عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نقل إليّ معالي الوزير والسفير الأستاذ إبراهيم طه أيوب الذي التقيت به مؤخراً في مناسبة اجتماعية سعيدة  ، هي عقد قران نجل زميل مشترك ، نقل إلي خبر رحيل علامة المغرب والأمة العربية قاطبة ، المغفور له بإذن الله ، الأستاذ الدكتور " عبد الهادي التازي " إلى رحاب الله الكريم في بحر شهر أبريل 2015م  المنصرم ، بعد عمر مبارك مديد ناهز الخامسة والتسعين ، أنفقه في خدمة المعرفة والعلم في بلاده المملكة المغربية الشقيقة على وجه الخصوص ، فضلاً عن دأبه المقدر في خدمة الثقافة العربية الإسلامية بصفة عامة.
قال لي السفير إبراهيم طه إنه ظل يعرف عبد الهادي التازي معرفة شخصية منذ منتصف ستينيات القرن الماضي ، إذ جمعتهما أرض الرافدين ، حيث كان التازي يعمل سفيراً لبلاده في بغداد ، بينما كان إبراهيم طه أيوب في أولى عتبات السلك الدبلوماسي ، سكرتيراً ثالثاً بسفارة السودان بالعراق آنئذٍ.
أما أنا خاصةً ، فقد تهيأ لي أن أشاهد العلامة عبد الهادي التازي كفاحاً ، وأن أستمع إليه ، عندما كنت أقضي دورة دراسية تدريبية بالمعهد الدبلوماسي التابع لوزارة الخارجية المصرية بالقاهرة ، إما في أواخر عام 1987 أو أوائل عام 1988م ، وذلك عندما جئ لنا به لكي يقدم لنا محاضرة عن السفارة والدبلوماسية في التراث العربي ، وأظنه كان قد وصل خصيصاً إلى القاهرة لحضور اجتماعات مجمع اللغة العربية ، أو " مجمع الخالدين " الذي كان عضواً عاملاً به منذ سنوات عديدة.  
ومما لا يزال عالقاً بذاكرتي من تلك المحاضرة بهذه المناسبة ، أن العلامة التازي قد قال لنا إن لفظي سفير وسفارة مشتقان من الفعل الثلاثي " سَفَرَ " بمعنى: أصلح بين الناس ، وليس من الفعل الرباعي " سافر " بمعنى: ارتحل من مكان إلى مكان آخر ، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان. ثم إنه استشهد بهذا البيت تأييداً لحجته:
ولا أدَعُ السفارة بين قومي    ولا أمشي بشرٍّ ما مشيتُ
على أن معشر السفراء يحبون السفر وفوائده الخمس على كل حال !.   
كان عبد الهادي التازي عالماً ومؤلفاً موسوعيا ، ومؤرخاً ودبلوماسياً مرموقاً ، ترأس البعثات الدبلوماسية لبلاده المغرب في عدد من الدول ، كما كان عضواً بالأكاديمية الملكية بالمغرب ، وعضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
درس عبد الهادي التازي القرءان الكريم وحفظه في سن التاسعة ،  ، ثم توجه بعد ذلك إلى التعليم النظامي الحديث إلى أن تخرج من جامعة القرويين بالمغرب في عام 1947م ، كما حصل على على دبلوم الدراسات العليا من جامعة محمد الخامس ، ثم حصل في عام 1972 على دكتوراه الدولة من جامعة الأسكندرية ، وكان موضوع اطروحته عن جامعة القرويين العريقة بالمغرب.
عمل التازي سفيراً للمغرب في كل من العراق وليبيا ، ثم شغل منصب مدير المعهد الجامعي للبحث العلمي. له نشاط جم في التأليف والكتابة والترجمة والتحقيق الذي كان من أشهر إنجازاته فيه، تحقيقه لكتاب رحلة ابن بطُّوطة الموسوم ب " تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ".
