عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
في إطار سلسلة الكتب والمذكرات والسير الذاتية التي ظل يصدرها بكثافة ملحوظة خلال العقدين المنصرمين، طائفة من السفراء والدبلوماسيين السودانيين ، وكذلك بعض الإداريين مثل سيد عبد المجيد في كتابه بعنوان: " ذكريات إداري سابق  بالخارجية السودانية " ، وذلك لعمري أمر محمود ومرغوب بكل تأكيد ، يندرج في سياق الحراك الإيجابي ، والحيوية الفكرية والعلمية التي بدأت تسم المشهد الثقافي السوداني برمته عموماً في السنوات الأخيرة على الأقل من حيث الكم مهما قيل عن الكيف والمستوى ، وهو مشهد نأمل في أن يتنامى وان يتعزز ، لكي ينتقل بنا من محطة الخرطوم تقرأ التي سئمنا منها ، إلى محطة الخرطوم تكتب وتؤلف التي نطمح ونتطلع إليها ، في إطار كل ذلك ، أصدر سعادة السفير الأستاذ " أحمد عبد الوهاب جبارة الله " في بحر هذا العام الحالي 2014م  ، سفراً قيماً بعنوان: " محطات دبلوماسية "، نشرته دار " رؤية للنشر والتوزيع " بالقاهرة في طباعة راقية  وإخراج بديع.
لقد جاء هذا الكتاب كما أسلفنا ، في سياق طائفة من كتب المذكرات والسير الذاتية التي حطتها أقلام مجموعة من السادة السفراء السودانيين الكرام الذين تقاعدوا للمعاش ، فأحبوا أن يسكبوا عصائر تجاربهم وخبراتهم ومشاهداتهم ومواقفهم وآرائهم في شكل مؤلفات مطبوعة ومنشورة ، لكي تبقى ذخراً ونبراساً هادياً بالنسبة لممتهني الخدمة الدبلوماسية بالسودان خاصة ، ومن ورائهم سائر المهتمين والمشتغلين بشؤون السياسة والدبلوماسية ، والعلاقت الخارجية ، والسياسة الدولية ، فضلاً عن سائر القراء حيثما كانوا. ولا شك في ان تلك المؤلفات قد تكرست مراجع ذات فوائد مهنية وأكاديمية وسياسية وثقافية ونعرفية وتوثيقية جمة ، وهي قمينة بأن تشكل مصادر ثرة قي بابها بالنسبة للجيل الحالي ، وكذلك للأجيال المقبلة على حد سواء إن شاء الله.
ولعل مما أسعفتنا به الذاكرة بذكر أسمائهم في هذا المقام ، من السفراء السودانيين الذين نشروا مؤلفات في هذا المضمار ، ومنهم من انتقل إلى رحاب الله تعالى ، ومتع الله الأحياء منهم بموفور الصحة والعافية ، السفراء: خليفة عباس العبيد ، وبشير البكري ، ( تاملات البكري ومجموعة مقالاته الصخفية المنشوة ) ، والشاذلي الريح السنهوري ، والأمين عبد اللطيف ، وأبو بكر عثمان محمد صالح ، وإبراهيم محمد علي ، وعز الدين حامد ، ومصطفى مدني أبشر ، وأحمد دياب ، والدكتور حسن عابدين ، وعمر يوسف بريدو ، وأخيراً صديقنا واخونا الأكبر " الطريفي أحمد كرمنو " ممثل ناشئة السفراء المتقاغدين من بين هذه الكوكبة النيرة. ولن ننسى بالطبع ، أولئك النفر من المبدعين والأكاديميين والباحثين أصلاً من بين السفراء والدبلوماسيين الذين يؤلفون وينشرون بصورة راتبة او شبه راتبة مثل:  الأستاذ محمد المكي إبراهيم ، والدكتور عمر عبد الماجد ، والأستاذ جمال محمد إبراهيم ، والدكتور نور الدين ساتي ، والدكتور أحمد المعتصم السيخ ، والدكتور محجوب الباشا ، والدكتور مصطفى كاب الرفيق ، والدكتور هاشم عبد الرازق صالح ،والأستاذ خالد موسى دفع الله ، والأستاذ عبد الله حمد الأزرق ، والأستاذ خالد فتح الرحمن ، والأستاذ سليمان عبد التواب ، والأستاذ محمد الطيب قسم الله ، والأستاذ صلاح محمد علي ، والأستاذ صلاح محمد أحمد ، والدكتور علي حمد إبراهيم ، والأستاذ عوض محمد الحسن ، والأستاذ عبد الله عمر وغيرهم على سبيل المثال فقط.
