عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

          كنتُ أشاهد وأستمع من خلال شاشة القناة الفضائية السودانية في نهار أحد أيام الأسبوع الفائت ونحن يومئذ في فواتيح شهر رمضان المبارك ، إلى باقة من المدائح النبوية والأهازيج الدينية من تأليف الشيخ عبد الرحيم البرعي ( برعي السودان ) ، وأداء كوكبة مميزة من تلاميذه أو أبنائه الروحيين ، يقودها أخونا وابن منطقتنا ودفعتنا في المدرسة الابتدائية: الشيخ يس عبد الجبار.

وقد كانت من بين تلك الأهازيج الدينية الرائعة ، أهزوجة من ذلك النمط الذي يؤدى على الإيقاعات السريعة والنشطة التي ترافق الذكر في الحلقة عادة ، وهو ما يسمى بالإيقاع الحربي ، وهي القصيدة التي مطلعها:

 

لى نفسَكْ ألِّمْ

قيم الليل ونهار

ليها لوِّمْ

أذُكر اللهْ ..

 

وقد استوقفتني بصفة خاصة عبارة وردت في تلك القصيدة الوعظية الإرشادية التي هدف الشيخ رحمه الله من خلالها إلى حض المريد أو السالك بأن يأخذ نفسه بالشدة في الذكر والعبادة ، وفي كبح النفس عن الهوى ،وزجرها عن الشهوات ،وهي قوله في معرض الإشارة إلى النفس الأمّارة بالسوء:

 

تَفِّرْها ولَبِّبْها ولَجِّمْ

 

فتساءلت بيني وبين نفسي: هل يا ترى يعرف أبناء الجيل الحالي من الشباب خاصة في السودان مدلولات هذه الألفاظ ، وبالتالي يدركون مغزى الصورة الفنية التي رسمها الشيخ بتلك الألفاظ ؟.

فجاءني الجواب من عند نفسي ذاتها بأنه قد عزّ من يعرف مدلولات هذه الألفاظ من أبناء الجيل الحالي ، وخصوصاً بين ساكني المدن في السودان بصفة عامة ، بل أقول أن بعض ألفاظ هذا الشطر من القصيدة ربما تستعصي حتى على كثير من ساكني الأرياف والبوادي أنفسهم في السودان ، من غير أهل المنطقة التي نشأ فيها الشيخ ، أعني منطقة شرق كردفان ، ولو كان بعض هؤلاء في سعة علم و " نجاضة " أستاذنا بروفيسور إبراهيم القرشي.

وهذه الملاحظة تقودنا في الواقع إلى تقرير حقيقة مفادها هو أنّ مديح الشيخ البرعي باللهجة العامية ، يمثل مرآة صادقة تعكس ثقافة ولهجة منطقة شرق ووسط كردفان ، حيث تقطن قبائل : الجوامعة ، والبديرية ، والشويحات ، والجلابة الهوارة ،والبزعة الخ .

وذلك بالطبع أمر طبيعي ، لأن الإنسان ابن بيئته كما يقولون. ولعل نفس الشيء ينطبق على المادح الرائد " حاج الماحي " الذي يمثل مديحه بدوره مرآة صادقة للهجة الشايقية والقبائل التي تماثلها ثقافياً مثل: البديرية والمناصير والركابية الخ.

لقد أردت أن أبين من خلال هذه العجالة وعبر أمثلة ونماذج محدودة أثر الثقافة واللهجة الكردفانية في مديح الشيخ البرعي الذي أضحى فنه وإبداعه تراثاً قومياً ، بمعنى أنه قد أصبح ملكاً للشعب السوداني بأكمله ، وبالتالي فقد أضحى لزاماً علينا نحن المتعلمين من أبناء تلك المنطقة ، أن نسهم بما وفقنا الله إليه في شرح غوامض كلمه ، وخصوصاً في تصويب الأخطاء التي قد يقع فيها بعض المؤدين لأماديح البرعي من مناطق السودان الأخرى.

