال الميل وشيّال التقيلة أم حيل ، و(يشيل ويختْ) مع فلان: يحاوره ويفاكره و(شال حالو) معناه: فضحه ,(شيلني وأشيلك) في تبادل المنافع. و(شيل المحصول): قبض ثمنه قبل حصاده ، و(البرق شال) ، ومنه قولهم: (طريت برق الفويطر الشال) ، و(البهيمة الشايل) إذا حملت وخفَّ لبنها.... ويبقى معنيان طريفان لم يذكرهما قاموس الدكتور عون أحدهما: شايل بمعنى: (ذاهب): شايل السوق ، أي: ذاهب إليه ، والمعنى الآخر: (الشجرة شالت الجنى) إذا أثمرت. بل بقي معنى ثالث لم يذكره القاموس ( يعني قاموس عون الشريف) وهو: (شال الجرح) بمعنى: فسد.. " أ.هـ.

فتأمّل هذا التوسع المذهل الذي اتسمت به لهجتنا الدارجة في استخدام مادة " شال يشيل " هذه ، والذي أوقفنا عليه هذا العالم البحّاثة الراسخ القدمين في كلا التراثين اللغويين العربي الفصيح منهما والسوداني العامي.

ولكنّ ود القرشي لم يذكر " الشال " ، هذا الكساء الذي يضعه الرجل السوداني حول عنقه او على عاتقه ، مصاحباً للعمامة  تكملةً للزينة ، وكأنه المعادل الموضوعي لربطة العنق أو (الكرافتة) بالنسبة للبذلة الإفرنجية الكاملة. مع أنّ كلمة (شال) عادة ما ترد في بعض المقاطع الشعرية السودانية الدارجة ، مقرونة ببعض الألفاظ التي تجانسها من مادة شال يشيل المذكورة. ومن ذلك قول إبراهيم العبادي في قصيدة " عازة الفراق بي طال " التي استشهد المؤلف منها بقول الشاعر: " طريت برق الفويطر الشال " فيما مضى.

والشاهد هو قوله:

لبِسْ من نارو عِمّه وشال

ومنه كذلك قول الشيخ عبد الرحيم البرعي:

أصبحت كالنشّال

من غير عمامة وشالْ .. الخ

وهناك استخدامات أخرى لمادة: شال يشيل لم يتطرق إليها المؤلف ، ربما لأنها حديثة الاستعمال نوعاً ما ، هذا مع تسليمنا بأنه رجل مواكب " وناقش وليس داقس ". فمن ذلك قولهم في معرض مصطلحات البحث الجنائي: " شالوا البصمات " بمعنى: " أخذوها ورفعوها ". وكذلك قولهم  " شال " بمعنى: أخذ في مثل قولهم: " شالوا منو عينة للفحص ". وفي لغة الجيل الحالي من طلبة وطالبات الجامعات يقولون: " شال مادة " معناها " يتعين عليه الجلوس لامتحان ملحق فيها ".. لغةٌ فيها. ومن يكون هذا هو حاله ، فإنه يهتم بتلك المادة ومراجعة دروسه فيها ، حتى يتمكن من اجتياز امتحان الملحق. وقد اشتقوا من ذلك على المجاز قولهم: " انا الموضوع ده ما شايلو " يعني: لا أهتم به ، ولا يعنيني في شيء.

أما الفعل " شال " الذي قد يأتي بمعنى: خبّأ وأخفى الشيء النفيس خوفاً عليه وضنّاً به ، وحرصاً عليه من فرط المحبة ، وهو ما لم يُشر إليه البروف إبراهيم ، فقد لاحظنا أن هذا اللفظ بهذه الدلالة ، يستخدم استخداماً حقيقياً ومجازياً أيضاً في العامية المصرية كمثل قولهم: " أنا شلت لك الشنطة في الدولاب " أي: خبّأتها لك إلى حين تطلبها مني " ، ويقولون في المعنى المجازي: " شيل العروسة في نِنِّي عينيك " أي: احفظها في أغلى ما تملك. ولا يعرف السودانيون (شال) التي التي بمعنى " حفظ وخبّأ " هذه ، وإنما يقولون في معناها " دسّ وكذلك ضمَّ ".

ولكن السودانيين كأنهم ألموا بأخرة بهذا المعنى المجازي ل " شال " بمعنى " حملَ وكنَّ وخبأّ في حرز حريز من فرط المحبة والحرص على سلامة المحبوب أيّاً كان. وهذا المعنى غالباً ما يأتي في منظومهم دون منثورهم ، ومنه قول عبد الكريم الكابلي:

والناس المشاعر

من رسّام لشاعر

شالوك في العيون

ومنه أيضاً قول زكي عبد الكريم:

حلاة بلديْ

حلاة نيلا

حلاتا بشيلا في قلبي

واشيل طمبوري اغنيلا

حلاة بلدي

وكل عام وأنتم وبلادنا الحبيبة بألف خير بمناسبة هذه الأعياد السعيدة التي تُظلّنا.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.