د. خالد محمد فرح
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 لعلَّ أكبر ما يمكن أن يؤخذ على الدكتور كمال الصليبي من وجهة النظر " العلمية الحديثة " ، هو كأن الصليبي يعتقد في صدقية veracity الوقائع التاريخية الواردة في التوراة جميعها اعتقاداً مطلقاً لا يتطرق إليه الشك ، في الوقت الذي يكذب فيه جغرافيتها جميعها تكذيباً مطلقاً ، لا يترك معه أدنى احتمال لصدق الرواية التوراتية التي يصفها بالتقليدية ،أي على النحو الذي ظلت تفهمه بها ملايين البشر من المؤمنين وغيرهم عبر الحقب المتعاقبة ، ولا حتى في جزئية صغيرة منها ، وهذا محال ،  كما أنّ فيه تناقضاً وفصاماً بيِّنا. فهو في التاريخ ، مؤمن إيماناً حرفيا لاهوتياً كإيمان العجائز ، وهو في الجغرافيا متسائل ، ومتشكِّك ديكارتي " على طريقة طه حسين " ، وتابع مخلص للمنهج الوضعي لعلماء الأنثروبولوجيا الثقافية في تناولهم للأساطير والأديان بصفة عامة.
 فجلُّ هؤلاء – أي علماء الأنثروبولوجيا –  كما هو معلوم ، يعتبرون سائر الأديان سماويةً كانت أو غير ذلك ، يعتبرونها مجرد أنساق من النظم والاعتقادات والممارسات الاجتماعية والثقافية والروحية التعبدية النابعة في الأساس من بنية المجتمع وواقعه المادي المحض بخصائصه الاقتصادية و الاجتماعية المميزة ، والتي تكمن أهميتها و  صدقيتها أيضاً ، في " وظيفتها " داخل المجتمع المعني ،ولا تتعداه بالضرورة إلى خارج نطاق دائرة معتنقيها لكي تلامس آفاق الحقائق المجردة والمطلقة. وهذا هو بالضبط رأيهم في الأساطير التي يتحمسون لها ويناصرونها ، مناصرةً أكاديمية باردة ومتعالية ،ومشوبة بغير قليل من السخرية والمداهنة أحيانا. فهم يتحمسون للأساطير ويعنوْن بها ليس من حيث أنها تنطوي على حقائق مطلقة يمكن الاستيثاق من صدقيتها أو عكس ذلك عن طريق مناهج الاستقصاء والبحث العلمي المعروفة ، ولكن من حيث أنها تؤدي وظائف وتشبع حاجات ثقافية واجتماعية وروحية في مجتمع معين ،ولا يبالون بعد ذلك إن كانت تنطوي على حقائق مجردة ، أوأكاذيب ملفقّة تخالف واقع الحال. فهم يزعمون أنه لا ينبغي أن تحاكم الأساطير محاكمة أخلاقية ، أو أن تطلق عليها الحكم القيمية. فهي هي نفسها معيار صدقها وقيمتها.
 ونحسب أنّ الدكتور محمدأحمد خلف الله رحمه الله ، وقد قيل إنه مصري من أصول سودانية ، قد تأثّر بهذا النهج " الأنثروبولوجي " في تناوله للقصص القرآني في كتاب له مشهور في هذا الباب ، زعم فيه أنّ القصص القرآني لا يعبِّرعن حقائق تاريخية محددة حدثت بالفعل ، وإنما المقصود منه محض الوعظ والإرشاد عن طريق السرد وضرب المثل الخ . فكأن القصص القرآني كان في نظره عملاً أدبياً  ذا " وظيفة " تربوية وإرشادية وتعليمية. وهو لعمري ذات المنهج الذي أغوى أستاذه الدكتور طه حسين ليقول قبله في كتابه: " في الشعر الجاهلي ": " للتوراة والقرآن أن يخبرانا عن إبراهيم وإسماعيل ،غير أنّ ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يقف دليلاًعلى وجودهما التاريخي ".
