عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

صدر عن مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان  في بحر هذا العام 2014م ، كتاب بعنوان: " دار حَمَر: دروب وظلال على الرمال " من تأليف الدكتور " الحاج سالم مصطفى ". والدكتور الحاج سالم مصطفى ، هو من مواليد بلدة " صُقع الجمل " التابعة لمركز النهود حاضرة " دار حَمَر " بولاية غرب كردفان. وهو خبير وأستاذ جامعي متخصص في علوم المكتبات والمعلومات ، حيث حصل على ماجستير في علوم المكتبات من جامعة " ليدز " Leeds، ودكتوراه في علوم المكتبات والمعلومات من جامعة " ويلز " Wales ببريطانيا. وقد عمل بتدريس هذين العلمين لعدة سنوات بالجانعات السودانية ، كما عمل في الإدارة والتدريس الجامعي في كل من سلطنة عُمان ودولة الإمارات العربية المتحدة ، وهو ما يزال يقيم ويعمل بإمارة " أبو ظبي " حتى الآن.

لقد اتاحت لي تقنية الاتصالات الحديثة منذ بضعة أعوام في الواقع ولحسن الحظ ، فرصة ثمينة وسعيدة للتعرف  من على البعد على الدكتور سالم ، فنشأت بيننا بفضل الله معرفة وصداقة وتراسل من دون ان نلتقي كفاحاً حتى الآن. وإنما كان ذلك بسبب ملاحظاته وتعليقاته التي كان يرسلها إلى مباشرة عير البريد الالكتروني ، على ما ظللت أنشر من بعض المقالات في مواضيع مختلفة من خلال بعض المواقع الإسفيرية.

أما وقد أصدر الأخ الدكتور الحاج سالم هذا السفر المفيد والممتع حقاً عن دار حَمَر ، فإنني احسب أن الفرصة قد واتتني لكي أرد له التحية ، بل ولكي أرد التحية مقرونة بالمحبة والتقدير لأهلنا في دار حمر جميعاً ، ولحاضرتهم الباذخة مدينة النهود " الآسر شبابا " على وجه الخصوص ، هذه المدينة التي هي مسقط رأسي ، ولذلك قصة أرجو ان أعود إليها بالتفصيل في يوم ما من الأيام بإذن الله.

المهم ، أنني وُلدتُ بمدينة النهود في " فريق الشايقية " ، وقد كنا في طفولتنا الباكرة طوال عقد الستينات من القرن الماضي ، نتردد كثيراً على النهود في العطلات الصيفية لزيارة جدتي لأمي الحاجة " أمونة بت تِرس " طيب الله ثراها وأنزل عليها شآبيب رحمته ، وقد كانت امراة صالحة لها علاقات رحم ومصاهرات واشجة مع عدة أسر معروفة داخل مدينة النهود.

لقد كان السفر بين الأبيض والنهود على متن اللواري ، تجربة مثيرة للغاية بالنسبة لي كطفل صغير ، وخصوصاً  في فصل الخريف ، أوان لم يكن شارع الأسفلت الحالي الذي يربط بين هاتين المدينتين قد شُيد بعد ، وكانت اللواري  تتعطل أثناء السير احياناً بسبب الأعطاب مثل: كس " عمود جنب " او " عمود طوالي " الخ ، او بالسبب الغوص في الرمال او الأوحال من جراء الأمطار الغزيرة التي يضطر السائقون والمساعدون معها احياناص إلى تغطية الركاب والبضائع بأغطية " مشمعات " كبيرة وثخينة مصنوعة من التيل.

وما تزال تلوح في مخيلتي ذكريات تلك الرحلات ومرائيها ، بما في ذلك أسماء القرى التي كنا نمر بها او قريباً منها مثل: ام صميمة والعيّارة ، ومركب وخماس والخوي ، وبيار منعم ، وجبل حيدوب الخ ..