ولئن كان المرحوم الأستاذ الشاعر عمر الحسين ، مؤلف أغنية سيد خليفة الحماسية الشهيرة: " شدو لك ركب فوق مهرك الجماح .. ضرغام الرجال الفارس الجحجاح " ، قد بادر بتمهيد هذا السبيل عندما تولى جمع ديوان " حاج الماحي " وشرحه وطباعته ونشره ، وقد أحسن صنعاً لأنه قد جاء من نفس منطقة المؤلف ، إذ أنه كان من أبناء منطقة " نوري " ، فإن أخانا وصديقنا الشاب الشيخ النابه: " عبد الرحيم حاج أحمد إبراهيم " ،وهو حفيد الشيخ عبد الرحيم البرعي وسميه ، قد حذا حذو عمر الحسين عندما شرع في همة ظاهرة في القيام بجمع تراث الشيخ البرعي الغزير للغاية ،واجتهد اجتهاداً مقدراً في تصنيفه وتبويبه وشرحه وطبعه ونشره.

قول الشيخ البرعي: تَفِّرْها ولَبِّبْها ولَجِّمْ ،وهو يقصد النفس البشرية ، فيه تشبيه لتلك النفس بالدابة العاصية الجامحة. أما فعل الأمر: " تَفِّرْها " بتاء مفتوحة ، بعدها فاء مشددة مكسورة ثم راء ساكنة ، فهو فعل أمر مشتق من كلمة " تَفَرْ " ، والتَّفَرْ هو في لهجة أهل كردفان ، عبارة عن ذلك السير أو الحبل الذي يصل بين حافتي السرج الخلفيتين ،ويمرر من تحت ذنب الدابة ،وهو ذاته ما يقال له: " الضنَّاب " في لهجات وسط وشمال السودان. وكلمة " التَّفرْ " على وزن الثَّمَرْ ،هي كلمة غاية في الفصاحة ، إذ هي عينها " الثَّفَرْ " التي ترد في كتب اللغة لفظا ومعنى ، غير أنّ الأخيرة تجيء بالثاء المثلثة عوضاً عن التاء المثناة التي تقوم مقامها في كثير من الألفاظ وفقاً للخصائص الصوتية للعامية السودانية ، مثل قولهم: " تلاتة في ثلاثة ، وتور في ثور الخ ".

وأما الفعل " لبِّبْها " بباء أولى مشددة مكسورة ، وباء ثانية ساكنة ، فمعناه: اشددها بحبل آخر من لبتها ، أي مقدمة جسدها ، أو نحرها وصدرها. فاللبة هي موضع القلادة من العنق ، ومنها قولهم: أخذ بتلابيبه ، أي موضع اللبب من الثياب. ويقال اللبب واللبان أيضاً ، ومنه قول عنترة:

 

فازورّ من وقعِ القنا بلبانهِ      وشكا إليّ بعبرةٍ وتحمْحُمِ

 

ومن ذلك أيضاً قولهم في العامية السودانية: " فلان بتلبّبْ المشاكل " ، يعني أنه يتصدّرها ويتصدى لها ، فكأنه يقابلها بصدره ولبته غير هيّاب ولا وجل.

وأما الفعل " لَجِّمْها " ، فيبدو أيسر هذه الأفعال الثلاثة تفسيراً ، إذ هو من اللجام المعروف ،وهو ما يجعل في فم الدابة ويشده الراكب لكي يكبح جماحها ، ويضبط حركتها.

وبالتالي تغدو الصورة التي هدف الشيخ إلى رسمها ، مستعيراً عناصرها من البيئة الريفية ، وتعامل إنسانها مع الدواب ،هو أن على المرء أن يكبح هوى نفسه ، وألاّ يترك لها أية ثغرة للانفلات والانطلاق غير المرشد. ومن هنا جاءت دعوته للعبد بأن يتِّفر نفسه ، وان يلبّبها وأن يلجمها سدا للذرائع ، كما يفعل الراكب الحازم مع دابته النافرة.

وسمعت قبل سنوات شاباً يؤدي قصيدة البرعي الشهيرة: " كنزي ونوري " ، وقد أخطأ ذلك الشاب في المقطع الذي يقول:

 

صلاةً من باعث المقبورِ

لهُ عدْ رمل السِّرا والبورِ

البرعي لكمْ صاح وضارب البوري

لتوقفوا حرب الخليج ضروري

 

حيث أن ذلك الشاب قد نطق كلمة " السِّرا " ، وحقيقة نطقها الصحيح بالسين المشددة المكسورة ، نطقها: " السُّرى " بالسين المشددة المضمومة ، فكأنه أراد " السُّرى " الفصيحة بمعنى: السير ليلا. ثم إنني استمعت لمؤدٍ آخر قبل أيام قليلة وهو ينطق ذات الكلمة " الثَّرى " هكذا بالثاء المشددة المفتوحة ، بمعنى التراب اللين ، وفيها اجتهاد لأن السياق العام يقبلها إلى حد ما ، ولكن ذلك أيضاً هو محض خطأ.