 بيد أنّ من الملاحظ بصفة عامة ، أنّ المقاربات البحثية المعاصرة لقصص الأنبياء وتاريخ العقائد الدينية عموماً ،على ضوء مناهج البحث العلمي المعاصر ، والاستعانة بالمعارف والعلوم المستحدثة ، قد جعل كثيراً منها ينحونحو الذاتية والشوفينية في كلا حالي الإنكار والإيمان. فمن الأمثلة على الضرب الأول: الزعم بالأصل المصري لموسى ، وحكاية توحيد اخناتون اللتين مر ذكرهما ، فضلاًعن الادعاء بأن قصص طوفان نوح وما إليها من القصص الديني ، مستقاة من تراث الأكاديين والبابليين والأشوريين الخ. أما مقاربات بعض المؤمنين بالعقائد الدينية والمعتقدين في صدق الوقائع الواردة في الكتب السماوية ، فهي أيضا لا تخلومن ذاتية وشوفينية على نحوما ، بمعنى انها تسعى إلى تعزيزالزهو الوطني national pride  ، أو إلى التماس البركة " الوطنية " ،عن طريق محاولة إثبات الصلة بين بلد ما ، ووقائع ورموزحدث ديني بعينه في الزمان السابق ،كما أنّ هذه المسائل قد ارتبطت في الآونة الأخيرة أيضاً ، بمحض الرغبة والسعي معاَ إلى الترويج و الدعاية لما يسمى بالسياحة الدينية أو الروحية ،وماتدره تلك التجارة الرائجة من أموال طائلة.
 هذا ،  ولأهل السودان نصيب لا بأس به من الروايات الشفاهية المتداولة والمتواترة من قديم الزمان فيما يبدو ، حول صلة أرض السودان بقصص الأنبياء ،ووببعض مرويات الكتب السماوية عموما. فمن ذلك على سبيل المثال: الرواية الشعبية التي تربط بين مدينة وميناء سواكن السوداني على البحر الأحمر ، وسليمان بن داؤود عليهما السلام ، وكيف أنّ اسمها الأصلي هو " سواجن" ، لأنّ سليمان عليه السلام كان يسجن فيها مردة الجن. ومن ذلك زعم السودانيين أنّ سحرة فرعون الذين استجلبهم لتحدي موسى عليه السلام كانوا من جزيرة " ناوا " بشمال السودان. ومنه ما ينسب لبعض أهل الكشف والصلاح في السودان من أنّ " مجمع البحرين " ، حيث التقى موسى عليه السلام بالعبد الصالح " الخضر " ،هوملتقى النيلين الأزرق والأبيض في الخرطوم عند جزيرة توتي. ومن ذلك أيضاً خبر قرأه كاتب هذه السطور في كتيب صغير من تأليف العلامة عبد الله الطيب ، صدرباللغة الإنجليزية قبل سنوات عنوانه: " Heroes of Arabia " ، ومضمونه ذاك الخبرهوأنّ فصيل ناقة صالح عليه السلام قد فرّ لاجئاً إلى فيافي السودان بعد أن عقر قدار والملأ من ثمود أمه ، فهو ما يزال يرعي بنواحي " وادي الهوّاد " شرق كبوشية ،وقدعزا عبدالله الطيب   إلى السيد الحسن المرغني رحمه الله.
 وكان عبد الله الطيب من المؤمنين ب " بركة " السودان في هذا الجانب ، وله فرضية مشهورة طرحها من خلال محاضرة قدمها في السعودية في سنة 1982 بعنوان:" هجرة الحبشة وما وراءها من نبأ " ، رجح فيها أن تكون الحبشة المعنية في خبر هجرة المسلمين الأوائل هي جزء من بلاد السودان الحالي ، وليست الحبشة التي هي اثيوبيا الحالية . وقد سار المرحوم بروفيسور حسن الفاتح قريب الله على نهجه ، ونسج على منواله ، وأصدر كتاباً بعد ذلك أسماه " السودان أرض الهجرتين " . وكنا نتسامر ذات ليلة في " البركس " ، فقلت لمن كانوا في المجلس إن عبد الله الطيب يعتقد أن لقمان الحكيم كان من شمال السودان ، فقال أخونا محمد القاسم بحماسة على الفور: " أيوة .. بديري دهمشي !! " ، فضحكنا من الطرفة المنطوية على ما يسمى بالمفارقة التاريخية أو ال Anachronism .