ولا شك ان للنهود سمتاً و شخصية تختلف عن شخصيات الكثير من المدن السودانية الأخرى ، إذ عندي خاصةً ان السكة حديد قد طبعت جل مدن السودان بطابعها ، بمعنى انها قد جعلت منها نسخاً متطابقة كثيراً أو قليلا. فأيما مدينة في السودان يمر بها خط السكك الحديدية ، ويصلها بالتالي مادياً ومعنوياً كذلك بالعاصمة الخرطوم ، مهما بعُدت جغرافياً كنيالا أو حلفا أو بورتسودان ، يتولد لدى المرء بإزائها أحساس بأنها موصولة الأسباب بالمركز الذي يحمله إليها القطار حملا ، فيما عدا المدن التي هي Off railway مثل: النهود ، والدويم ، ودنقلا ، والفاشر ، ورفاعة ، والقطينة مثلاً ، فهذه المدن المذكورة والنهود من بينها بالطبع ، لا تدين في مدنيتها وتحضرها للسكة حديد ، وإنما لوسائل نقل وسبل كسب عيش وانماط حياة اجتماعية مختلفة.

على ان النهود هي أول مدينة أو مجتمع حضري انطبعت مشاهده على مخيلتي وذاكرتي الطفولية على الإطلاق. وفيها دخلت السينما لأول مرة ، وفيها شاهدت أول حفلة غنائية حية في حياتي ، وكان ذلك في صيف عام 1967م على ما أذكر ، وكان حفلاً أحياه بمسرح سينما المدينة الفنانون: محمد ودي ، وسيد خليفة ، وحمد الريح. وقد صرت من بعد ، كلما استمعت إلى أغنية " إلى مسافرة " أو " حليلو قال ناوي السفر " ، أتذكر ذلك الحفل ، واتذكر النهود ، واتذكر طفولتي.

كانت النهود ، ما تزال ترتبط في مخيلتي بمميزات وملامح خاصة خاصة بها ، تمتاز بها من سائر مدن السودان بما في ذلك سائر مدن وقرى كردفان نفسها التي أنتمي إليها. فمن بين تلك الملامح المميزة تلك البرك الكبيرة أو " الفولات " التي تجتمع فيها مياه الأمطار ، وكذلك الأبار الكثيرة المنتشرة حول تلك الفولات لسقيا الناس ، وخصوصاً الدواب. ومن بين تلك الفولات الفولة الكبيرة التي تقع في وسط المدينة على مقربة من نادي السلام احد أشهر معالم النهود ، والذي يعود تأسيسه إلى العام 1917م. وهل ما يزال سياجه الأخضر المميز باشجار التمر هندي والحناء قائما ؟..

كذلك ارتبطت النهود عندي بتلك الحجارة الجيرية التي تينى بها المنازل ، والتي يسمونها " مُنْقُر مُنقُر " ، بضم الميم وسكون النون وضم القاف تُنطق مكررة ، وهي شبيهة بتلك الحجارة المرجانية التي كانت تبنى بها منازل سواكن الأثرية ، وما زلت أتساءل عما إذا كانت مادة تلك الصخور الجيرية تصلح لصناعة الأسمنت أم لا ؟؟..

وفي النهود أيضا شاهدت وسمعت بأنواع من النباات والأشجار والثمار التي لم يكن لنا بها عهد في ديارنا الأصلية بشمال شرق كردفان او ما تسمى ب " دار الريح " ومن ذلك أشجار التبلدي وثمارها أو " جراؤها " المميزة ، والحميض وهي ثمرة صفراء لذيذه تشبه البرقوق شكلا ومذاقا ، وفول " أبونقوي " ، وفيها رأيت وتذوقت لأول مرة ثمرة " أبو ليلا¬ " وهي ثمرة مستديرة إلى بيضاوية الشكل ، تغطيها قشرة بنية فاتحة ، بداخلها نواة صلبة مغلفة بطبقة من مسحوق هش مخضوضر اللون ، حلو المذاق. وربما جُلبت صنوف منه إلى سوق " أب جهل " بالأبيض ، إذ أن هذا السوق هو السوق الشعبي الفولكلوري الأول لسائر غرب السودان ، وبلغني أنه الان قد أصبح عمارات شاهقة ، فلله الأمر من قبل ومن بعد.


والآن بعد هذا الاستطراد مع ذكريات حبيبة إلى نفسي ، وهي ما تزال عالقة بذهني ووجداني على تطاول العهد بها ، والتي إنما أوردتها هاهنا من قبيل التداعي ولأن  الشيء بالشيء يُذكر ، أعود إلى انطباعاتي وملاحظاتي وتعليقاتي على كتاب الدكتور الحاج سالم مصطفى الموسوم ب " دار حَمَر: دروب وظلال على الرمال ". فليعذرني القارئ الكريم على ذلك الإسهاب.

