عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بسم الله الرحمن الرحيم

أود ان أتناول من خلال هذه الكلمة ، بعض أوجه الشبه بين أستاذنا الراحل الشاعر محمد الواثق يوسف مصطفى ، وبين الشاعر الكبير الشيخ محمد سعيد العباسي ، وذلك من حيث الفن و الشاعرية ، فضلاً عن الخلفيات والخصائص الاجتماعية والنفسية لكليهما.

ولعل واحداً من أبرز أوجه الشبه والالتقاء بين هذين العلمين البارزين في دنيا الأدب والشعر في السودان ، أنهما يشتركان معاً في الانتماء إلى منطقة جغرافية واحدة ، وإلى أرومة اجتماعية واحدة أيضاً ، هي منطقة ما يسمى بالريف الشمالي لمدينة الخرطوم الكبرى ، ثم قبيلة الجموعية وخصوصاً فرعيها: السروراب والجميعاب التي ينتمي إليها هذان الشاعران على التوالي.

وبذلك تكون البيئة الاجتماعية والطبيعية والثقافية التي نشأ فيها كل منهما ، هي ذات البيئة بجميع خصائصها ومشخصاتها ، من مدارس قرءان وفقه وتصوف ، وما يتصل بها من حلقات للذكر وقرض للشعر ، وخصوصاً شعر المديح النبوي. كما امتاز أهل تلك المنطقة عموماً بصفات الشجاعة والكرم والفروسية والنجدة وإباء الضيم ، والجلد على جوب الفيافي وادراع المخاطر بسبب اتصال تلك المنطقة المحاذية للنيل شرقاً وغرباً ببواد خلوية وصحراية شاسعة ، مما انعكس بكل تأكيد على الخصائص النفسية لهذين الشاعرين ، وعلى المنجز الإبداعي لكل منهما بصورة واضحة.

للشاعر محمد سعيد العباسي الذي ولد بقرية " عراديب ود نور الدائم " بالنيل الأبيض في العام 1880م ، وتوفي في العام 1963م ، ديوان شعر يحمل اسمه هو " ديوان العباسي " الذي صدرت طبعته الأولى في القاهرة في عام 1948م ، بمقدمة خطها يراع الأديب المصري الكبير الأستاذ " محمد فريد أبو حديد " وطبع طبعة ثانية لعلها في ستينيات القرن الماضي ، ثم أعادت " دار البلد " السودانية للطباعة والنشر والتوزيع ، طبع هذا الديوان في عام 1999م ، وهي الطبعة التي اعتمدنا عليها في كتابة هذا البحث.

يضم ديوان العباسي نحواً من خمسين قصيدة ومنظومة شعرية ، صُنفت في ثلاثة أبواب هي: باب الاجتماعيات ، وباب الرثاء ، وباب ثالث هو عبارة عن مقتطفات متفرقة. وقد تناول العباسي في ديوانه ، مواضيع شتى ، كما أنه نظم في جل بحور الشعر الخليلية المعروفة.

أما أستاذنا الراحل محمد الواثق ، الذي ولد بقرية النية التي تقع شمال الخرطوم بحري في العام 1936 م ، وانتقل إلى جوار ربه في عام 2014م ، فإن ديوانه الأشهر " أم درمان تُحتضر " ، يضم تسع قصائد جاءت منظومة جميعها على بحر البسيط ، وتتناول كلها موضوعاً واحداً هو هجاء " أم درمان " ، على اختلاف بين النقاد ، عما إذا كانت " أم درمان " المعنية هاهنا هي تلك المدينة السودانية العريقة التي نعرفها ، والتي يكن لها سائر السودانية محبة وتقديراً فائقين ، حتى أنهم لقبوها ب " العاصمة الوطنية " ، ام أن الشاعر أراد أن يرمز بها إلى شيء آخر.

كتبت أولى قصائد ديوان " أم درمان تحتضر " – كما صرح بذلك الشاعر نفسه في مقدمته – في عام 1969م ، بينما كتبت الأخيرة منهن في عام 1973م ، وهو ذات العام الذي شهد صدور الطبعة الأولى منه في " بيروت ".