 وكذلك كان الجمهوريون ،وما يزالون يعتقدون في " بركة " أرض السودان وتميزها الروحي ،ومما يؤثر عن زعيمهم الأستاذ محمود محمد طه أنه كان يشبه شكل خريطة السودان بالقلب ،وربما استشهدوا أيضا للتدليل على ذلك التميزالروحي للسودان ، ببعض ما جاء عن بلاد كوش في أسفار الكتاب المقدس.
 وفي السنوات الأخيرة نشر الدكتورجعفر مرغني مديرمعهد حضارة السودان عدداً من المقالات والأبحاث المحكمة ،والمتصفة بقدر كبير من العمق و الموضوعية حول صلة بلاد السودان بأدبيات التوحيد وبقصص الأنبياء بصفة عامة ، لعل من أبرزها ترجيحه للرواية التي سبق أن ذكرها الحبر اليهودي والمواطن الروماني " جوزيفوس فلافيوس " Josephus Flavius  ،الذي عاش في القرن الميلادي الأول ،في كتابه " تاريخ اليهود " The Jewish Antiquities من أنّ ملكة سبأ المذكورة في القرآن وفي الإنجيل ،والمعاصرة لسليمان عليه السلام ، إنما كانت ملكة كوشية ،أي سودانية ( راجع مقاله بعنوان: من أدبيات التخوم السودانية المصرية ،بمجلة "حروف " ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، سنة 1991 م ). وكان الدكتور جعفر مرغني – حسب علمي – أول باحث  ربط بين اسم الملك المروي الفيلسوف " أركماني " الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد ، وبين اسم " لقمان الحكيم " الذي يجمع مفسرو القرآن الكريم على أنه كان " نوبيا ".
 وقد أورد الدكتورجعفر في أبحاثه تلك ، جملة من الحجج والأدلة التاريخية والجغرافية واللغوية ، والحضارية ، فضلاً عن بعض البينات الظرفية التي لا يملك القارئ إلا أن يتوقف عندها ويتأملها مليّاً على أقل تقدير ، وذلك نسبة لما تنطوي عليه من قدر كبير من الموثوقية والقابلية للتصديق Plausibility .
 وتجدر بنا الأشارة أيضاً إلى سلسلة المقالات التي كان ينشرها الأستاذ أحمد سليمان المحامي بالصحف السودانية خلال السنوات التسعين من القرن المنصرم حول علاقة إبراهيم وموسى عليهما السلام بأرض السودان ،كما نود أن نشير أيضاً إلى الاهتمام الملحوظ الذي ظل يبديه الباحث والأستاذ الجامعي ،بروفيسور حسن مكي منذ بضعة أعوام بما يسميه " الدائرة الإبراهيمية " أو" الملة الإبراهيمية " ، والصلات التاريخية القائمة بين مكوناتها ، ودور السودان فيها ، وذلك من خلال زوجتي إبراهيم عليه السلام السيديتين السودانيتين: " هاجر " و " قطورة " ، ثم السيدة " صفورة " الكوشية زوجة موسى عليه السلام ،التي ما يزال اسمها متداولا كاسم علم على النساء في السودان ، وخصوصاً بين الحلفاويين إلى يوم الناس هذا ، وانتهاءً بخبر الكنداكة ملكة " مروي " التي ذهب وزير خزانتها الذي كان يشدو – فيما يبدو – شيئاً من عقيدة التوحيد الموسوية ، قبل أن يتم تعميده مسيحياً على يد الشمّاس " فيلبوس " في مدينة القدس في ثلاثينيات القرن الميلادي الأول.