قام بالتقديم لهذا السفر القيم ، الأستاذ الكبير " إبراهيم منعم منصور " ، نجل الشيخ " منعم منصور " ، ناظر عموم " حَمَر " منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي ، والسياسي والاقتصادي المعروف ، الذي شغل منصب وزير المالية في السابق في ظل الحقبة المايوية ، ورئيس مفوضية تخصيص ومراقبة الإيرادات المالية التي أُنشئت بُعيد توقيع اتفاقية السلام الشامل في السودان في عام 2005م ، وهو يشغل حالياً منصب رئيس مجلس إدارة مركز " مامون بحيري " للدراسات الاقتصادية.

لقد أورد الأستاذ إبراهيم منعم منصور في معرض تقديمه لهذا الكتاب ، كلاماً نفيساً غاية في الموضوعية والسداد ، أوضح من خلاله رأيه ووجهة نظره في كتابة التاريخ بصفة عامة ، وذلك على اعتبار ان كتاب الدكتور الحاج سالم يتعرض بالضرورة للبعد التاريخي في تعاطيه مع موضوع الكتاب. ففي هذا الباب يقول الأستاذ إبراهيم منعم منصور: " .. وبعض المؤرخين لغرض ما ، يتجنبون أن يذكروا بعض أهم الأحداث لما قد تسببه لهم من حرج ، كما لا يرضون لغيرهم ان يتعرضوا لها ، رغم أنها لا يكتمل التاريخ إلا بها ، حتى لا ينالهم الاتهام بالتقصير أو الغرض .. الخ " أ. هـ من الصفحتين 11 و12 من الكتاب.

وأصل هذا الكتاب كما يقول المؤلف نفسه ، عبارة عن مقالات متفرقة ، كان قد بدأ في نشرها منجمّة بموقع النهود الالكتروني على الشبكة العنكبوتية ، ثم رأى ان يجمعها في شكل كتاب ، على أمل أن يساهم ذلك الكتاب ولو بالقليل كما قال " في التعريف ببعض الجوانب التاريخية والاجتماعية والثقافية لدار حمر التي ربما تكون خافية ، أو غير معروفة للكثيرين .. الخ " أ. هـ من مقدمة الكتاب بقلم المؤلف ، الصفحتان 23 و24.

لقد استعان الدكتور الحاج سالم مصطفى في تأليف كتابه هذا ، بقدر معتبر ومتنوع من المصادر والمراجع الخطية في تاريخ حَمَر وتراثهم وثقافتهم ، سوى الإفادات الشفاهية التي لا بد انه قد استقاها من أفواه عدد كبير من الرواة العلميمين بتاريخ المنطقة وتراثها وأخبارها.

وقد شملت تلك المصادر والمراجع المكتوبة او المنشورة: المخطوطات وأوراق النسبة ، ومذكرات الإداريين البريطانيين الذين عملوا في المنطقة ، وكتب الرحالة ، وكتب الطبقات والشخصيات والمعاجم اللغوية ، وكتب التاريخ العام ، ومجموعة من المقالات والدوريات ، والرسائل الجامعية ، والمقالات المنشورة ضمن كتب ، وتلك المنشورة ببعض المواقع الالكترونية ، إلى جانب عدد من الوثائق المودعة ببعض دور الوثائق الأرشيفية مثل دار الوثائق القومية بالخرطوم ، ومجموعة أرشيف السودان بجامعة درم ببريطانيا ، فضلاً عن بعض المراجع المتخصصة في الجغرافيا والخرائط ومعاجم الأسماء الجغرافية السودانية.