وقد أنتج الأستاذ الواثق فيما بعد شعراً كثيراً ، نظمه في مواضيع وبحور شتى ، مخالفاً للنهج الذي كان قد انتهجه في ديوانه الأول " ام درمان تحتضر " ، وهي تلك الأشعار التي كان من المفترض أن تصدر له في ديوان بعنوان " الفارس الأعزل " ، الذي هو بدوره عنوان لقصيدة " سياسية ثورية " ألفها الشاعر عندما كان رهين محبسه في سجن " بورتسودان " ، عقب انتفاضة شعبان من العام 1393 هجرية الموافق لسنة 1973م ، وذلك ضمن ثلة من المعتقلين الآخرين من الأساتذة والطلاب والعمال والسياسيين المناوئين للسلطة المايوية الحاكمة في السودان آنئذ.

فهاهو يذكر في قصيدته تلك ، نماذج من أولئك المعتقلين السياسيين ، ويصف أحوالهم بمختلف خلفياتهم وانتماءاتهم الإيديولوجية والتنظيمية ، ولم ينس التنويه بدوره هو ذاته في تلك الملحمة بالطبع ، واصفاً نفسه بالفارس الأعزل:

فمنهم فتىً لا يلذُّ الكرى     وأدمعه ثرّةٌ مَنهلُ

فمشعلهُ كان مصحفهُ   يورِّعهُ آيهُ المُنزَلُ

وهذا لعله من الإسلاميين

ومنهم فتىً عركتهُ الدُّنا     عصيباً بدا أمرهُ المُشكلُ

فمشعلهُ كان مطرقةً       يُعانقُ حافاتها المنجلُ

وهذا من الواضح أنه من الماركسيين أو الشيوعيين.

وسائرهم فتيةٌ أينعوا     رأوْا شعلةَ النور فاستبسلوا

وهؤلاء هم الغالبية من الوطنيين المستقيلن وغير المنظمين ، أي الطافين على سطح بحر الحياة السياسية والمذهبية أو ما يسمون بال floaters.

ثم إن الشاعر أشاد ببسالة هؤلاء الأخيرين في منازلة عسف السلطة الحاكمة آنئذ بقوله:

إذا كانت الحربُ وحُّوا لها    وحيحاً كما أرزمَ المِرْجلُ

ففرَّجَ عن كربهم والسجون    ما قاله الفارسُ الأعزلُ

وهذه القصيدة هي من بحر المتقارب كما هو واضح ، ولم تأت على بحر البسيط الذي كان قد وقَفَ عليه ديوان " أم درمان تحتضر " كما أسلفنا.

ولكنَ محمد سعيد العباسي نفسه كان قد أجاد وافتنّ افتناناً عالياً في النظم في بحر البسيط هذا الذي عليه جل شعر الواثق المعروف ، كما في ديوانه أم درمان تحتضر الآنف ذكره.

ذلك بأنّ معظم قصائد العباسي التي اشتهرت وطار ذكرها بين الناس ، وخلدت في وجدانهم وذواكرهم ، إنما جاءت هي أيضاً منظومة في بحر البسيط. ومن بين تلك القصائد على سبيل المثال:

" عهد جيرون " التي وقّعها لحناً ، وأداها غناءً رائعاً معجباً ، المطرب والشاعر الكبير الأستاذ عبد الكريم الكابلي.

أرِقتُ من طولِ همٍّ بات يعروني    يثيرُ من لاعجِ الذكرى ويشجوني

وقصيدة " مليط " التي كانت ، وأحسبها ما تزال مقررة على تلاميذ المدراس:

حيّاك مليّطُ صوبُ العارضِ الغادي     وجاد واديك ذا الجنات من وادِ

وقصيدة " النهود " التي قالها العباسي تحيةً ومدحاً لصديقه " خلف الله خالد ":

باتتْ تُبالغ في عذلي وتفنيدي       وتقتضيني عهود الخُرَّدِ الغيدِ

وقصيدة " عروس الرمال " في الإشادة بمدينة الأبيض وأهلها:

أرى النوى أكثرتْ وجدي وتذكاري      وباعدتْ بين أوطاني وأوطاري

إلى أن يقول:

أفدي الأبيضَ أفدي النازلين بها      مثوى الأكارمِ أشياعي وأنصاري

وقصيدة " يوم التعليم " ، وهي أيضاً مما كان مقرراً في المدارس:

مالي وللخمرِ رقَّ الكأسُ أو راقا       وللصبابةِ تُصلي القلبَ إحراقا

مضى زمانٌ تساقينا الهوى بهما       في فتيةٍ كرُموا وجداً وأشواقا

العلمُ يا قومُ يُنبوعُ السعادةِ كم     هدى وفكّك أغلالاً وأطواقا

فعلِّموا النشء علماً يستبين به     سُبْلَ الحياةِ وقبل العلمِ أخلاقا

هذا إلى جانب بضع قصائد أخرى للعباس في بحر البسيط ، جاءت غاية في السبك ، وحسن الديباجة مثل: قصيدته بمناسبة تكريم أمير الشعراء أحمد شوقي ، وقصيدته " كفاح مصر " ، وقصيدته في رثاء والده بعنوان: " رثاء أبي " ، ومرثيته في الإمام عبد الرحمن المهدي ، ولعلها من آخر شعره ، لأن السيد عبد الرحمن توفي في عام 1959 ، فما عتّم العباسي أن لحق به بعد أربعة اعوام في سنة 1963م. وكذلك رثاء يوسف بدري الكبير ، الذي أحسب أنه كان عماً للعميد يوسف بدري رحمهم الله جميعا.

ولعلنا نجازف بالتخمين والافتراض هاهنا ، بأنه يبدو أنّ محمد الواثق ، كان يُديم المطالعة والنظر في ديوان العباسي ، وخصوصاً في بسيطياته التي أشرنا إليها آنفا ، وذلك منذ أيام الحداثة والطلب كما نرجِّح ، ومن هنا جاءت أوجه الشبه التي وقفنا عليها فيما بين الرجلين ، من قبيل التأثر والالتفات وما يسمى بالتناص ، بمثل ما أن العباسي نفسه كان متأثراً بالشعر العربي القديم ، وخصوصاً الشعر الأموي والعباسي وأعلامه النابهين مثل: عمر بن أبي ربيعة ، وجرير ، والفرزدق ، والبحتري ، وأبي تمام ، وبشار ، والمتنبي ، والشريف الرضي ، والمعري وغيرهم.

على أنّ هذه الملاحظة ، أو هذا الافتراض ، لا يقدح البتة في في مطبوعية هذين الشاعرين ، وتفردهما ، واستقلالية شخصيتيهما الإبداعية.

أما من حيث المواضيع أو المضامين المتشابهة التي انطوت عليها قصائد هذين الشاعرين المجودين فإننا نستطيع أن نذكر من بينها على سبيل المثال:

أولاً: الشكوى والتبرم من العيش الضنك النكد في السودان ، والتوق والحنين إلى الحياة الرغدة في مرافئ أجنبية أخرى ، تمثلت بصفة خاصة في مصر المحروسة بالنسبة للعباسي ، وفي فرنسا بلد الأنوار بالنسبة للواثق. وقد عبّر كلا الشاعرين عن اعجابهما وافتتانهما الشديد بهذين البلدين على التوالي. يقول العباسي في قصيدته " ذكريات ":

مصرٌ وما مصرٌ سوى الشمس التي     بهرتْ بثاقب نورها كل الورى

ولقد سعيتُ لها فكنتُ كأنما             أسعى لطيبة او إلى أم القرى

وبقيتُ مأخوذاً  وقيد ناظري            هذا الجمالُ تلفُّتاً وتحيُّرا

ثم يقول في معرض المفاضلة بين بلاده السودان ومصر:

صيرّتُ عن كرهٍ   قرى السودان لي مخيّما

ولي بمصرَ شجنٌ   أجرى الدموعَ عنْدَما

فارقتُ مصرَ ذاكراً    أرجاءها والهرما

والنيلَ والجزيرة  الخضراء والمقطّما

وقال في أخرى:

ولو كان لي علمُ ما في غدٍ   لما بعتُ مصرَ بسودانيهْ

أما محمد الواثق فإنه يقول في ذات المعنى ، ذاكراً أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً ، وطبيعتها الساحرة ، وعيشتها الرغدة ، مقارنة بالسودان وطبيعته القاسية ، وعيشه الشجب:

هل تبلغني حقولَ الرونِ ناجيةٌ    تطوي الفضاء ولا يُلفى لها أثرُ

قُربَ الجبال جبال الألب دسكرةٌ     قد خصّها الريفُ لا همٌ ولا كدرُ

فلا أحبُّ بلاداً لا ظلال لها         يُظلها النيمُ والهجليجُ والعشرُ

يعني السودان.

ويقول في قصيدة أخرى:

ربّاهُ حلمكَ ما ام درمان منزلةً     لقد خلقتَ بها الإنسانَ في كبَدِ

متى أمرُّ على باريس منطلقاً   حيثُ الأنيسُ وحيث العيشةُ الرّغدُ

كيف السبيل إلى باريس والهفي    قد صرتُ أقبعُ في ام درمان كالوتِدِ

ثم قال يذكر لندن عاصمة الضباب ويتحسر على فراقها:

بُدِّلتَ لندنَ بام درمان تلزمها    بدّلتَ زهر الربى بالسدر والضالِ

وكلَّ بيضاءَ ملْ الدّرعِ ناهضةٍ     بكل عجفاء خدر البيت مكسالِ

ثانياً: الشكوى من بعض الأقارب والتعريض بهم لأسباب لم يفصح عنها الشاعران:

يقول العباسي في قصيدته " مليط ":

بني أبي أنتمو زيدٌ على مائةٍ     وما عدمتمْ أخا هديٍ وإرشادِ

عزّ النصيرُ وقلّ المُستعانُ به    ومن يهُبُّ إذا يُدعى لإنجادِ

ويقول الواثق:

يا صوتُ دعني فما ام درمان منزلتي    لولا الأوابدُ من عمٍّ ومن خالِ

ولكنه – مع ذلك – يهيب بنيرون ويحضه حضاً على أن يحرقها بالنار كما فعل بروما من قبل:

نيرون أضرم فلا يبقى لها أثرٌ      واعزف نشيدك فوق المرقب العالي

أما انا إن جعلت النار ألسنة         نيرون دعني فقد أعلنتُ ترحالي

من كل احمد من أوشيك منقبضٌ      وكل هارون لا يرضي بملوال

ويرى بعض النقاد أن هؤلاء المذكورين إنما هم رمز لأهل السودان أجمعين ، وذلك على اعتبار أن أحمد يمثل الشمال ، وان اوشيك يمثل الشرق ، وان هارون كناية عن الغرب ، وان ملوال يرمز للجنوب الذي لم يعد ضمن هذه الكيان للأسف الشديد ، منذ ما يربو عن الثلاثة أعوام.

ويقول الواثق في ذات المعنى في قصيدة أخرى:

يا بعض قومي سئمتُ العيشَ بينكمو    وفي الرحيل لنا من دونكم وطرُ

ثالثاً: القسوة المفرطة على سائر الأعداء والمناوئين ، والدعاء عليهم بأن يحيق بهم من العذاب أشده ، ومن العقوبة انكاها.

وفي هذا يقول العباسي:

اغرقتها فانجُ إن كنت اللبيبَ ولا    أراك تسلمُ من بحرٍ وإزبادِ

واصبرْ تذقْ مُرَّ ما ذاق اللذين بغَوْا    من قبلُ والله للباغي بمرصادِ

لا تخدعنّكَ نُعمى قد حبوْكَ بها        ولا الزعانف من رهطٍ وأجنادِ

فلستُ أيأسُ من عدل الميكِ بأن       يخني عليهمْ كما أخنى على عادِ

ويقول الواثق صاباً جام نقمته على ام درمان وأهلها:

يا ريحَ عادٍ تحرِّي أين موقعها     وفجِّري فوقها غيظ البراكينِ

واجعل إلهي لهيبَ النار ألسنةً     مما تكونُ به ألحانُ نيرونِ

واستقص شأفتهم واقطع سلالتهم    واعصف بطينتهم يا خالقَ الطينِ

رابعاً: الفخر بالشجاعة والجلد ، وإباء الضيم ، وقوة الشكيمة ، والشدة في مقارعة الخطوب.