والآن فلنعد بعد هذه السياحة العمومية في عالم الكتابة والتأليف في رحاب الدبلوماسية السودانية ، التي ربما نظر إليها البعض بانها تأتي مصداقاً للمثل القائل: " يشهد للعروس أمها وخالتها " أو ذلك المثل السوداني الذي معناه أن: " مادحة العروس هي مصففتها ومزينتها نفسها " ، والتي هدفنا منها إلى وضع هذا السفر الجليل في سياقه ، فلنعد إلى الحديث عن كتاب السفير أحمد عبد الوهاب الموسوم ب " محطات دبلوماسية " ، الذي فاتني حفل تدشينه ، فبيس أقل من ان أحييه بهذه التحية.
تخرج السفير أحمد عبد الوهاب جبارة الله  في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الأم في عام 1970 م ، ثم التحق بالعمل بوزارة الخارجية في وظيفة سكرتير ثالث في عام 1971م ، وتنقل بين عدد من بعثات السودانية الدبلوماسية بالخارج ، وديوان الوزاة بالخرطوم ، حيث اشتغل بسفارات السودان في كل من دار السلام ، والقاهرة ، وواشنطون ، وجنيف ، ثم انتدب للعمل بالمفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة كموظف دولي ، حيث مثل هذه المنظمة في كل من العراق ، وأفغانستان ، وزامبيا ، إلى ان تقاعد من العمل في الأمم المتحدة قبل بضعة أعوام فقط.
وبعد ، فهذا استعراض وتذوق انتقائي في شكل محطات هو الآخر على غرار ما صنع المؤلف نفسه ، لبعض النقاط التي استوقفتني في هذا السفر المفيد والممتع ، أحببت ان أشرك حضرا القراء فيها.
أول ما استوقفني مما ذكره المؤلف في معرض حديثه عن بدايات التحاقه بوزارة الخارجية ، أن المواد التي امتحن فيها مع أبناء دفعته للقبول بالوزارة ، وكذلك تشكيل لجنة المعاينة ، والأجواء التي اكتنفتها في عام 1970 ، تكاد تكون مطابقة تماما لما كان عليه الوضع الذي عاشته دفعتنا التي تم قيولها بالخارجية في عام 1986 ، أي بعد ستة عشر عاماً ، بما في ذلك وجود الدكتور حسبو سبيمان اخصائي الطب النفسي الشهير رحمه الله ، الذي بلغنا أيضاً أنه كان قد شهد معاينات عدد من الدفعات التي ظلت تتوالى على الخارجية منذ ستينيات القرن الماضي.
ذكر السفير أحمد عبد الوهاب أنه عمل في أول بعثة دبلوماسية اشتغل فيها ، ألا وعي سفاراتنا بدار السلام ، تحت رئاسة السفير الراحل " النور علي سليمان ". ومما أذكره بهذه المناسبة أيضاً ، أن السفير النور علي سليمان قد كان عضوا بارزاً في اللجنة التي أجرت معاينة القبول بالمسبة لدفعتنا ، وقد كان لطيفاً وودوداً معنا للغاية.
صحيح ما ذهب إليه السفير جبارة الله من أن ناشئة السلك الدبلوماسي الذين يستهلون عملمهم في سفارات في عواصم بلدان العالم النامي ، تتاح لهم الكثير من الفرص للتعامل والتفاعل مع شخصيات رسمية ودبلوماسية وإعلامية على مستوى رفيع ، وتوجع لهم الدعوات لحضور المناسبات الدبلوماسية في مناطق التمثيل على خلاف رصفائهم الذين يبدؤون العمل في سفارات بالدول الكبرى.
