عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.لئن كان سجل الأساطير والقصص العربي القديم قد حفظ لنا قصة " زرقاء اليمامة " التي أنقذت قومها من مغبة هجوم ماحق كان يوشك أن يباغتهم به جيش عرمرم معادٍ لهم ، بأن أنذرتهم وحذرتهم منه ، بعد أن أبصرته وهو يزحف عليهم من بعيد ، بفضل ما أوُتيت من قدرة استثنائية على الإبصار من مسافات بعيدة ، ولئن ظل الفرنسيون يفخرون إلى يوم الناس هذا ، بمآثر بطلتهم " جان دارك " التي عاشت في أواخر العصور الوسطى ، فإن في تاريخنا السوداني بطلات عظيمات كان لهن من مآثر البطولة والشجاعة والفداء والوطنية الصادقة ما يملؤنا بالزهو والافتخار.
فمن بين هؤلاء البطلات السودانيات العظيمات ، امرأة اشتهرت باسمها الأول ولقبها الذي يبين انتسابها إلى قبيلتها فحسب ، ألا وهي: " رابحة الكنانية ". ارتبطت هذه البطلة بعمل بطولي فذ ، نفذته في شجاعة ووطنية نادرتين ، وفي مرحلة مفصلية وقعت متزامنة مع البدايات الأولى للثورة المفدية في السودان. ذلك بأن الإمام المهدي ، كان قد ارتحل بأنصاره من الجزيرة أبا بالنيل الأبيض إلى كردفان ، وانحاز بهم إلى منطقة " قدير " بجبال " تقلي " الحصينة في جوار المك " آدم أم دبالو " ، لكي يُحكم الاستعداد منها في تؤدة وأمان ، من أجل الاستمرار في الثورة ، ومنازلة قوات الإدارة الاستعمارية الغاصبة ، وذلك عقب نجاحه في الانتصار على قوات الحكومة بقيادة أبو السعود باشا ، وسلبها أسلحتها في أولى معارك المهدية في " أبا ".
علم راشد بك أيمن مدير فشودة بوصول المهدي وقواته إلى جبال تقلي ، فتحرك من هناك بتاريخ 9 ديسمبر 1881م ، في قوة مدججة بالسلاح والعتاد ، قاصداً مهاجمة معسكر الإمام المهدي في قدير ، بهدف القضاء على حركته قبل أن تستفحل ويشتد عودها. وقد بذل راشد بك قصارى جهده في كتمان أمر مسيره ذاك ، بقصد مباغتة المهدي وأنصاره ، وأخذهم على حين غرة بهجوم خاطف مدمر. ولكن رابحة الكنانية المذكورة ، كانت قد شاهدت حركة راشد بك أيمن وجيشه ، فامطلقت تعدو برجليها بكل ما أُوتيت من قوة ، ولمسافة طويلة جدا ، حتى وصلت إلى معسكر الإمام المهدي في قدير في الثلث الأخير من ليلة الخميس 16 محرم 1299 هـ ، الموافق 28 ديسمبر 1881م ، كما يخبرنا بذلك نعوم شقير في تاريخه الكبير ، فقصت عليه القصص ، وأخبرته بتدبير راشد بك ومسيره إليه. فاستعدّ المهدي وأنصاره لقوات راشد ، وكمنوا لها ، فأوقعوا بها هزيمة منكرة ، أسفرت عن وقوع عدد كبير من القتلى في صفوف الأعداء ، بمن فيهم راشد بك نفسه. وقد مثّل ذلك الانتصار في تلك الموقعة ، فتحاً معنوياً وعملياتياً ولوجستياً ودعائياً كبيراً ، ومهماً للغاية بالنسبة لدعوة الإمام المهدي ولثورته ، مما شجع المزيد من الناس من شتى أصقاع السودان على الانضمام إلى ركب الثورة وهم يرتجزون:
هوّاي .. هوّاي نسيرو
للمهدي في قديرو
ولكن ... من هي رابحة الكنانية هذه على وجه الدقة والتحديد والتفصيل ؟ لا تمضي جل المصادر التي عرضت لهذه الجزئية من تاريخ الثورة المهدية ، بما في ذلك كتاب: تاريخ وجغرافية السودان لنعوم شقير الذي أشرنا إليه آنفا ، إلى أكثر من ذكر الاسم الأول لهذه المرأة ، متبوعاً بلقبها الذي هو عي الواقع نسبتها إلى قبيلة " كنانة ".
أما كنانة التي تنتسب إليها البطلة رابحة الكنانية ، فهي قبيلة سودانية تنتسب إلى قبيلة كنانة العربية القديمة ، ويعيش أفرادها على ضفتي أعالي النيل الأزرق ، حيث يتركز معظمهم بنواحي سنار وسنجة ، وجنوب الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض. وإلى منطقتهم يعود اسم مشروع ومصنع سكر كنانة المشهور ، كما يشتهرون في هذه المنطقة بتربية واحدة من أجود سلالات الأبقار المعروفة بوفرة إنتاجها من اللبن.
ولقبيلة كنانة وجود قديم ومعتبر في كردفان شمالها وجنوبها كذلك ، وخصوصاً في مناطق الحمادي والدبيبات جنوب مدينة الأبيض ، ويستمر انتشارهم إلى الجنوب من ذلك حتى منطقة تقلي يشرق جبال النوبة ، وإلى هؤلاء الأخيرين كانت تنتمي بطلتنا رابحة الكنانية ورهطها.
هذا ، ومن أبرز أعلام كنانة بشمال كردفان: " الشيخ كباشي تور بُقُلْ " بضم الباء والقاف ، وهو مذكور في كتاب الطبقات لمحمد النور بن ضيف الله.
على أن الأستاذة الجامعية والباحثة الفرنسية الراحلة ، الدكتورة فيفيان أمينة ياجي ، رحمها الله ، تفيدنا في كتابها الموسوم ب " الخليفة عبد الله... حياته وسياسته " ، بأن الاسم الكامل لبطلتنا هو: " رابحة بت علي ود مرعي ". ولكن صديقنا الباحث والصحافي والشاعر الشاب الأستاذ " عماد محمد بابكر " ، يخبرنا في مخطوطة كتاب يزمع إصداره قريباً عن قبيلة كنانة وتراثها الشعبي ، اطلع كاتب هذه السطور على طرف من محتوياته ، أن الاسم الكامل الكامل لهذه البطلة هو: " رابحة بت حسن ود زايد الكناني العريقابي " ، نسبة للعريقاب ، وهم بطن من كنانة كانوا يسكنون على سفح جبل بمنطقة تقلي يقال له " الجرادة " في الزمان الذي وقعت فيه معركة راشد بك أيمن ، وفقاً لإفادة من أحد أبناء تلك المنطقة ، فالله أعلم أيُّ ذلك كان !.
ومهما يكن من أمر ، فإنّ ما صنعته البطلة رابحة الكنانية ، سوف يظل مأثرة خالدة أبد الدهر ، من مآثر البسالة والبطولة والتضحية تكلل هامات بنات السودان وأولاده كذلك ، بأكاليل المجد والعزة والفخار على مرِّ الأزمان ، وتعاقب الأجيال.