أول ما استوقفني في هذا السفر الماتع ، هذه القصة الطريفة التي أوردها المؤلف بوصفها إحدى الروايات التي وقف عليها في معرض تقصيه لأصل قبيلة " حَمَر ":

" زعموا أن جد حَمَر كان قد خُلق في الأصل كتبلدية (حُمراية ) في الزمن القديم ، قبل أن يتحول إلى إنسان. وفي ذات يوم ، هبّت رياح عاصفة أدّت إلى سقوط إحدى ثمار (جريوات) هذه التبلدية على الأرض حيث انقسمت إلى ثلاثة أجزاء:

طار الأول ومنه جاء (الطرادات) ، واندقّ الثاني على الأرض كالدقيق ومنه جاء (الدقاقيم) ، اما الثالث فقد انغرس في الأرض ومنه جاء (الغريسية). انتهى الاقتباس من صفحة 35 من الكتاب.

أما الطرادات والدقاقيم والغريسية المذكورين في هذه الحكاية ، فهم بطون قبيلة (حَمَر) الرئيسية ، ولعمري فإن المؤلف قد صدق عندما علّق على هذه الرواية بقوله: " ليس لنا حاجة للقول إن قصة " جريوات التبلدي " إنما هي مجرد أسطورة ، وقد وردت هنا للدلالة على الحيرة في معرفة أصل حمر.

ولا شك في أن هذه القصة الطريفة ، التي تبنّت نوعاً فريداً من الطوطمية " النباتية "  التي لم يسمع بها " جيمس فريزر "  مؤلف كتاب " الغصن الذهبي ، أو The Golden Bough   نفسه ، إنما هي محض تلفيق يندرج في إطار ما يسمى بتخريجات العامة أو ال Folk Etymology  التي لا أساس لها من الصحة ، وإنْ بدت مسلية وطريفة في بابها. هذا ، وقد سوغ هذا المذهب لبعض الكتاب الآوروبيين مثل مكمايكل ان يفترضوا بصورة اعتباطية تحت تأثير هذه الطوطمية الجزافية ،  عندما يجدوا بطنا من قبيلة سودانية ما اسمه مثلا " أولاد بعشوم او البعاشيم " بان ذلك البعشوم أي: ابن آوى كان طوطمهم في الزمان القديم ، وفي ذلك إبعاد للنجعة في كثير من الأحيان بكل تأكيد.

وعندي أن حكاية رد أصل الحمر إلى تلك التبلدية او " الحمراية " كما يسمونها على النحو الذي جاء في تلك القصة ، لا يعدو هو الآخر أن يكون تلفيقا ، وقد لا يخلو من صنعة المتعلمين والأفندية ، ربما من بعض المستهبلين من " عيال حمر " أنفسهم. ذلك بان لغة القصة والمفردات المستخدمة فيها مثل: اندق وانغرس ، هي ليست من لغة العوام والأميين من أهل المنطقة ، وهذه القصة هي بالتالي شبيهة تماما بالتخريج الشائع لاسم الخرطوم ، والذي يقول بان العاصمة السودانية قد سميت بهذا الاسم لأن هيئته موقعها الطبيعي يشبه " خرطوم الفيل " ، هذا مع العلم بان عوام السودانيين لا يسمون ذلك العضو من أعضاء جسم الفيل " خرطوما " في عاميتهم ، وإنما هو إما " فرطلّة " أو " زلومة " والأخيرة أشبه باللهجة المصرية. بل ان السودانيين لا يسمون خرطوم المياه نفسه خرطوما مثل سائر العرب المعاصرين ، وانما يقولون له: " خرطوش " بالشين في آخره ، ومن هناء جاء خطل تخريج اسم الخرطوم بخرطوم الفيل.

على أن لقصة التبلدية هذه وارتباطها بأصل قبيلة حمر دلالة انثربولوجية مؤكدة وغاية في الأهمية. ذلك بأنها تعكس عمق ارتباط أفراد هذه القبيلة بهذه الشجرة المعمرة وذات الفوائد الجمة بالنسبة لسكان تلك المنطقة. ففي جوفها يختزن الماء للشرب خلال فصل الصيف ، وذلك نسبة لندرة الآبار ومساقط المياه الأخرى بالمنطقة نتيجة لطبيعة التكوين الصخري هناك ، ومن لحائها تصنع الحبال ، ومن ثمارها يصنع شراب القونقليس المنعش ، ومديدة " ام برطبّو " اللذيذة ، ومن براعم أوراقها تصنع سلطة " العفوس " الشهية ، وتحت ظلالها الوارفة يجلسون لمختلف الشؤون والأغراض.

