عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أوشكتُ أن أجعل عنوان هذه الكلمة كالآتي: " من عيوب قوافي شعر الغناء السوداني " ، ولكنني عدلت عنه إلى العنوان الموضح أعلاه ، نزولاً عند نصيحة صائبة ، وتوجيه سديد من صديق عالم وأديب وشاعر ، قال لي إنه لا ينبغي محاسبة قوافي شعر الغناء السوداني التقليدي ، المكتوب بداهة باللهجة العامية الدارجة ، بعيوب قوافي الشعر العربي الفصيح. وذلك لأن هذين الضربين من الشعر ، وإن كانا يرجعان إلى أرومة ثقافية جامعة واحدة ، إلاّ أنّ كلاً منهما قد نشأ وتطور في سياق لغوي وثقافي ومعرفي واجتماعي وفني مختلف نوعاً ما.
وكان مما زين لي المضي في تناول هذا الموضوع وفقاً للعنوان الذي فكرت فيه ابتداء ، أي: من عيوب قوافي شعر الغناء السوداني ، أنني قد وجدت العلامة عبد الله الطيب قد بيّن في الجزء الأول من كتابه الجامع والعمدة في بابه " المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها " ، جملة من عيوب القوافي التي يحرص الشعراء على تجنبها في نظمهم ما وسعهم ذلك ، فحاولت أن أصنع شيئاً من ذلك مع شعر الغناء السوداني على سبيل المقارنة والمقابلة ، وكذلك من قبيل محض المؤانسة والتسلية.
قال الدكتور عبد الله الطيب في معرض حديثه عن عيوب القافية:
" أجمع العلماء على استقباح: الإيطاء ، والإقواء ، والسِّناد ، والإكفاء ، والإصراف ، والإجازة ، والتضمين إن وقع منها في كلام شاعر .. أما الإيطاء ، فهو تكرار قافية بعينها ، والإقواء هو المخالفة بين حركات الإعراب في القوافي ، كأن يأتي بعضها مرفوعاً وبعضها مجرورا ، والإكفاء والإجازة والإصراف قيل هي الإقواء نفسه ، وقيل هي اختلاف حركات التوجيه والدخيل ، وقيل اختلاف أحرف الوري مع تقارب بينها في المخارج ، كأن يجئ الشاعر بطاء فيما رويُّه دال ، أو ميم فيما رويُّه نون.
وأنشدوا لابنة أبي مسافع ترثي أباها الذي كان من ضمن قتلى المشركين في بدر:
وما ليثٌ غريفٌ ذو   أظافير وإقدام
كحِبِّي إذا تلاقو       ووجوه القوم أقران " أ. هـ
قلتُ: الإصراف بمعنى الإتيان بأحرف روي مختلفة بسبب تقارب مخارجها ، كثير وفاش جدا في الشعر الشعبي في السودان ، سواء ما كان منه في الدوبيت أو المديح او غناء الحقيبة او حتى شعر الغناء الحديث. ومنه على سبيل المثال: قول الشاعر عوض احمد خليفة في أغنيته التي يؤديها العندليب الراحل " زيدان إبراهيم "
صحي اتغيرت انت خلاص
نسيت العُشرة يا سيد روحي والإخلاص
بقيت ظالم نسيت الناس
فتراه قد جاء بالسين قافية بعد الصاد لتقارب مخرجيهما.
ومنه كذلك قول الفنان: عثمان مصطفى متعه الله بالصحة والعافية:
بعد الرحيل    عاد الأمير
فأتبع اللام الراء لتشابههما في النطق.
وكان صديقي الامين كاكوم معجباً بمقطع من غناء الطمبور الكردفاني تتمثل فيه هذه ظاهرة الإصراف هذه وهي قول الطمباري:
كلتومة بت بخيت
سندوك البسكويت
انت حاجة لذيذة
لكن ضبحتي الديك !!
وهنا جاء الناظم بقافية الكاف بعد التاء لتشابه المخارج أيضا.