والواضح أن هذه الملاخظة صائبة جدا ، ولا بد أن سائر الدبلوماسيين بوزارة الخارجية الذين يمر السواد الأعظم منهم بالتجربتين معاً ، أي العمل في بلدان العالم الثالث وخصوصاً البلدان الإفريقية والعربية إلى حد ما ، حيث يكون الدبلوماسي هناك ، مهما صغرت درجته الوظيفية ، شخصية معتبرة وذات حيثية ، ويعامل بكل مظاهر الحفاوة والتبجيل. فعلى سبيل المثال ، بدأت أنا شخصياً عملي الدبلوماسي في سفارتنا بانجمينا سكرتياً ثالثاً في بداية  السلم ، ولكن ذلك لم يمنعني من التمتع منذئذِ  بلقب " صاحب السعادة " أو Excellence. ولهذا اللقب قصة طريفة يرويها وما يزال يتندر بها الأخوة السفراء:: عمر بشير مانيس ، وعبد الوهاب الصاوي ، وعبد الباسط السنوسي ، والدكتور التجاني فضيل ، والدكتور حيدر حسن " علي قاقرين " حفظهم الله جميعا.
أما الدبلوماسي الإفريقي أو العربي ، بل العالمثالثي عموماًفي العواصم العالمية الكبرى ، فهو لا يعدو أن يكون بالفعل مثله مثل " ناموسة في أضان فيل " كما يقول المثل السوداني ، لا يأبه به أحد في الغالب.
لقد أتاح العمل بسفارتنا بدار السلام للسفير جبارة الله فرصة ثمينة للتعرف عن كثب على طائفة مقدرة من قادة حركات التحرر الإفريقية ، وذاك بحكم أن تنزانيا كانت تستضيف وقتها مقر لجنة التحرير التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية.
وبمناسبة حديث السفير أحمد عبد الوهاب عن تنزانيا في كتابه ، وخصوصاً رئيسها الأسبق " جوليوس نايريري " الذي أفاض المؤلف في التعريف بسيرته وشخصيته وسياساته وأفكاره التي يبدو أنه معجب بها ، خصوصاً وأنه قد كان من الآباء المؤسسين لحركة الجامعة الإفريقية ، ولمنظمة الوحدة الإفريقية ، لاحظت أن السفير أحمد عبد الوهاب لم يشر في معرض حديثه عن الدكتور جون قرنق مؤسس حركة التمرد في جنوب السودان في عام 1983 م ، أن هذا الأخير كان ينتمي إلى مدرسة نايريري على نحو ما ، وذلك بحكم دراسته بجامعة دار السلام هو وزميله السابق الرئيس اليوغندي الحالي يوري موسيفيني كما تشير إلى ذلك بعض المصادر.
على أن المؤلف قد أبان قد أبان بصورة ضمنية في المقابل ، مظاهر التأثير والرعاية الأمريكية المبكرة لجون قرنق وحركته ، ونقل في هذا عن الدكتور منصور خالد قناعته بأن الأمريكيين لم يعتقدوا في يوم من الأيام أن جون قرنق كان ماركسياً ، على الرغم من مسحة الماركسية الواضحة في لغة مانيفستو الحركة الشعبية ، إلى جانب بعض البينات الظرفية الأخرى التي كانت تشي بيسارية حركته ، مثل علاقته الحميمة ، وخصوصاً في البداية ، مع نظامي منقستو في إثيوبيا ، والقذافي في ليبيا.
ولعل باحثاً آخر سوف يكشف للناس في يوم ما بصورة قاطعة وبما لا يدع مجالاً للشك أيضا ، عما إذا كان قرنق وحدوياً حقا ، كما يصوره بعض أنصاره ومشايعيه ، يريد قيام سودان جديد ديموقراطي واشتراكي وعلماني ، يقوم على المواطنة والمساواة الخ الخ ، أم أنه في الحقيقة مثل النبي موسى كما صورته بعض وسائل الإعلام الغربية بالفعل ، قد فصل بقومه وقطع بهم " بحر العرب " ، لكي يوردهم تيه الزنج ليس غير.
لقد تزامن اندلاع التمرد الشهير في جنوب السودان الذي قاده العقيد جون قرنق في عام 1983 في الواقع مع فترة وجود المؤلف دبلوماسياً بسفارة السودان بواشنطون ، ولذلك فقد عقد لعلاقة الحركة الشعبية بتحرير السودان بأمريكا ، فصلاً ضافياً وكاشفا.