لاحظت أن الدكتور الحاج سالم قد رجع في تاريخ " حَمَر " ، وأشجار النسب الخاصة بمختلف بطونهم وبدناتهم ، على مؤلفي السير هارولد مكمايكل : " تاريخ القبائل العربية في السودان " الصادر في عام 1922م History of the Arab Tribes in the Sudan و" قبائل وسط وشمال كردفان " Tribes of Northern and Central Kordofan الصادر في عام 1912م ، في لغتهما الأصلية ألا وهي الإنجليزية ، ولعل المؤلف لم يكن على علم بان هذين الكتابين المهمين قد تم تعريبهما بالفعل ونشرهما داخل السودان خلال الأعوام القليلة الماضية ، حيث جاءت ترجمة الكتاب الأول بجزئيه الأول والثاني على يد الأستاذ " سيد علي محمد ديدان " المحامي ، بينما قام بتعريب الثاني صديقنا الأستاذ " سيف الدين عبد الحميد ". فهما يستحقان عاطر الشكر والثناء من سائر القراء والباحثين على ما أسديا من خدمة جليلة للمعرفة في السودان في هذا الباب.

خطاب الشيخ " مكي ود منعم " المكنى ب " أبو المليح " زعيم الحمر في منتصف القرن التاسع عشر إلى الشيخ " فضل الله ود سالم " زعيم الكبابيش الذي كان معاصراً له ، والذي يسخر فيه الأول من الأخير بسبب الهزيمة التي مُني بها الكبابيش على أيدي الحمر في معركة أو " دوسة العقال " التي حدثت في حوالي منتصف ستينيات ذلك القرن ، والذي نشر نصه الأصلي وترجمة له إلى الإنجليزية البريطانيان " هيللسون وديفيز " S. Hellelsonو R. Daviesبعدد سنة 1930 من مجلة: السودان في رسائل ومدونات ، يُعتبر نموذجاً ذا دلالة خاصة تشير إلى بعض خصائص النثر العربي في السودان في تلك الحقبة ، علاوة على طرافة أسلوبه الذي لم يخل من شئ من الفحش والإقذاع في الهجاء الذي فرضه منطق الحرب والمصادمة فيما يبدو ، كما أملته روح البداوة والعفوية ، بل البراءة الريفية التي تتجانف عن الاحتراز في الحديث واصطناع التهذيب في المخاطبة التي هي من سمات أهل الحضر ، حتى أن المترجمين البريطانيين قد اضطرا تحت وطأة نوع من النزعة التطهرية البروتستنتية التي كانت سائدة آنئذ ، إلى ترجمة الألفاظ والعبارات النابية التي وردت في الخطاب إلى اللغة اللاتينية.


ولكن .. ألا يعكس حرص الاستعماريين على التوثيق لتلك الواقعة بعد أن مضت عليها عقود متطاولة ، ونشر أدبياتها عبر أرقى وأرصن إصدارة علمية من نوعها وفي زمانها ذاك في السودان ، ألا يعكس من طرف خفي ، شيئاً من كيد أولئك الاستعماريين ومكرهم المعروف والمتمثل في السعي إلى الإبقاء على نيران الإحن والثارات والمرارات القديمة متقدة بين مختلف مكونات المجتمع السوداني ، وخصوصاً بين قبائله الكبرى ، عملاً بشعارهم القديم والمتجدد أبدا: فرّق تسد ؟.

ولعل مما يمكن ذكره في هذا السياق ،أن مجلة السودان في رسائل ومدونات هذه نفسها ، قد نشرت في أحد أعدادها أيضاً ، مهاجاة شعرية مُرّة ، مثل نقائض جرير والفرزدق ، بين شاعر " شايقي " ، وآخر " دنقلاوي " ، جمعت بينهما زمالة العمل معاً في مصلحة السكك الحديدية. فالراجح هو أن هذه من تلك ، إذ الهدف واحد. قال الشاعر الشايقي فيما قال:

نحن شوايقة وعبابيس

نقرا كتب الدين والحديث الخ

يفخر باتصال نسبه بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه.