ومنه أيضاً  قول  فتاة بدوية عاشقة من كردفان:
يا خيط الكروري
ريدك قدّ زوري
منسير معاك .. ناس أمي شن ببقولي
فجاءت بحرف اللام في القافية بعد الراء للتشابه الصوتي الكائن بين هذين الحرفين.
ويعلق صديقي الشاعر ابراهيم الدلال الذي أوقفني على هذا الشاهدعلى حال هذه الفتاة بقوله: " لقد تبلها هذا العشق حتى أنكرت قراباتها من الدرجة الأولى ! " ، بما في ذلك أمها التي من المفترض ان تكون اولى الناس بحسن الصحبة كما جاء في الأثر الشريف.
أما التضمين فهو كما يقول العلامة عبد الله الطيب: أن تُعلق قافية البيت على ما بعدها فلا تكاد تستقل بنفسها ، ولا يكتمل المعنى في البيت لوحده ، إلا إذا قُرأ ما بعده. واستشهد العلامة لذلك بقول النابغة:
وهم وردوا الخبار على تميمٍ   وهم أصحاب يوم عكاظ إني
شهدتُ لهم مواعد صادقاتٍ    أتينَهُمُ بصدق الودِّ مني
كما تمثل بقول الفرزدق:
فلم أر يوماً كان أكثرَ باكياً     وأكثرَ لطماً للخدود الذوارفِ
من اليوم للحجّاج إذ يندبونه     وقد كان يحمي مضلعات المكالفِ
ومن أمثلة التضمين في شعر الغناء السوداني ، قول سيد عبد العزيز مما يغنيه كرومة:
تفوق نيشان ممتاز في صدور
العُظما المثّلو أعظم دور
ذلك بأن الوقوف عند كلمة (صدور) وحدها في البيت او الشطر الأول لوحده ، لا يتحقق منه المعنى كاملاً ، إلا اذا قرن بالشطر التالي على الفور.
ومنه أيضا قول الطاهر إبراهيم وغناء إبراهيم عوض في " الذكرى الجميلة ":
جيتك حزين أسبابي هِيَّا
بطلب مزيد من عطفك ليّا
والرحمة عندك .. بخلان عليّا .. الخ
فالشطر الأول لا يُتحصل منه أي معنى بمفرده ألا متصلاً بالشطر الثاني.
كذلك ارتكب النعام آدم ، او بالأحرى شاعره سناداً طفيفاً في قوله
ما دام طار جنى الوزِّين
يا دوبو قلّ نوم العين
وذلك نسبة لاختلاف حركة الياء في الشطر الأول في كلمة الوزين التي جاءت مكسورة كسرا محققا ، عن الياء التي في الشطر الثاني أي  في كلمة العين ، حيث انها جاءت ممالة بسبب إمالة حرف العين نفسه. 
هذا ، ومن بديع النظم في شعر الغناء السوداني في الختام ، مما له مقابل في الشعر العربي الفصيحمتمثلاً في ما يسمى بظاهرة التشريع ، قول الشاعر المبدع الرقيق " محجوب سراج " في رائعته التي يتغنى بها المطرب الكبير " صلاح مصطفى ":
ما بغيرني صدودك عني
ولا بحولني غرورك يوم
والشاهد هو تفنن الأستاذ صلاح مصطفى في تلحين هذا المقطع ، وتنويع تقطيع مصاريعه بحيث انه أداه مرة كما تقدم ، ومرة أخرى هكذا:
ما بغيرني ولا بحولني
صدودك عني وغرورك يوم
وهذا يسمى التشريع في نظم  الشعر العربي الفصيح ، ونظيره فيه هو قول الحريري في المقامات:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها شرك الردى وقرارة الأكدار
دار متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا تبا لها من دار
ذلك بأن هذا المقطع يمكن إعادة تصريعة على نفس المنوال هكذا:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها شرك الردى
دارٌ متى ما أضحكت في يومها أبكت غدا
هذا ، وهنالك أمثلة كثيرة للمقارنة في هذا الباب يضيق المجال عن استقصائها جميعها هاهنا.