عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
دعا كاتب هذه السطور صديقه الشاعر ابراهيم الدلال لحضور حفل تدشين كتابه بعنوان: " في الثقافة السودانية: رسائل ومقالات " الذي جرى يوم الخميس 27 مارس 2014 بالخرطوم ، فاعتذر عن شهود الحفل لظرف اجتماعي قاهر طرأ له ، ولكنه قام إمعاناً منه في الاعتذار ، وحرصاً منه على تهنئة صديقه بصدور الكتاب ، وتأكيداً لما يحمل له في جوانحه من مشاعر الود والتقدير الصادقين  بذات المناسبة ، قام الشاعر الدلال بتدبيج هذه القصيدة المادحة ، التي يسعدني  أن أنشرها هاهنا مع الشرح ، تعميماً للفائدة ، وعرفاناً للجميل..


الخالدية/ شعر: إبراهيم الدلاّل
مهداة إلى الصديق د. خالد محمد فرح الفحل بمناسبة تدشين كتابه في الثقافة السودانية

أرى  الشيب عن ذكر "البراريب"زاجري .....    حرامٌ إذا مر النسيبُ بخاطري(1)
تذكرتُ أيام الشبيبة والهوي سحيراً......     إذا غني الحمام بحاجر
عيون من الشعرالرصين كتبتُها......       سوادَ الليالي في عيون الجآذر
رعي الله أيام الشباب فإنها....      تقضت سراعاً مثل زاد المسافر
فدع ذا تذكّرْ خالد الفحل أنه....   علي البعد من دون الأحبة ذاكري
وياخالد المعروف عشت ممجداً...  ورثت المعالي من بناة المفاخر
صدورٍ إذا ما حكّت الحرب بركها     صدورٍ إذا عالَوا ظهور المنابر
رضعتَ أفاويق العلوم شهيةً.......... توارثتها عن كابرِ بعد كابر 
وشرّفتَ سودان النجوم ممثلاً..... بباريسَ لم ترضي بخطة خاسر
ونافحتَ عن مجد العروبة مقبلاً... بصدر شجاع في الكريهة حاسر
وصاهلت في الآفاق كل جموحة.... بشعر جميل مثل رجع المزاهر
وقد كنت فحلاً لاتشاكل معشراً.......  مواقعهم في القول مثل الضمائر (2)
(زوامل للأشعار لاعلم عندهم بجيدها.... إلا كعلم الأباعر) (3)
إذا طارت الغربان نحو بغاثها...     فإنك من شهب البزاةِ الكواسر
إذا أخضرت الاوراق تحت بنانكم  تفاوح مسك من عبير المحابر
إذا بُذر الحرف المقدس في الضحي تفيض به كيلاً (جرون) الدفاتر(4)