فرد عليه الشاعر الدنقلاوي متهكما بما معناه: ان انتسابكم للعباس مثل انتساب الأهرامات لأبي الهول ، والقصيدتان بترجمتهما إلى الانجليزية ، منشورتان بطولهما في مجلة السودان في رسائل ومدونات المذكورة.

يذكر المؤلف في صفحة 42 من كتابه أن الكثير من أخبار حمر ترد في مرويات سلطنة دار فور ، حيث أشار إليهم – كما قال – معظم الرحالة الأجانب الذين زاروا دار فور أمثال: أنسور Ensor ، وناختيقال Nachtigal ، وبالم Pallme وروبيل Ruppel ، كما ذكرهم المؤرخ محمد بن عمر التونسي في معرض كلامه عن عهد السلطان سليمان الأول.. ويمضي المؤلف إلى القول موضحاً " الروايات تذكر أن مهد قبيلة حمر الأول هو في دار الطويشة في شرق دار فور ن بين البرتي والبقارة الرُّحل .. " أ. هـ من صفحة 43.

وفي الواقع ، فإنه بالرجوع إلى العديد من المصادر ، يبقى لدى الواحد انطباع بأن دار فور هذه ، قد كانت في القرن الثامن عشر فما قبله ، عبارة عن خزان بشري هائل ، عاشت فيه جل القبائل العربية الرعوية التي تعيش في كردفان حالياً ، وخصوصاً في غربها وجنوبها الغربي ، والتي عمدت طوعاً او اضطراراً إلى الرحيل شرقاً ، فاستوطنت كردفان لأسباب مختلفة. ذلك بأن التونسي مثلاً ، يؤكد في كتابه الذي ألفه عن رحلته إلى دار فور التي تمت في عام 1803م ، أنه وجد هنالك العديد من القبائل الرعوية الموجودة حالياً في كردفان مثل: الحمر والبزعة والمجانين وغيرهم.

وهذه المعلومة لعلها تعضد الفرضية التي تذهب إلى أن جل القبائل العربية القاطنة في غرب السودان ، إنما دخلت السودان عبر حدوده الغربية ، أي عن طريق دار فور ، بعد أن كانت قد وصلت إليها من الشمال الإفريقي مروراً بتشاد.

ولعل من أقوى الأدلة على فرضية الأصل المغاربي أو الشمال إفريقي للعديد من القبائل البدوية بغرب السودان عموما ، التشابه الكبير بين خصائص اللهجات العربية بغرب السودان ، ولهجات الشمال الإفريقي بصفة عامة ، وهذا لعمري موضوع كبير ، ربما يتطلب تفصيله دراسة مستفيضة ، يضيق المجال عنها هاهنا ، وحسبنا – مع ذلك – أن نشير إلى واحد من المراجع الرائدة التي عرضت لهذا الموضوع بتوسع ، ألا وهو كتاب الروائي والقاص المعروف الأستاذ " إبراهيم اسحق إبراهيم  الموسوم ب " هجرات الهلاليين إلى السودان ".

على أنني قد لاحظت مثلاً ، وعلى سبيل المثال فقط ، أن " الحَمَر " و " دار حامد " أيضاً ، يسمون " الضفدعة ": " الجِرانة " ، وهذا هو ذات الاسم الذي يُعرف به هذا الحيوان البرمائي في سائر بلاد المغرب العربي من لدن ليبيا شرق وحتى موريتانيا غربا مما وقفت عليه بنفسي وتحققت منه ، بينما يسمي سائر السودانيين هذا الحيوان " قعونجة " او " قعوية ". وتمحّل لها العلامة عبد الله الطيب أصلاً عربياً فصيحاً ، فزعم أنها مشتقة من الفعل " أقعى إقعاءاً ": أي جلس على هيئة معينة. ولكن الملاحظ أيضاً أن " قعونجة " هذه بدأت تختفي من كلام السودانيين نوعاً ما مؤخرا ، إذ جعلوا يتبنون اللفظة العربية الفصيحة " ضفدعة " ، وذلك بفضل انتشار التعليم الذي يعمل دائباً وبلا شك على تقريب سائر العاميات من اللغة الفصحى.

