عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أدب المدائح برنامج إذاعي مشهور ، كان يُعنى بتقديم واستعراض وشرح نماذج من فن المديح النبوي التقليدي في السودان ، ظل يعده ويقدمه لبضعة عقود من خلال الإذاعة السودانية ، الأستاذ الأديب والإعلامي والشاعر: قرشي محمد حسن ( 1915 – 1994م ) رحمه الله. وقد أسهم ذلك البرنامج بكل تأكيد   ، في تثقيف وإمتاع أجيال من المستمعين السودانيين  بهذا الفن السوداني الأصيل ، الذي يعزّ نظيره كماً وكيفاً في سائر بقاع العالم الإسلامي.

كان الأستاذ قرشي محمد حسن ، كما يوضح نجله الأستاذ أسامة قرشي من خلال مقال نشره عن والده الراحل وإرثه الباذخ في بعض المواقع الالكترونية مؤخراً ، يعد ويقدم برنامج " أدب المدائح " باستمرار عبر اثير إذاعة " هنا أم درمان " بين عامي 1958 و1989م ، وأشار إلى أنّ عدد حلقاته قد قاربت الألف حلقة ، تم تسجيلها في ثلاثمائة شريط.

أما شهرة هذا البرنامج وذيوع صيته بين مختلف أجيال السودانيين ، فمما لا تنتطح فيه عنزان. ومما يدل على ذلك ، أنهم قد استخدموا في حديثهم الدارج عبارة: " أدب المدايح " التي هي مأخوذة بكل تأكيد من عنوان هذا البرنامج ، للكناية عن العقوبة  أو الأدب الشديد الذي يتطلب صبراً جميلا ، وخصوصاً في معرض الإشارة إلى ضروب " التلتلة " أو المماطلة والتسويف .. حيث لم يكن من النادر أن تسمع أحدهم يقول: " الجماعة ديل أدبونا أدب المدائح !! ".

ويمضي الأستاذ أسامة إلى القول بأن البرنامج كان يتألف عادة من أربع فقرات: يتناول معد البرنامج ومقدمه في الفقرة الأولى منها ترجمة للشاعر ، وفي الفقرة الثانية القيمة العلمية للمدائح التي ألفها ودراسة تحليلية للمدحة المعنية ، بينما تتناول الفقرة الثالثة القيمة او الخصائص الفنية للمدائح من حيث الألحان والإيقاعات ، أما الفقرة الرابعة فتتاح من خلالها الفرصة لأداء المدحة المعنية او إنشادها ، ترقية لأدب السماع لدى المستمعين ، او استجابة لرغبات بعضهم أحيانا. وهو لعمري ذات النهج الذي ينتهجه – إلى حد ما – الاستاذ الدكتور " إبراهيم القرشي " من خلال برنامجه التلفزيوني عالي المشاهدة الموسوم ب " في رحاب الحبيب ".

ولا شكّ أنني كنت مثل الكثيرين من أبناء جيلي الذين ترعرعوا في بحر ستينيات القرن الماضي ، ممن انفتحت آذانهم وذوائقهم الفنية الغضة على حلقات هذا البرنامج ، وما كان يقدم فيه من روائع المديح النبوي التقليدي.

بيد أنني كانت تستوقفني بصفة خاصة ، مقدمة هذا البرنامج ، وخصوصاً تلك المقاطع من الأماديح والقصائد العرفانية التي كانت تؤدى بأصوات مؤدين ذوي أصوات مفرطة في التطريب والرخامة ، مما كان يتعذر بالنسبة لي – على الأقل – في تلك السن الباكرة أن أتبين ألفاظ تلك المقاطع والأبيات من ذلك الشعر الصوفي ، فكنت اكتفي فقط بمحض الطرب هكذا " على الريحة " فحسب.

على أن من حسن الحظ أن إذاعة " ذاكرة الأمة " قد حرصت على إعادة بث حلقات من هذا البرنامج بانتظام مؤخرا ، وذلك من ضمن عدد من البرامج والمواد الإذاعية التي أسهمت في تشكيل وجدان هذه الأمة بحق عبر العقود المنصرمة.

فمن بين تلك الأبيات العرفاينة التي كانت طريقة نطقها ، أو بالأحرى طريقة سماعي لها تشكل علي في طفولتي ، ووقفت على حقيقتها بعد راجعت نصوصها مع بعض الإخوة والأصدقاء مثل الأخ الدكتور مجتبى الزاكي ، والأخ الأستاذ منتصر أحمد النور مما جاء في مقدمة برنامج أدب المدائح المذكور ، قول الشيخ عبد الغني النابلسي:

بيني وبينك يا قديمُ جدارُ

هو جملتي بك حادثٌ يا جارُ

والكنزُ أنت وراءَ ذلك كلّه

والطلْسماتُ العقلُ والأفكارُ

وكذلك قوله:

إنْ تكنْ بالله قائمْ    لم تكنْ بل أنتَ هوْ

أنتَ ظلُّ الغيب من أسمائه والشمسُ هو

أشرقتْ انوار سلمى فظهرنا كلُّنا

يا خفافيش التجلِّي ما تبدّى غيرَ هوْ

وكان أشد ما يشكل على مسمعي آنئذ قول المنشد من شعر النابلسي أيضا:

على الوادي المقدس عج بي  وتأدبْ هاهنا سَبُعُ

ثم عرِّجْ نحو كاظمةٍ       حيث تلك الساحُ والبقعُ

واسأل الركبَ المقيل على يمنةِ الوادي وما صنعوا

تلك نفحة من أريج تلك الذكريات الحلوة !!.