 ولا يقتصر " الزهو الوطني " المتولد عن حقائق أو أوهام الصلة بين السودان وتاريخ ومرويات ورموز العقائد التوحيدية على المسلمين فحسب بطبيعة الحال ، بل يشاركهم وربما يتفوق عليهم أخوانهم ومواطنوهم المسيحيون في ذلك للاعتبارت الدينية المعروفة. ومما يذكر في هذا الباب أن الكنيسة السودانية قد أصدرت كتيباً صغيراً قبل بضعة أعوام بعنوان: " السودان في الكتاب المقدس " ، أوردت فيه جميع الإشارات إلى السودان بمسمياته التوراتية القديمة " كوش/إثيوبيا " ، وماتنطوي عليه تلك الإشارات من دلالات البركة والصفات الحميدة والبشارات الطيبة لكوش ولأهل كوش.
 والحق الذي لا مراء فيه أنّ أرض السودان الحالي بمختلف المسميات التي أطلقت عليها عبرالحقب المختلفة: " كوش ، اثيوبيا ، مروي ، النوبة الخ " ، قد كانت وثيقة الصلة بالأرض المقدسة في فلسطين ، وبما كان يمور بداخلها من وقائع وأحداث. يدلك على ذلك كثرة الإشارات إليها ،وقد أحصى كتيب الكنيسة المشار إليه ثلاثين موضعاً في الكتاب المقدس ذكرت فيها بلاد السودان. فليس السودان أرضاً مجهولة أو Terra Incognita ولم يكن كذلك في يوم من الأيام  ، كما يصفه بعض المؤلفين الأوربيين المعاصرين لأسباب تخصهم ، وذلك على الرغم من علمهم بتلك الإشارات التوراتية للسودان ،فضلاً عن ورود اسم اثيوبيا/السودان في إلياذة هوميروس التي يعتقد انها قد ألفت في القرن التاسع قبل الميلاد ، بالإضافة إلى ذكر اثيوبيا ومروي في مؤلفات الكتاب الكلاسيكيين من لدن هيردوتس وحتى استرابو وبليني وغيرهم.
 فلقد شرّق الباحثون وغرّبوا على سبيل المثال ، وخصوصاً الغربيين منهم ، في محاولات مضنية من أجل تحديد موضع " أوفير " المذكور في التوراة على أنه الموضع الذي كانت تذهب إليه أساطيل وقوافل سيدنا سليمان عليه السلام لاستجلاب الذهب والنحاس وغيرهما من المعادن والحجارة الكريمة ، ومضوا في فرضياتهم إلى أماكن بعيدة مثل الهند ، والصومال ، وزمبابوي ،ومدغشقر وغيرها ، ولم يشاءوا ان يفترضوا أن تكون أوفير المذكورة موجودة في بلاد البجة من شرق السودان. فهذه المنطقة قريبة جغرافياً من فلسطين ،وهي منطقة مشهورة بتعدين الذهب والحجارةالكريمة وخصوصاً الزمرد منذ عصر الأسرات الفرعونية الأولى ، ثم إن الاسم " أوفير " هو الأقرب فيلولوجياً للغة البجة إلى يوم الناس هذا من أية لغة أخرى.  ذلك بأنّ السابقة " أو " في كلام البجاة تعادل أداة التعريف . فالبجة يقولون في " الشيخ .. أوشيك " ،وفي " الحاج .. أوهاج " ، كما أنّ من أقدم المراسي على البحر الأحمر في بلاد البجة ميناء " أوسيف". وعليه يرجح كاتب هذه السطور افتراضاً وليس قطعاً، أن تكون " أوفير " التوراتية مطمورة في مكان ما في شرق السودان ،وذلك في انتظار المزيد من البينات الآثارية والخطية. ولا ينبغي أن يكون ذلك مستبعداً من الناحية التاريخية ، ذلك بأن مؤرخاً وعالم مصريات فرنسياً مرموقاً هو البروفيسور " جان يويوت "، بات يرجح ان تكون " بلاد بونت " الوارد ذكرها في النصوص المصرية القديمة ، هي منطقة حوض نهر القاش بشرق السودان ، وليست الصومال البعيدة كما هو شائع. ولذلك فإن أسطورة سواكن السودانية وربطها بسليمان عليه السلام ، تنطلق في تقديرنا من عناصر تاريخية وجغرافية واقعية ومنطقية ،وغير مستبعدة البتة.
