عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أودُّ بادئ ذي بدءٍ ، ان أستميح حضرات السادة والسيدات القراء الكرام عذراً عن مداهمتهم بهذا العنوان القاسي والصادم نوعاً ما ، خصوصاً وأنه يتعلق بتراث واحدٍ من كبار أعلام نهضتنا الثقافية والفكرية والإبداعية على مرِّ العصور ، ألا وهو الشاعر الكبير الراحل الأستاذ محمد المهدي المجذوب ( 1919 – 1982م ). غير أنني أود أن أشير كذلك ، قبل الاسترسال في بيان مضمون هذا المقال ومحتوياته بالتفصيل ، إلى أنني كنت قد فاتحتُ صديقنا الأديب والصحافي النابه ، الأستاذ عوض الكريم المجذوب ، نجل الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب نفسه في شان هذا المقال ، فسمح لي بنشره تحت هذا العنوان ، بعد أن شرحت له الغرض منه على وجه العموم. ففي الواقع أنني قد ظلت تستوقفني مليّاً منذ مدة ،الكثرة الواضحة لاستخدام هذا الشاعر لمفردة " حِقْد " ومشتقاتها ، في عدد كبير من قصائده ، حتى ليوشك أن نعتبرها واحدة من مظاهر قاموسه الشعري بصفة عامة. ولو أن ناقداً بنيوياً تقصى هذه المفردة ومشتقاتها في شعر المجذوب إحصائياً ، لخرج بحصيلة معتبرة ، ومؤشرات واضحة الدلالة. هذا ، ومما لاشك فيه أن إلحاح شاعر ما على إيراد لفظة بعينها ، أو تركيب لغوي معين بكثرة في شعره ، أو ميله إلى تكراره ، يدلٌّ – فضلاً عن كونه مجرد أداة بيانية لتأكيد المعنى وترسيخه – على أنه ملمح ذو دلالة خاصة ينمُّ عن المؤثرات الضاغطة على وعي المبدع ، ويوحي بمكنونات عقله الباطن وشعوره ، كما يدل على خصائص شخصيته ومزاجه النفسي عموما. أما مفهوم الحقد نفسه كخصيصة أو شعور نفسي سلبي وعدواني يكنه شخص ما ، تجاه شخص بعينه سواء كان ذلك الشخص مادياً او اعتباريا ، وهو مفهوم قد يلتبس أحياناً بمفهوم الحسد ، وذلك للقرب الشديد بين المفهومين. غير أن الحسد ، وهو ذلك الانقباض أو التكدُّر الذي يعتري النفس لرؤية نعمة الغير ، أو تمني زوال تلك النعمة بالكلية ، هو شعور في اتجاه واحد من قبل الحاسد باتجاه المحسود ، من دون أن يكون رداً لفعل حقيقي أو مُتوهَّم صادر عن الطرف الآخر المحسود. بينما يكون الحقد في الغالب ، تعبيراً عن غبن أو موجدة يجدها طرف ضد طرف آخر ، لأنَّ هذا الأخير قد بادرهإما بالظلم ، أو الاعتداء ، أو الاضطهاد ، أو الكراهية ، أو التعالي والازدارء ، سواء كان كل ذلك حقيقة أو توهما. والحسد يرتبط عادةً بالعجز والسلبية وربما البرود ، بينما يرتبط الحقد بالحركة والتوثب والانفعال. وكأنّ الحقد يبدو سائغاً أو مبرراً أكثر من وجهة النظر الأخلاقية من الحسد المجاني. ذلك بأن المظلوم أو المُعتدى عليه ، إذا لم يستطع دفع الظلم والعدوان بيده ، فإنه لا يملك إلا ان يحقد على الظالم أو المعتدي ، حتى تتهيأ له من الأسباب ما قد يمكنه من فعل ذلكفي يومٍ من الأيام.  وتعرف البلاغة السودانية التقليدية ، مفهوماً آخر من ذات الشاكلة هو ما يسميه السودانيون " المضرّة " او " الضُّر " ، وهو إلحاق الأذى المادي أو المعنوي ، أو التخريب والتشويه المتعمد بأي من مقتنيات أو متعلقات الطرف المحسود عادة. فكأن الضرَّ حسد خرج من حالة الكمون إلى حالة الفعل ، كما يقول الفلاسفة والمتكلمون. وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الرحيم وقيع الله البرعي في واحدة من قصائده الوعظية والإرشادية: خالِفْ هوى نفسك حسدك وضُرَّكْ واحذر عقوق والديك في الحين يضُرّكْ أذكر إلهك يوت !! وهنالك الغبطة ، وهي تمني حال المُنْعَم عليه من دون تمني زوال تلك النعمة بالضرورة ، وهي ما يسميه السودانيون " البَغَرْ " بفتح