اهتم عبد الهادي التازي بصفة خاصة بالتاريخ الدبلوماسي للمغرب ، وهو المجال الذي أصدر فيه كتابه الضخم تحت ذات العنوان في خمسة عشر مجلدا. ولم يكتف التازي بالكتابة عن بلده المغرب فحسب ، وإنما شملت أبحاثه ومؤلفاته مواضيع شتى تخص دولاً عربية وإسلامية أخرى مثل: ليبيا ، وإيران ، والكويت ، بل توسعت أبحاثه لكي تشمل مناطق أخرى خارج الفضاء العربي – الإسلامي ، مثل كتابه بعنوان: " تاريخ العلاقات المغربية – الأمريكية ".
ينتمي العلامة الراحل " عبد الهادي التازي " الذي ولد بمدينة " فاس " بالمغرب بتاريخ 15 يونيو 1921م ، وانتقل إلى الرفيق الأعلى بالعاصمة " الرباط " في الثاني من أبريل 2015م ، إلى ذلك الجيل من العلماء والباحثين والمفكرين والكتاب العرب الأفذاذ ، الذين تميزت مؤلفاتهم بالموسوعية والعمق والشمول والتدقيق والاستقصاء ، والمنهجية العلمية الصارمة ، وأهم من ذلك كله الإيمان العميق والاعتقاد الراسخ في أصالة الثقافة العربية الإسلامية ، وريادتها ، وقيمتها الذاتية العالية ، وإسهامها المعتبر في مسيرة الحضارة الإنسانية بصفة عامة ، والمنافحة عنها وعن حقها في الوجود والحياة ،  في غير ما استخذاء ولا مغالاة. يضاف إلى ذلك ان معظم أولئك النفر ، كانوا يجيدون عدداً من اللغات الأوروبية ، فهم مطلعون اطلاعاً واسعا ومباشراً وواعياً على سائر المعارف والفنون والثقافات الغربية ، وبالتالي تتجلى قدرتهم على التعاطي الجاد والحوار الموضوعي المثمر مع الآخر الحضاري ، انطلاقاً من أرضية مشتركة ، دون جهل بالآخر ، أو رفض له ، أو انبهار مفرط به.
نعني بذلك أعلاماً مثل: أحمد زكي باشا " فارس العروبة " ، واحمد فارس الشدياق ، والأمير شكيب أرسلان ، وعباس محمود العقاد ، وزكي مبارك ، وحسن حسني عبد الوهاب ، وإبراهيم السامرائي ، ومحمود شاكر ، وشوقي ضيف ، وعبد الله الطيب ، وعمر فروخ ، وحمد الجاسر ، وحسين مؤنس ، وانور الجندي ، وناصر الدين الأسد ، وإحسان عباس ، ومالك بن نبي ، وعلي فهمي خشيم ، ونقولا زيادة ، والأب انستاس الكرملي علي سبيل المثال فقط.
تقرأ للواحد من هؤلاء ، فتحس أنك كائن راسخ الجذور ، وليس مجرد ريشة في مهب الريح ، او محض " تفصيلة " من تفاصيل التاريخ البشري كما يريد لنا البعض ، وان الثقافة والحضارة التي تنتمي إليها ، جديرة بالتقدير والاحترام والإكبار ، وقمينة بأن تتبوأ المكانة اللائقة بها تحت الشمس.
فهؤلاء النفر الكرام وأضرابهم ، رحمهم الله جميعاً أمواتاً وأحياء ، قد صانوا لهذه الأمة تراثها ، ونافحوا عنه ، وعملوا على تحقيقه ونشره ، وإبراز محاسنه في العالمين ، مؤثرين التركيز على النصف الممتلئ من كوب التراث ، ومشيحين عن اللجاج والمماحكة ، وافتعال المعارك في غير معترك  ، مما حفظ لأبناء الشرق توازنهم النفسي ، واعتدادهم بأنفسهم وبماضي أسلافهم ومنجزاتهم الثقافية والحضارية. وقد كان عبد الهادي التازي بحق ، نجماً ساطعاً من ضمن هذه الكوكبة النيرة. ألا رحمه الله رحمة واسعة ، وأجزل ثوابه في الفردوس الأعلى ، جزاء ما أسدى من أياد بيضاء على الفكر والثقافة في هذا الجزء من العالم.        
/////////