ومن ذلك قول العباسي في قصيدة " من معاقدي ":

أما ويمين الله وهي أليّةٌ    تقول فتغني عن يمين وشاهدِ

سأصفح عن هذا الزمان وما جنى    متى ظفرت كفاي منه بماجدِ

وإن ألقهُ بعتُ الحياةَ رخيصةً        وآثرته باتثنين: سيفي وساعدي

وكذلك قوله في قصيدة أخرى:

زدْ عتوّاً أزدكَ من حُسْن صبري      وأذقني كأسَ العذابِ الأمرِّ

لستَ يا دهرُ واجداً في شبا عزمي فلــــــــــــــــولاً ولا قُلامةَ ظُفرِ

لا تحاول مني مُراماً بعيداً          ارضِ من شئتَ بالمذلّةِ غيري

وفي مقابل ذلك قول الواثق:

ما كنتُ ترهقني البلوى وأنهزمُ    لو كان وجهك يا ام درمان يبتسمُ

إنّي وحقك لم أحفل لنازلةٍ          فالفتقُ بعد نزيف الجرحِ يلتــــــئمُ

لكن تغشّت شعاب النفس باخعةُ     من القنوط ورانَ اليأسُ والسأمُ

هذا ، وقد مضتُ منا الإشارة إلى انه كان قد وصف نفسه مفتخراً بأنه: " الفارس الأعزل " ، بل جعل من ذلك الوصف عنواناً لديوان شعر كامل له ، إلا انه لم ير النور مع الأسف حتى الآن.  

رابعاً: يلتقي الشاعران كذلك ، في الفخر بغضارة الشباب والفتوة وحسن الهندام والتأنق ، والصبابة والأنس إلى الحسان والتعبير عن الحنين إلى ذلك في شعريهما.

ففي هذا يقول العباسي:

سبعون قصّرتْ الخطا فتركنني    أمشي الهُوينى ظالعاً متعثّرا

من بعد أن كنتُ الذي يطأُ الثرى تيهاً   ويستهوي الحسان تبختُرا

او قوله في قصيدة " عهد جيرون ":

أزمانَ أمرحُ في بُردِ الشباب على  مسارح اللهوِ بين الخرّدِ العينِ

والعود أخضرُ والأيامُ مشرقةٌ      وحالة الأنس تغري بي وتغريني

في ذمة الله محبوبٌ كلفتُ به        كالريم جيداً وكالخيروزِ قي اللينش

وهذا لعمري يقابله قول الواثق في قصيدته " ام درمان تتزوج ":

متى أمرُّ على باريسَ منطلقاً    حيث الأنيسُ وحيث العيشة الرغدُ

قد كنتُ الق بها مونيك يعجبني  جمالها الغض من لينٍ ومن أودِ

مجاورٌ ثغرها البسام بعض فمي   وعاقدٌ خصلةً من شعرها بيدي

وكنتُ إذ ما دعاني الزهو آونةً    أمشي العِرضنَةَ في أثوابيَ الجددِ

وكان العباس قد قال أيضاً في هذا المعنى في قصيدة له في رثاء يوسف بدري:

يا منزلاً كنتُ أمشي البَخترية في    ظلاله ورائي فضلُ أذيالي

خامساً: تصوير المشاهد الغرامية مع الحسان ، أو ما يمكن أن نسميه بالغزل العملي او التطبيقي. ومن ذلك قول العباسي:

فرقّ لي مستسلماً    ومال نحو منعما

طويته طيَّ الرّدا  متعتُ من فمٍ فما

وقوله:

أنشأت أسمعه الشكوى ويسمعنيي أدنيه من كبدي الحرّى ويدنيني

وقوله:

يده في حمائل السيف مني   ويدي منه في مكان الوشاح

ثم إن العباسي يؤصل لمثل ذلك السلوك – كما يقال - بقوله:

إذ ليس في المذهب العذري لومُ فمٍ   أرضى فماً ومشوقٍ ضمّ مشتاقا

وكل ذلك في تقديرنا لا يعدو أن يكون دروسشة أو(طمسة) عابرة في حق العباسي ، إذ كان شيخا كاملاً وابن شيوخ كاملين.

وقد ذهب الواثق ذات المذهب في مثل قوله على سبيل المثال:

مجاورٌ ثغرها البسام بعضُ فمي      وعاقدٌ خصلةً من شعرها بيدي

وأما من حيث الصنعة ، أو الخصائص الفنية العامة المتشابهة بين شعري هذين الشاعرين ، فلعلنا نشير إلى القواسم المشتركة التالي ذكرها ، إلى جانب الإقرار بما يتسم به شعر هذين الشاعرين بصفة عامة من عذوبة وسلاسة ، وحسن سبك وإشراق ديباجة:

أولاً: الالتفات أو التناص والإلماع إلى بعض النصوص التراثية القديمة سواء كانت نثراً أو شعرا.

ومن ذلك ذكر كلا الشاعرين للعذاب الذي حل بعاد قوم هود عليه السلام ، على نحو ما سبقت الإشارة إلى ذلك آنفا.

فمن مظاهر التناص عند العباسي قوله:

بني أبي أنتمو زيدٌ على مائةٍ    وما عدمتمْ أخا هديٍ وإرشادِ

ففيه التفات إلى قول ذي الإصبع العدواني:

وأنتمو معشرٌ زيدٌ على مائةٍ     فأجمعوا أمركمْ شتىً فكديوني

ويقابل ذلك قول الواثق على سبيل المثال فقط :

لو كنتُ من مازنِ أو من بني أسدٍ    لم يسرقوا عند سور العلمِ مفتاحي

نظر فيه إلى قول قُريط بن أُنيف التميمي:

لو كنتُ من مازنٍ لم تستبحْ إبلي      بنو اللقيطة من ذُهل بن شيبانا

ومن ذلك أيضاً قول العباسي:

ولإنْ تبيتَ على الطوى وتظلّهُ    وتضمّض شملَ المسلمينَ وتنصُرا

الذي نظر فيه إلى قول عنترة:

ولقد أبيتُ على الطوى وأظلّه     حتى أنالَ به كريمَ المأكلِ

وقول الواثق في قصيدته " أم درمان والانهزام ":

والنيلُ أدكنُ في سلساله كدرٌ    مما تبولُ عليه الناسُ والغنمُ

فيه تأثر واضحٌ من حيث الصورة والألفاظ وطريقة التعبير جميعاً ، بقول عبدة بن الطبيب  في لاميته ( هل حبلُ خولةَ بعد الهجر موصولُ ) المضمنة في المفضليات التي كان الواثق معجباً بشعرها أيما إعجاب:

ومنهلٍ آجنٍ في جمِّه بعرٌ    مما تسوقُ عليه الريحُ مجلولُ

كما نظر الواثق في قول عبدة في ذات القصيدة أيضاً:

ثُمتَ قمنا إلى جُردٍ مسومةٍ    أعرافهنََّ لأيدينا مناديلُ

فأنشأ يقول في قصيدته المشار إليها آنفا:

ثُمتَ عاجت ضباعُ الأرض متخمةً   وحلّق البومُ والغربانُ والرخمُ

فصفوة القول عندنا في هذه النقطة ، أن جو لامية عبدة هذه قد أثر على لحظة الدفق الشعري لدى الواثق ، فكأنه كان يستدعيها في لا شعوره وهو يكتب هذه القصيدة ، وهو لعمري ما يسمى بالتناص نفسه.