الباء والغين ، ومنه قولهم: " حاسد ولاّ بغران ؟! ". ذلك ، وقد تتبعتُ مادة " حقد ... يحقدُ فهو حاقد " في شعر المجذوب ، فألفيتها فاشية بصورة ملحوظة في قاموسه الشعري ، وخصوصاً في قصائده التقليدية العمودية التي تضمنتها دواوينه الأوائل: نار المجاذيب ، والشرافة والهجرة ، وتلك الأشياء ، ومنابر. فهاهو – على سبيل المثال – يقول في قصيدته بعنوان: " المصير " التي ألفها بمدينة بورتسودان بتاريخ 15/12/1952م ، أي في أواخر عهد الاستعمار البريطاني للسودان ، معبِّراً فيها عن حقده المشروع بالطبع ، على الاستعمار والمستعمرين: وما ضاحكتني فرحةٌ قد دفنتُها     زمانَ الأسى هيهات أنسي بمُلْحَدِ ولكنني – والأمرُ للهِ – حاقدٌ         أُسامرُ حقدي بالشماتِ المُبرَّدِ وليس بوجهي إنما بجوانحي        تبسُّمُ شيخٍ حاقدِ الشيبِ  أدْرَدِ وفي تقديرنا أن المجذوب حتى في حقده المبرر هذا على الاستعمار والمستعمرين ، إنما يصدر عن طبع سمح ، بل عن روح دعابة ومزاح ظاهر ، يتنافى مع ذلك الحقد المدمِّر الذي يستكنُّ عادة في دواخل النفوس الحاقدة جبلّةً وطبعا. يدلّك على ذلك أن الشاعر قد تحرّز من وصف نفسه بالحقد مباشرةً ، بإيراده للجملة الإعتراضية: " والأمر لله " التي كأنها تجئ هاهنا في مقام الاعتذار ، ثم برسمه لصورة الشيخ الأدرد ذي الشيب الحاقد ، والأدرد هو الخالي الفم من الأسنان. وهي بلا ريب صورة كاريكاتورية مضحكة. ولا غرو في ذلك ، فإن المجذوب من أبرع الشعراء السودانيين تصويراً في نظر الكثيرين من النقاد. إنّ أريحية المجذوب ، وطلاقة نفسه ، ودعابته ، وسخريته ، وتسامحه ، وانحيازه للبؤساء والمحرومين والمهمشين ، مما يذخر به شعره الباذخ ، لمما يحملنا على الاعتقاد في أنّ " حقده " المزعوم هذا ، لا يمكن أن يكون هو نفسه ذلك الحقد بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني. وإنما هو محض تعبير عن الضيق والتبرُّم والغيظ و " حراق الروح " الذي ينمُّ عما يشتمل عليه شعره بصفة عامة من بوهيمية ، ونزق ، و " طمسة أولاد فقرا " كما عبر هو نفسه بذلك حين قال: كمْ نهاني مشائخي وأنا المطموسُ لا أهتدي وطال شرودي يصور لنا المجذوب نفسه حاقداً على المستعمرين الإنجليز كما أسلفنا ، ومن ذلك قوله على سبيل المثال في قصيدته بعنوان: " غارة طليانية على الخرطوم " المثبتة في ديوانه " الشرافة والهجرة " ، وهي من أبرع وأصدق الشعر في تصوير اجواء الحرب العالمية ، أو بالأحرى الأطلسية الثانية ، من وجهة نظر عالمثالثية: يقول البريطانيُّ دافِعْ ولا أرى    دفاعاً ومالي في بلاديَ موطنُ يخوَّفني مكرَ الخواجة حاقداً        عليَّ وسجني إن تمرّدتُ مُمكنُ ولي إنْ تعلّمتُ السلاحَ وسيلةٌ      بها يشتفي حقدٌ أُعانيه مُزْمنُ إلى أن يقول: هيَ الحربُ جاءتْنا ونصلَى أوارها    وما بلدي روما ، ولا هيَ لندنُ !! ويصور نفسه حاقداً على رؤسائه في العمل ، والقائمين على جهاز الخدمة المدنية بصفة عامة ، بسبب أساليبهم الفاسدة ، وميلهم للظلم والرشوة والمحسوبية والمحاباة ، وتقويم مرؤسيهم بمعايير ذاتية قوامها محض الاستلطاف أو البغض الخ .. فيقول في قصيدته بعنوان: " موظف " من ديوانه " الشرافة والهجرة " الآنف ذكره: هذه حالتي أُعيذُكَ من حالي أقاسي وظيفتي وقيودي وأُسوِّي الحسابَ أعمدةُ الأرقام تجري مثل القطارِ المديدِ ومحطّاتُهُ سِجارٌ وتُمباكٌ وحِقْدٌ على رئيسي الحـــــــــقودِ هذا ، وكان الشاعر يعمل محاسباً. كذلك يصور المجذوب نفسه حاقداً على بعض المتعالين والمتكبرين من أبناء الحواضر والمدن وخصوصاً العاصمة الخرطوم ، الذين يرى أنهم