وألفت كتباً كالشموس طوالعاً.... لتكفيك مجداً ياعظيم المآثر
وقد ورد الطلاب مشرع كتبكم لتصبح للطلاب خير المصادر
وأظهرتني في ثوب سِيدٍ عملسٍ.... من الطُلس في بحبوحة الكون حائر(5)
وحيداً تأبطتُ الفيافي مسافراً...    طريد الليالي والزمان (المشاتر)
وأصحرتُ أستجدي الحياة مباهجاً.....  كأعمي يروم النورَ في قلب كافر
(فطوراً تراني في ظلال ومجمع.)....  وطوراً أحادي العيس نحو ام دباكر(6)
ولولا حفاظي قلت للمرء صاحبي......   فديتك عرقبها بأمضي البواتر
ستُبني بلادي رغم كيد عداتها.... بأذرعةٍ خضرٍ وغلبِ "العناقر"(7)
بلاد بها نيل الحياة مسافر.....  يوزع خصب العيش بين البنادر
محبتها دِين وديْنٌ وواجبٌ...  خيانتها عندي لأمُ الكبائر
وكم دونها سالت دماء(جرارقٍ) .....   إذا الخيل هاشت من هزيم (الدناقر)(8)
ومازال أهلوها كراماً أعزةً.... لدي الروع ماهابوا ركوب المخاطرِ
أساريرهم للضيف تلصف  فرحةً...  وجوههمو في الحرب مثل الخناجر
وكم ذاب درويشٌ يطير بطاره....يذيب الأغاني في كرير الحناجر
وصفّي الطواليُّ المريسة َحقبةً... ليصبح بين القوم رأس الأكابر(9)
فهل لي لسنار القديمة عودةُ...  كما عاد عبدُالحي جوفَ الدياجر(10)
وقد كان عبدُ الحي برقاً مسافراً...      يُقسِّم معني الحب بين (الخواطر)
سقي الله أياماً عرفت محمداً ...    وقد كان شيخي شاعراً أي شاعر
وقد كان مضيافاً كريماً وماجداً...   حفياً بأغمار الرجال الأصاغر
وأبّنته ياخالد الشعر راثياً.... بشعرسما فوق السماكين سائر(11)
فصوص من الياقوت يلمع لونها... إذا هي ذابت في أكاسيرِ جابر(12)
تلاها فريدُ العصر فارسُ خيلنا....   وريثُ المعالي من (ضمين الدوامر)(13)
وهذى رحي الأيام حكت ثفالها.....   فلولا احتبائي عند أهل الدوائر
لأصبحتُ قد ناحت نواعبُ هامتي...   تُردد لحنَ الموت بين المقابر(14)
وصلي على المختار ياربي سرمداً     فهل طيفه النوريُ في النوم زائري
ـــــــــــــــــــــــ
1/البراريب جمع برروبه أو بُريّبة وهي صغار الغزلان.. وفصيحها هو: الربرب على وزن المحلب. وعليه كان يجوز للشاعر أن يقول " الربارب " ولكنه هدف الى سودنة الصورة بهذه اللفظة الشاعرية الموغلة في المحلية
2/ يعني أنهم متأخرون موقعا ورتبة مثل موقع الضمائر التي تجيء في أواخر الكلم عادة
3/الزاملة ما تركب ويحمل عليها من الدواب وفي عاميتنا الفصحي(النيه زاملة سيدها). والبيت المضمن لمروان بن سليمان بن يحي بن أبي حفصة.
4/ الجرون هي الأجران جمع جرن وهي مواضع جمع سنابل الغلال قبل درسها واستخدمها الشاعر هنا استعارة
5/ يشير الشاعر إلى مقال نشرته قبل بضعة أعوام أعقب فيه على مقال له عن سياحة قام بها بين ليبيا والسودان عبر الصحراء ، حيث كنت قد وصفته هو نفسه بأنه " سيد عملس من ذؤبان تلك العتامير " وفي التشبيه نظر لقول الشنفرى:
ولي دونكم أهلون سيدٌ عملّسٌ    وأرقطُ ذهلولٌ وفرعاءُ جيألُ
6/ أم دباكر منطقة بديار البرتي في شرق دار فور .. والدبكر شجر كانت  تتخذ من أخشابه الجفان الجياد " القُداحة ". وقد اشتهرت " أم دبيكرات " التي شهدت المعركة الأخيرة للخليفة عبد الله التعايشي مع قوات كتشنر ، وفيها ووري جثمانه الثرى بعد استشهاده. وصدر البيت لمالك بن الريب التميمي من قصيدته الشهيرة التي رثى فيها نفسه.
7/ أذرعة خضر ، كناية عن البركة والتوفيق في الرزق كما تعبر عن ذلك البلاغة العامية السودانية ، ومن دعوات الأمهات في السودان: " الله يخضر ضراعك " . أما غلب العناقر فكناية عن الفتيان الغلب الغلاظ  " العناقر " أي: الأعناق لفتوتهم وكمال بنيانهم
8/ الجرارق على وزن " النمارق " جمع جرِّق بفتج الجيم وتشديد الراء مع الكسر وسكون القاف ومعناها الثور الفحل الذي يجر الساقية. وتستخدم اللفظة كناية عن الأبطال الفحول المجربين غير الأغمار. أما الدناقر فجمع دِنقر بكسر الدال وسكون النون وكسر القاف فهو صوت كؤوس القرع الفارغة المغموسة في الماء عندما تقرع بطريقة إيقاعية معينة  تطرب الخيل والفرسان معا. والمقصود بالدناقر في هذا السياق طبول الحرب أو ما يعرف في السودان ب " النحاس ".
9/ الطوالي: كناية عن الشيخ سليمان الطوالي الزغرات وهو شيخ صوفي سوداني عاش في القرن السادس عشر الميلادي ، كان في أول عهده شاربا للمريسة المسكرة المصنوعة من الذرة ، ثم تاب الله عليه وأصبح من اكابر أهل الطريق
10/ يعني الشاعر الكبير الدكتور محمد عبد الحي رحمه الله ، وقد كان مفتوناً بسنار كما هو معروف
11/ يشير إلى قصيدة ( السمندل يصدح في الجنان ) التي كنت قد ألفتها في رثاء عبد الحي إثر وفاته في سبتمبر 1989 م
12/ يعني جابر بن حيان العالم العربي المشهور وقد كان من المشتغلين بالكيمياء والسيمياء ، أي تحويل المعادن الخسيسة إلى نفيسة
13/ يشير إلى أن العلامة الراحل بروفيسور عبد الله الطيب ، كان قد شارك في حفل تأبين عبد الحي بأن تلا قصيدتي المشار إليها ، وكنت قد أرسلتها إليه من حيث كنت أقيم خارج السودان حينئذ. أما " ضمين الدوامر " فكناية عن الشيخ " حمد المجذوب " الكبير ضمين الدامر ، وهو جد عبد الله الطيب
14/ يقول إنه لولا تقربه من أهل الولاية والصلاح وملاحظتهم له بعنايتهم لهلك .. حفظه الله