ثانياً: كثرة الإشارات إلى القصص القرءاني في شعر هذين الشاعرين ، وبالتالي اطراد استخدامهما للقاموس القرآني ، وذلك على غرار خبر عاد الذي تحدثنا عنه آنفا ، أو قصة يوسف عليه السلام كما في قول العباسي:

لعلَّ فيها لكم معنى البشارة من     قميصِ يوسفَ أو عرش بن داؤودِ

والذي يقابله قول الواثق:

قميصُ يوسفَ في كفي أُليحُ به     قميصَ يوسف لم يرجع لهم بصرُ

ثالثاً: يشترك الشاعران في استخدام ما يسمى بالبدل المطابق كحلية بيانية مميزة ، على أن استخدام العباسي للبدل المطابق أكثر. وذلك مثل قوله:

يا سعدُ سعدَ بني وهبٍ أرى ثمراً    فخُدْ فديتك للعافي بعنقادِ

أو قوله:

لا أقول الصناع جنّ سليمان   ولا السدّ سدّ يأجوجَ مُدَّا

أو قوله:

فهيا انزعي هذا الرعاثِ فإنها   نظيمي وهاتي السمطَ سمطَ فرائدي

ومثل هذا كثير في شعر العباسي.

ويقابل ذلك عند الواثق قوله:

قربَ الجبالِ جبالِ الألب دسكرةٌ     قد خصّها الريفُ لا همٌّ ولا كدرُ

وأخيراً ، نودُّ أن نتوقف عند أشياء محددة في شعر الواثق ، بدا لنا أنه قد تأثر فيها نوعاً ما بشعر العباسي. وإنما نقول ذلك استناداً لمحض التذوق والحدس والتخمين ، وليس لدينا عليه من دليل قاطع للشك بالكلية.

فقول الواثق في قصيدته " لكنما انت يا ام درمان ":

غادرتني مثقلاً أرعى النجوم ضنىً    لا أستقرُّ من البلوى على حالِ

من بعدِ ما كنتُ مثل الفجر منتشراً    أجرُّ فوق أديمِ الأرضِ أذيالي

فكأنه تأثر فيه بقول العباسي من حيث المعنى:

من بعد ما كنتُ الذي يطأ الثرى تيهاً   ويستهوي الحسانَ تبختُرا

وقوله في ذات القصيدة:

أردُّ للخمر والخمّارِ دينهما    ظرفاً بظرفٍ وإجلالاً بإجلالِ

حذا فيه حذو العباسي حين قال في قصيدته " مليّط ":

لم يجزني لا جزاه اللهُ صالحةً     برّاً ببرٍّ    وإرفاداً بإرفادِ

وأما قوله في قصيدة " ثعابين ام درمان ":

وقد حبوتكِ يا ام درمان من كلمي    حكمةَ موسى جلاها نطقُ هارونِ  

فإن فيه نظراً واضحاً لقول العباسي في قصيدته " يوم التعليم ":

غيري شدا فتعالوا اليومَ فاستمعوا     شعرَ النُّواسيِّ من تلحين إسحاقا

ذلك بإنّ حذو الكلام واحد ، وطريقة نظمه وتأليفه واحدة كما يقول العلامة عبد الله الطيب في المرشد وغيره.

وقوله في ذات القصيدة ، يصف معشوقته " مونيك ":

وهل سنا بارقٍ أم رابني بصري    أم وجهُ مونيكَ ذاتِ الحاجبِ النّوني

ففيه التفات واضحٌ إلى قول العباسي في قصيدته الشهيرة " عهد جيرون ":

ما أنس لا انسَ إذ جاءتْ تُعاتبني   فتّانةُ اللحظِّ ذاتِ الحاجبِ النوني

بل هذا هو وقع الحافر على الحافر ذاته كما يقول النقاد الأقدمون..

ألا رحم الله أستاذنا الشاعر الكبير محمد الواثق وغفر له وجعل الجنة مثواه ، جزاء ما نشر وترك من علم وفكر وثقافة وإبداع شعري ، سيبقى ذخرا ونبراساً لنا وللأجيال المقبلة بإذن الله.