صحيح أيضاً ما ذهب إليه السفير أحمد عبد الوهاب من أن عملية اتخاذ القرار في الولايات المتحدة التي عمل بها دبلوماسياً كما أسلفنا ، معقدة جداً ، إذ أنها محكومة بآراء وتأثير ونفوذ مؤسسات عديدة ، وجماعات ضغط متشابكة ومتباينة المصالح ، فضلاً عن جهاز بيروقراطي ضخم ، مما يجعل عملية اتخاذ القرار ، وخصوصاً تطبيق القرارات ، بطيئة نوعاً ما. وقد ذكر المؤلف ذلك في معرض تحليله لملابسات ومآلات القرار الذي أصدرته الولايات المتحدة منذ عام 1993م ، والقاضي بوضع السودان في قائمة الدول التي تعتبر هي أنها ترعى الإرهاب.
فكأن المؤلف يريد أن يقول إنه حتى لو توفرت الإرادة السياسية على أعلى المستويات من أجل إلغاء ذلك القرار ، إلا أنّ النواحي الإجرائية التي ينبغي أن تنتظم سائر مكونات آلة الإدارة الأمريكية الضخمة والمعقدة ، سوف تجعل تنفيذ مثل هذا القرار أمراً صعباً لا يتحقق بين عشية وضحاها.
ولعل من طريف ما يمكن ذكره في هذا السياق ذاته ، أن رئيس جنوب إفريقيا الأسبق ، " نلسون مانديلا " ، الذي أضحى رمزاً بل أيقونة عالمية للنضال من أجل الحرية والعدالة لشعبه ، والسلام والاستقرار لأمته ، لم يُرفع اسمه من قائمة الحظر في أمريكا ، أي من جميع وثائقها الرسمية بصفة نهائية ، بصفته " إرهابياً " سابقا ، إلا قبل سنوات قليلة من وفاته ، أي بعد ان غادر السلطة نفسها في بلاده بمدة طويلة ، بسبب البيروقراطية الثقيلة الإجراءات داخل النظام الأمريكي كما قيل.
ولكن ربما يتساءل متسائل ، كيف صار هذا النظام كفؤاً وفعّالاً وناجزاً عندما قضت الإرادة السياسية الأمريكية بإلغاء صفة الإرهاب بسرعة فائقة عن العراق التي كانت تصمه بها أثناء فترة حكم صدام حسين ، مباشرة بعد مجئ الوضع الجديد المقرب من الولايات المتحدة ؟. لا بد أن الإرادة السياسية ، وخصوصاً المصالح الحقيقية والكبيرة والملموسة هي كلمة السر في ذلك.
أدهشني ما نقله المؤلف عن بعض المصادر الأمريكية ، ومن بينها تقارير ووثائق رسمية لوزارة الخارجية بواشنطون نفسها ، من أن حرم الرئيس إبراهيم عبود لم ترافقه في الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة في عام 1961م ، إذ من المشهور ان حرم الرئيس عبود قد رافقته بالفعل خلال تلك الزيارة ، بل ما يزال السودانيون يتداولون فيما بينهم من خلال وسائط التواصل الحديثة حتى هذه الأيام ، بكل الفخر الممزوج بالتحسر على تلك الأيام الزاهية الخالية ، مقطع فيديو عن زيارة عبود وحرمه رحمهما الله لأمريكا.
يفيدنا السفير أحمد عبد الوهاب في صفحة (42) من كتابه ، بأن السيد " دونالد بوث " المبعوث الخاص الحالي للولايات المتحدة إلى السودان ، قد كان يعمل خلال النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي ، مسؤولاً عن ملف السودان بالخارجية الأمريكية ، حيث وصفه السفير عبد الوهاب هو وزميل آخر له يُدعى " بيتر لوندونو " بأنهما كانا: " من أكفأ الدبلوماسيين وأكثرهما تعاونا ". والغريب أن هذه المعلومة عن السيد " دونالد بوث " ، ليست موضحة فيما نشر عن سيرته في موسوعة ويكبيديا الالكترونية على الانترنت.
يُصنف السفير أحمد عبد الوهاب في أدبيات الخارجية وفولكلورها الخاص على أنه من " الأنجلوفونيين " وهو بالفعل كذلك. ولقد انعكس ذلك كما لاحظنا من خلال كتابه هذا في النماذج التي ساقها على سبيل المثال ، في معرض حديثه عن الدول الإفريقية التي حققت في نظره اختراقات معتبرة في مجال الحصول على مناصب دولية وإقليمية مرموقة ، حيث سمى من بين تلك الدول كلاً من تنزانيا وغانا ، وهو بالطبع محق في ذلك. ولكن الحقيقة أيضاً أن السنغال ، وهي دولة فرانكفونية رائدة في إفريقيا ، قد ظلت تمتاز هي الأخرى بهذه الميزة منذ بضعة عقود منذ نيلها استقلالها في عام 1960م. إذ إليها ينتمي كل من " احمدو مختار امبو " المدير العام لليونسكو في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ، وجاك ضيوف المدير العام السابق للفاو ، والرئيس الأسبق عبدو ضيوف الأمين العام الحالي للمنظمة الدولية للفرانكفونية ، فضلاً عن السيدة " انديورو اندياي " Ndioro Ndiaye        نائبة المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة.