 ومن المرجح أيضاً أن أرض السودان قد عرفت التوحيد والديانات التوحيدية منذ قديم الزمان ،وقد مضى خبر وزير كنداكة الذي جاء عنه في سفر أعمال الرسل أنه كان يعرف سفر أشعياء قبل أن يتحول إلى المسيحية ،ومن قبله لقمان الحكيم الذي يقول المفسرون أنه كان معاصراً لداؤود عليه السلام ، أي في حوالي القرن العاشر قبل الميلاد.
  ويعتقد الأستاذ مختار عبد السلام في كتابه الذي عليه مدار حديثنا هذا ، يعتقد أيضاً أنّ التدين التوحيدي في السودان قديم جدا ، وأنه أعرق من أي تدين آخر في كل الأرض على حدزعمه.  ويوضح هذه الفكرة على نحو ما يجئ في الفقرة التالية من صفحتي 340 و341 من الكتاب ، والتي استقى بعض نصوصها من كتاب القس الإيطالي الأب جيوفاني بعنوان " الممالك النوبية المسيحية ":
" يقول ديو روس المؤرخ الإغريقي الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد عن أهل كوش (أنهم أول الخلق على ظهر الأرض ، وأنهم أول من تدين وقرب القرابين). كما أنّ علماء الآثار يؤكدون أنّ أهل كوش كانوا يعتقدون في حياة بعد الموت.وهذا يعني طوراً من التدين قد يكون فطرياً بسيطاً أحياناً ،وقد يسمو إلى ذرى التوحيد فترات.. وقد سبق أن طرحنا أنّ أولي العزم من الرسل ومعهم موحدون آخرون كانوا هنا بشروا بعقيدة التوحيد... ويستلفت النظر هذا النص الذي أورده الهمداني (أنّ النوبة المسيحيين كانوا يختتنون ،ولا يقربون النساء في أيام الحيض ، ولا يغتسلون من الجنابة .. وهذا يشير إلى أنهم رغم مسيحيتهم يحافظون على بعض شريعة إبراهيم (الختان) ،وبعض شريعة موسى (الحيض)..كما أنّ الدعاء الذي كان يكتب على بعض شواهد القبور في النوبة المسيحية ( يا الله يا خالق الأرواح وربها ارحم المدفون وأسكنه في مقر النور والسعادة والسلام في حضن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) ،يؤكد توحيدهم وارتباطهم برسالة سماوية هي الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام ، رغم الشقة الزمنية الواسعة بين عهدهم بالخليل وتمسّحهم. " أ.هـ 
 وفي مقال له بعنوان: " ديانة بني إسرائيل منذ البدايات وحتى السبي البابلي " نشر ضمن الجزء الأول من كتاب: " تاريخ الأديان " Histoire des religions من إصدارات دار نشر غاليمار Galimmard الفرنسية ، يذكر الأستاذ أندريه كاكو Andre` Caquot أنّ أول ذكر على الإطلاق ل " يهوه " ، وهو اسم الله تعالى عند اليهود ، قد عثر عليه في نقش بع بمعبد امنحوتب الثالث بموقع " صولب " الأثري بشمال السودان. وأوضح ان ذلك النقش يتحدث عن " بدو الشاسو " ،الذين وصفهم النقش ب " بدو ياهو ". وذكر البروفيسور كاكو أنّ  تاريخ ذلك النقش يعود إلى أوائل القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، أي قبل بعثة موسى عليه السلام نفسه ، ونزول التوراة عليه ، فتأمّل.
   وبالجملة فإنّ كتاب الأستاذ مختار عبد السلام مختار وأطروحته ، يندرجان في إطار هذا الجو العام المفعم بالإحساس العميق لدى سائر السودانيين بأن بلادهم ، بلاد طيبة ومباركة ، وقديمة الصلة بالتدين من حيث هو ، وبعقيدة التوحيد تحديداً ، وهومن بعد رجاء صادق ،وأمنية طيبة pious wish من قبل المؤلف ، أراد من خلالها ، أن يثبت لبلاده ولقومه حضوراً بهيّاً ، ومشاركة فاعلة في أنضر فصول تاريخ العقائد الكتابية ، وتلك لعمري هي قمة الوطنية ، وغاية حب الوطن.