فالأمر الواضح بالنسبة لي هو أن ذينك المؤدييْن لم يدركا مدلول كلمة " السِّرا " المقصودة بالسين المشددة المكسورة كما أسلفنا ، في السياق الذي وردت فيه ، إذ أنها تحيل بصورة حصرية إلى بيئة غرب السودان اللغوية والثقافية بصفة عامة. فكلمة " السِّرا " على وزن " القِرى " بمعنى ما يقدم للضيف من الطعام ، هي جمع " سَرَاية " بسين وراء مفتوحتين ،وهي تعني المزرعة أو " البلاد " ذات التربة الرملية التي توالت عليها الزراعة لمرات عديدة حتى أفقدتها خصوبتها ،وهي بعكس " البورة " وجمعها " البور " الواردة في ذات المقطع ، ومعناها: الأرض المعشبة الخصبة ، فهي عكس " السِّرا ". وهي ذاتها التي ترد في أغنية الجراري:

 

زارعنو في البورة ووطاتو ممطورا

زولاً سمحْ صورة بالفاتحة بندورا

 

وفي قصيدة وعظية إرشادية أخرى ، جاءت على رويّ الكاف ، وبلحن شجيّ أعجب حتى الفنان الكبير الأستاذ عبد الكريم الكابلي فأداها من ضمن قصائد نبوية أخرى في شريط كاسيت واحد منذ بضعة أعوام ، يقول البرعي في مدحة: " جِّددْ وضوكا ":

 

عاوِنْ أخوكا

بِرْ والديْكَ ولوْ

تَفْتِلْ مَخُوكَا

 

والشاهد هو قوله: " تفتلْ مخوكا " ، فما هو " المَخُو " ؟.

المخُو (على وزن كلمة العَدُو كما تنطق في العامية ) ، عبارة عن ألياف تستخرج من أغصان شجر العشر اللدنة بعد قشرها وتلحيتها ، تهيأ بطريقة معينة ثم تفتل منها حبال قوية تستخدم استخدامات  مختلفة. ولقد كانت (تمخية) العشر وفتل حبال مخوهِ مهنة شائعة في أرياف كردفان ، حيث كانت تشكل مصدراً إضافياً للدخل من بيع تلك الحبال المصنوعة من ألياف العشر ، هذا الشجر المتوفر بكثرة خصوصا في مناطق الكثبان الرملية هناك. ولكن هذه المهنة قد اندثرت منذ سنوات عديدة ،وخصوصاً بعد دخول حبال التيل والبلاستيك ومختلف أنواع الألياف الصناعية الأخرى.

ويبدو أن هذه الصنعة التقليدية البدائية ، واللفظة التي ارتبطت بها أيضاً ، قد كانت شائعة في بعض مناطق وسط وشمال السودان الأخرى في الماضي. فقد ورد في كتاب الطبقات لمحمد النور بن ضيف الله أن تلاميذ أحد الشيوخ كانوا " يمخُّون العشر " ويصنعون منها أقمصة لشيخهم ليلبسها لزهده ، فكان يرتديها حتى تقرّح جسمه ( انظر مسردة شرح الكلمات الغريبة التي استخرجها المحقق بروفيسور يوسف فضل ونشرها في آخر نسخته المحققة ).

ويقول البرعي في ذات القصيدة منتهجاً الجناس التام ولزوم ما لا يلزم الذي اشتهر به:

 

السلفوا دوكا

الأصلحوا البلدان لملكنا دوكا

النَّوروا الأرض لفاس ودوكا

للجايعين شادين طاجِنْ ودوكا

 

قوله: السلفوا ، معناها: الأولياء الصالحون الذين مضوا قديماً. أما الشاهد فهو اسم الإشارة " دوكا " وهي لفظة غير شائعة في منطقة المؤلف ذاتها في تقديري ، وإنما يقال عوضاً عنها: " ديك " بياء ممالة أو " ديلاك " بمعنى " أولئك " ، وإنما تشيع لفظة " دوكْ أو دوكا " بين عرب البقارة بصفة خاصة. على أنه لا يندر وجود إحالة الألف إلى واو في بعض أسماء الإشارة حتى في بعض لهجات وسط وشمال السودان من مثل قولهم مثلاً: " هدوك " وهم يعنون " هداك ".

