عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
ليس هنالك شهر من شهور السنة تحتشد فيه الحواس جميعها وتتحفز ، بل تستمتع بمدركات متميزة ومحببة إلى النفس ، تظل تعلق بوجدان المرء منذ الطفولة وطوال سني عمره الذي يقسمه الله له مثل شهر رمضان المعظم. ولعل هذه حقيقة يستوي فيها المسلمون جميعهم في شتى أنحاء العالم. ذلك بان ما يسمعه الفرد المسلم ويتذوقه ويراه ويشمه في رمضان يختلف ويتفرد عما يلاقيه في سائر العام ، وليس السوداني المسلم ببدع في هذا المجال بطبيعة الحال.
فروائح مشروب الآبريه أو (الحلو مر ) المميزة على سبيل المثال ، تظل تعبق في طرقات المدن والقرى في البلاد منذ شهر شعبان في كل عام حيث يشرع في صناعته منذ فترة مبكرة استعدادا لتقديمه في موائد الإفطار في الشهر الفضيل ، بينما تكون موائد الإفطار نفسها عامرة بمأكولات ومشروبات معينة وذوات مذاقات محددة تكاد تكون مرتبطة حصراً برمضان مثل: العصيدة ، والقراصة ، والنشا ، وسلطة الروب ، وأصناف الحساء ، والبليلة بأنواعها من  عدسية ، وحمصية ، ولوبياء ، وفريك أو (مليل) ، وأم جنقر ، وكذلك الرقاق ، والأرز باللبن وخصوصاً عندما تبيت منه بقية شبه محترقة أو " شائطة " في قعر الحلة  لصباح اليوم التالي ، يلتهمها الصغار في لذة متناهية ، إلى جانب المشروبات الرمضانية المميزة مثل عصائر القونقليس وقمر الدين والكركدي وغيرها.
أما في مجال المسموعات ، فقد ظل رمضان في السودان  يتميز بسيمفونية رائعة من الأصوات والأنغام الجميلة طوال الشهر والتي تأتي في مقدمتها أصوات المصلين والتالين للقرءان الكريم والمؤذنين والمداح والمنشدين والخطباء والوعاظ و" المسحراتية " وطبولهم. فإذا ما تركنا عالم الروح إلى عالم الجسد وجدنا بعض الأصوات الخاصة التي ارتبطت عادة برمضان – على الأقل في وجدان وخيال كاتب هذه السطور منذ الطفولة – فمن ذلك مثلا صوت موسيقى آلة القانون وتقسيماته البديعة المنبعثة من أجهزة الراديو قديما والتلفزيون او كليهما حديثا ، والتي تتماهى مع أصوات قرع أواني المائدة الرمضانية من " كورات أو كواري " وجكوك ، وأكواب وملاعق واضطرابها في الصينية وهي تحمل.
وعلى ذكر الراديو والتلفزيون  وما يبثان من موسيقى ، هنالك بعض الأغنيات والموشحات الدينيية ذات الروحانية العالية التي ارتبطت بالبرامج التراثية والدينية في السودان وخصوصا في رمضان ، مثل أوبريت " الثلاثية المقدسة " الذي تؤديه كوكب الشرق وسيدة الغناء العربي " ام كلثوم " من كلمات " صالح جودت " ، وتلحين " رياض السنباطي:
رحاب الهدى با منار الضياء    سمعتك في ساعة من صفاء
تقول انا البيتُ ظلُ الإله         وركنُ الخليل أبي الأنبياء
على أننا قد لاحظنا أن هنالك عملاً موسيقيا عالميا قد ظل مرتبطاً ببرمجة رمضان في الإذاعة السودانية منذ عدة سنوات ، وخصوصا فترة المنوعات التي تبث عادة خلال فترة ما بعد الظهيرة. ذلك العمل الموسيقي هو عبارة عن مقاطع من أغنية " لمبادا " Lambada  ، وهي أغنية برازيلية الأصل تصاحبها رقصة معينة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي ، ولكنها لم تشتهر وتنتشر عالميا إلا في التسعينيات منه ، بعد ان سجلتها مجموعة " كاوما " Kaoma  الغنائية الفرنسية لأول مرة في عام 1989م  كما تخبرنا بذلك موسوعة ويكبيديا على الشبكة العنكبوتية. وقد تم تصوير مقاطع تلك الأغنية على رمال شواطئ مدينة " ترانكوسو " البرازيلية ،  وبمشاركة المغنية البرازيلية " لوالوا براس ". فمن شاء أن يستمع إلى Lambada Kaoma فما عليها إلا أن يقوقلها أو يويتبها " من يوتيوب  " ولكن بعد الإفطار !.
وفيما يلي ترجمة عثرنا عليه للمقطع الأول من هذه الأغنية التي تؤدى بلغتها الأصلية البرتغالية:
باكياً سيتذكر ذلك الحب في يوم من الأيام
لم يكن يعرف كيف يحافظ عليه
وهذه الذكريات تكون معه أينما ذهب
لم يكن يعرف كيف يحافظ عليه
وعلى الرغم من أن موسيقى هذه الأغنية عذبة وشجية ، ولحنها رائع وبديع ، مما جعلها تنال استحسان جماهير المستمعين في شتى انحاء العالم ومن بينهم السودانيون الذين عرفوا بالآذان الموسيقية المثقفة والرحبة ، التي تستطيع تذوق مختلف انواع الموسيقى ، وخصوصاً اللاتينية مثل: الرومبا والسامبا الخ ، ولا بأس بالتالي من أن تذاع لهم لكي تبث في نفوسهم البشرى والفرح بقرب موعد الإفطار ، إلا ان من المستحسن أن يكون ذلك البث صوتا فقط من غير صورة كما تفعل الإذاعة الآن ، ذلك بان الرقصة المصاحبة لهذه الأغنية ، هي مما لا يليق النظر إليه في نهار رمضان ، وكل عام وانتم بخير.