وبهذه المناسبة أيضاً ، ما زلت عند رأيي الذي سبق أن عبرت عنه في مقال لي منشور بعنوان: " الوظيفة الدولية بين المعايير الموضوعية والاعتبارات السياسية والذاتية " ، من أن إسناد الوظائف القيادية في المنظمات الدولية ، وأحياناً الإقليمية ، يتم في أغلب الأحيان للاعتبارات السياسية والذاتية التي تتماشى بالضرورة مع مصالح واستراتيجيات القوى صاحبة النفوذ والقرار داخل تلك المنظمات. فلئن كانت حظوظ السودان والسودانيين قد تضاءلت في العقود الأخيرة كم لاحظ السفير أحمد عبد الوهاب مُحقاً ، فكيف نفسر على سبيل المثال ، فقدان السيد محمد أحمد محجوب ، وهو من هو ، لمنصب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر خمسينيات القرن الماضي لصالح اللبناني " شارل مالك " ، إن لم يكن بسبب تلك الاعتبارات السياسية والذاتية ؟.
لقد كان المحجوب آنئذٍ ، خطيب العرب المفوه ، والمتحدث باسمهم في أروقة الأمم المتحدة ، عشية العدوان الثلاثي على مصر ، ولعمري فإن ذلك واحد فقط من أسباب حجب ذلك المنصب عنه.
ومما استوقفني في الختام في هذا السفر الماتع ، تلك المقاطع من النصوص الغنائية الشعبية الطريفة التي أثبتها المؤلف ، وذلك في معرض حديثه عن ظاهرة الجفاف والتصحر التي ضربت أجزاء واسعة من غرب السودان في منتصف ثمانينيات القرن الماضي ، وهو حينئذٍ دبلوماسي بسفارة السودان في واشنطون ، يتابع شأن المساعدات الغذائية التي قدمتها أمريكا للسودان في إطار جهود درء تلك الكارثة ، بما في ذلك " عيش ريقان " ، وما نُظم حوله من شعر وغناء في بوادي كردفان خاصة ، علماً بأن المؤلف نفسه كردفاني أصيل. فمما جاء في الكتاب في هذا الكتاب في هذا الخصوص:
كان ما ريقان جانا    كان الموت غمّانا
تاجراً بى دُكّانا       سجّلْ إسمه معانا
أو قول المغنية الأخرى:
ريقان الحنين     جاب عيش للمساكين
أكلوهو الأفنديين   وسمونا النازحين
ومما أذكره انا خاصةً من أدب تلك الكارثة الطبيعية والمأساة الإنسانية ، قول الراحل الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمه الله في مدحته النبوية التي مطلعها: " أنفُسنا لا تضيقن ":
انظُمْ قول مدايحاً بالنبي يليقنْ
ما تغرّك أغاني ابليس عواليقن
نثبتْ لا نلوج غرباً وتشريقن
واغنينا بفضلك عن عيوش ريقان
وكذلك قول المغنية البدوية وهي تمدح عمدة منطقتها بأنه يفاوض الرئيس الأمريكي رونالد ريقان حتى يجلب منه الذرة لرهطه ، وتمعن في إطراء ذلك العمدة فتزعم أنه من شدة قربه من الرئيس ريقان يعرف دخيلة نفسه وأسرارها ، وذلك حين تقول:
العمدة بو فاطنهْ
مُشرع العاطنه
ريقان براطنا
وبعرف الفي باطنا
ومهما يكن من أمر ، فإن السيد السفير أحمد عبد الوهاب جبارة الله ، قد طوَّف بنا في سياحة مفيدة وممتعة في دروب الدبلوماسية الثنائية ومتعددة الأطراف ، وأوقفنا على مشاهدات ومواقف ومحطات في غاية الأهمية والتشويق والإيحاء ، فله منا خالص التحية والتقدير