قد سلبوه حقه الطبيعي – في نظره – في المجد والسؤدد والترقي الذي يؤهله له ضربة لازب ، كرم أصله ونبل محتده المؤثل في بحبوحة عشيرة المجاذيب المشهورة بالدين والعلم والصلاح في ديار الجعليين بشمال السودان. فقال يفخر باصله ونجاره ، لا بوظيفته وكسبه المادي فحسب كما يفعل أهل الحواضر: ما نحن من لبس المناصب زينةً     شوهاءَ تُعجبُ ساقطاً مردودا إني لأكرم سادةً من معشرٍ              سادوا وأشرف رايةً ونشيدا ثم قال كذلك: إني من الدّامر السمحاءِ دوّخني       هذا الترامُ حمارٌ غير مأمونِ أبغضتُ حذلقةَ الخرطوم سوف ترى  يوماً يجئ بجزّارٍ وسِكّينِ وقال في قصيدة أخرى في المفاضلة بين الدامر والخرطوم: أنتِ أعطيتني الأمان وقد ضيّعتُ في ليلة المدينةِ صدقي وسقاني لديك من وضر الخرطوم طهرٌ وصحَّ للحُسْنِ عشقي وهل يا تُرى لأنصارية المجذوب الموروثة من بعض آبائه وأجداده ، وما ظلت تنطوي عليهتلك الأنصارية من بغض عريق لخرطوم " التُّرك " التي اعتبروها رمزاً للفساد والموبقات ، علاقة بهذا الموقف السلبي الناقم لشاعرنا تجاه الخرطوم ؟ ، فهو – مثلاً - محض رجع صدى لمخاطبة الشاعر الشيخ محمد عمر البنا للإمام المهدي قديماً ، يحرّضه على الخرطوم وقاطنيها بقوله: وانهض إلى الخرطوم إنّ بسوحهِ   أهل الضلالةِ والمفاسدِ باتوا  ؟ فأنشأ المجذوب يقول مثلاً: أليس ترحمنا الخرطومُ كافرةً    متى تطهِّرها النيرانُ والغَرَقُ أو قوله: أبقى فتُنكرني الخرطومُ كافرةً    غردونُ فيها على المهديِّ منتصرُ ترنو إليّ على بُغضِ يسامرُها     ضوءٌ غريبٌ على النيلينِ ينتشرُ ذلك ، ولربما عنّ لأحد الباحثين أن يعقد في يوم من الأيام ، مقارنة بين موقف الشاعر محمد المهدي المجذوب من الخرطوم ، وموقف الشاعر: محمد الواثق من مدينة " أم درمان " التي أفرد لهجائها ديواناً كاملا كما هو معروف هو ديوان " أم درمات تُحْتَضَر ". إنّ المفارقة بين مجتمعات المدن والحواضر  الفاسدة والمهترئة أخلاقياً ، والطافحة بشتى ضروب النفاق والكيد والحسد والخبث والتملق والتصنُّع ، وسائر الأدواء النفسانية الأخرى ، في مقابل مجتمعات القرى والأرياف الطاهرة والنقية والبريئة والعفوية حقيقةً أو افتراضاً ، ممثلتين في مجتمعي الخرطوم والدامر على التوالي ، تبدو نقطة مركزية في الملمح الاجتماعي والنفسي لشعر المجذوب بصفة عامة. وختاماً ، فإنّ هذه المفارقة البيِّنة ، وهذا التضاد الحاد ، يتوسّع لدى محمد المهدي المجذوب لكي يضع مجتمع شمال السودان بأسره – بما في ذلك الدامر نفسها ،بخلاويها وشيوخها وإرثها الحبيب إلى نفس هذا الشاعر بكل تأكيد– بإزاء مجتمع جنوبالسودان ، وفي معادلة شبيهة بتلك ، وتتضمن حُكْماً قيميا واضحاً وقاطعا. إذ نراه ينحاز إلى مجتمع الجنوب ، ويتمنى أن لو أنه قد خُلق ونشأ فيه ابتداءً ، لأنه مجتمع يتميز – في نظره – بالانطلاق والتحرر والعفوية والبراءة ، في مقابل التزمت ، والقيود الاجتماعية ، والتصنُّع التي يرى أنها تصم مجتمع الشمال جميعه ، وتقعد به. وفي هذا يقول المجذوب: فليتي في الزنوجِ ولي ربابٌ     تهيمُ به خطايَ وتستقيمُ وفي حقويَّ من خرزٍ حزامٌ      وفي صدغيَّ من ودعٍ نظيمُ واجترعُ المريسةَ في الحواني   وأهذرُ لا أُلامُ ولا ألومُ طليقٌ لا تقيّدني قريشٌ          بأحسابِ الكرامِ ولا تميمُ

ومهما يكن من أمر ، فإن يكن المجذوب حاقداً في شعره ، فهو في نظرنا، حقد فنيٌّ فقط –إذا جاز التعبير - ، (حلمنتيشي) ، هازلٌ و مضحك ، وبالتالي ، فإنه لا ينبغي أن يعتدَّ به كثيراً في توصيف حقيقة مقومات شخصية هذا الشاعر ، وخصائصه النفسية على وجه العموم.