أما الملك " دوكا " الذي أصلح الأولياء له البلدان ببركة دعائهم كما يقول البرعي ، فالراجح أنه الملك " دوكة " أحد ملوك سلطنة الفونج ، او السلطنة الزرقاء. ودوكا المذكورة في الشطر الثالث هي بلدة " دوكة "

المعروفة بنواحي القضارف بشرق السودان. وأما " الطاجِنْ " فهو إناء كبير مقعّر تصنع فيه العصيدة ، وهو نفسه ما يسمى ب " صاج العصيدة " أو " التحمير " في مقابل " صاج العواسة " المسطح الشكل. والدوكة: أناء أفطح مصنوع من الفخار تصنع فيه الكسرة. وهي تعرف بهذا الاسم في سائر أنحاء السودان.

وفي أحد المقاطع البرقية (نسبة للبرق) التي يختم بها المداح عادة قصائدهم قبل إنهائها بالصلاة على النبي ، ثم مهرها باسم المؤلف إثباتاً لحق الملكية الفكرية ، يقول الشيخ عبد الرحيم البرعي رحمه الله:

 

البرقِ لاحْ تَالا البناتْ

كَوَّى الحشَا كالماتْ بناتْ

يا منْ ليسَ لهُ البناتْ

زوُّرنِيْ روضةْ أبيْ البناتْ

 

ولاحظ أيضاً الجناس التام ولزوم ما لا يلزم المتمثل في ترديد كلمة " بنات " في الأشطار الأربعة جميعها.

قوله: " تالا البنات " ، يعني: باتجاه البنات ، وقصد بالبنات هنا: " بنات نعش " ،وهن تلك النجيمات الثلاث المتواليات في مجموعة " الدب القطبي " ، وهو ما يسمى عندنا ب " العنقريب " ، الذي هو النعش نفسه كما في الفصيح ، والأنجم الثلاثة هي بناته. قال أبو الطيب المتنبئ:

 

كأنّ بناتِ نعشٍ في دُجاها      خرائدُ سافراتٌ في حِدادِ

 

كلمة " تَالا " بمعنى باتجاه كذا ، أو من ناحية كذا ، معروفة ومستخدمة في سائر أرياف السودان وبواديه ، وأنا أرجح أن تكون تالا هذه مشتقةً من الكلمة الفصيحة " تِلْقاء " ، او هي مجرد اختصار لها بحذف القاف وهذا جائز. قال تعالى: " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " سورة القصص ، الآية 22.

ولطالما أشكل عليّ معنى الشطر: " كوَّى الحشا كالمات بنات " ، إلى أن شرحه لي شقيقي الأكبر الأستاذ " فرح محمد فرح " وهو نفسه من حيران البرعي ومريديه حيث قال لي: عبارة " الزرع مات بنات " ،معناها أن النبات مات وهو بعد في المرحلة الأولى من مراحل نموه ، ولم يخرج شطأه بعد. فهو بالتالي أشد إيلاماً وحسرة على المزارع ، وهو " يكوي حشاه " كما قال البرعي ، مشبهاً فعل البرق المتلألئ من جهة بنات نعش ، أي من اتجاه الحجاز على نفس الصب المشوق ، بأثر موت زرع الزارع وهو بعد مجرد " بنات " ، على سبيل المجاز بجامع الضعف واللين في كل من البنات وصغار الزرع. وهذا هو قطعاً من المجازات الكردفانية القحة.

أما من ليس له البنات ، فهو الحق سبحانه وتعالى ، وفي العبارة تبكيت لزعم المشركين قديماً بأن الملائكة هم بنات الله ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. وأما "أبو البنات " الذي سأل البرعي ربه أن يُزيرَه روضته ، فهو النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي لم يعش له من الولد غير البنات كما هو معلوم من سيرته.

هذا ، وتقبل الله الصيام والقيام ، وكل عام وجميع القراء بخير.