ذكر المؤلف في معرض حديثه عن القبائل المختلفة التي استوطنت في " دار حمر " ، وصارت جزءاً من نسيجها الاجتماعي المنسجم والمتجانس والمتسامح الذي وصفه أحد زعماء القبيلة الأفذاذ محقاً بأنه: " فروة نمر " ، وذكر قبيلتي " المناصرة " و " بني فضل " ، فقل عن هاتين القبيلتين ما يلي:

".. أكثر الهجرات تمت من المناصرة وبني فضل ، حيث ظلت هذه القبائل في دار فور لوقت طويل منذ قدومهم من البحر ، حيث ما زال يعيش أبناء عمومتهم المناصير والفضليين في أبو حمد .. الخ " أ. هـ من صفحة 47 من الكتاب.

والواقع هو أن حُذاق النسابة المحليين في كردفان ، يقولون إن " المناصرة " هم " المناصير " انفسهم الذين يعيشون في الشمال بين الرباطاب والشايقية ، انحازت طائفة منهم إلى غرب السودان منذ بضعة قرون ، فتغير اسمهم هذا التغيير الطفيف من " مناصير " إلى " مناصرة ". وأما " بنو فضل " أو " بني فضل " كما يُعرفون في كردفان ، فيقول عنهم النسابة أنهم طائفة من " الفاضلاب "  الذين يعيشون في مناطق الدامر وبربر وخصوصاً " أم الطيور " ، وليس أبو حمد كما قال المؤلف ، لأن " أبو حمد " هي قصبة بلاد الرباطاب. ويبدو أن جماعة منهم قد هاجرت هي الأخرى إلى دار فور أولا ، ومنها نزحت إلى كردفان لاحقا ، فاستوطنوا (دار حمر).

أما الصيغة الفصيحة " فضليين " التي استخدمها المؤلف للإشارة إلى " الفاضلاب " أو " بني فضل " ، فهي ذات الصيغة التي استخدمها الشيخ محمد ود ضيف الله ، صاحب كتاب " الطبقات " ، والذي ينتمي هو نفسه إلى " الضيفلاب " الذين هم فرع من " الفاضلاب " الذي يقطنون " الحلفاية ". ذلك بانه قد وصف أحد أجداده الذين ترجم لهم بأنه: " ضيف الله بن علي بن عبد الغني الفضلي الجعلي الوثيقي ". كما استخدم ود ضيف الله ذات الوصف والنسبة " الفضلي " في ترجمته للشيخ " بانقا الضرير " ، جد اليعقوباب بالصعيد ونواحي سنار. والراجح هو أن " بني فضل " الغرب ، شعبة من فاضلاب الصعيد.

هذا ، ويعتقد أهلنا " السريحاب " الذين يعرفون في كردفان ب " السريحات " بالتاء في آخره ، بعد أن كانت قد نزحت طائفة منهم من مناطقهم بنواحي بربر والمكايلاب وغيرها منذ زمان بعيد إلى كردفان ، والتحقوا بالجوامعة وأصهروا إليهم وصاروا جزءاً من كيانهم ، يعتقدون أن بني فضل أي " الفاضلاب " نسبة إلى جدهم " فضل اليسر " بنو عمومتهم ، وكذلك الميرفاب. ذلك بأن الجميع ينتمون إلى جدهم الأعلى: " ضياب بن غانم بن حميدان بن صبح أبو مرخة "  كما يقولون ، والله أعلم.

ومهما يكن من أمر ، فإن هذا الكتاب الذي ألفه الدكتور الحاج سالم مصطفى ، وعزز متنه بالعديد من الوثائق والجداول والنصوص الشعرية والغنائية والصور الفوتغرافية القديمة منها والحديثة ، يعطي القارئ صورة وافية وموضوعية عن دار حمر وقاطنيها وتراثها وتاريخها التليد ، وهو يستحق بالتالي خالص الإشادة والتقريظ ، وحبذا لو حذا أضرابه من الباحثين من مختلف مناطق كردفان الكبرى حذوه في التأليف بهذه الكيفية الموسوعية الشاملة عن تلك المناطق ، ويقيننا انه سوف يكون في ذلك خير كثير للبحث التاريخي والاثنولوجي والانثربولوجي والثقافي والفولكلوري في السودان عموما ن ذلك بان كردفان قد ظلت دوما هي سرة السودان ، بل رمانة ميزانه منذ قديم الزمان.