عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.   

  

          فولكلور المدينة ، أو الفولكلور الحضري ، هو ذلك الضرب من الموروث الشعبي أو الفولكلور الذي تنتجه المدينة أو البيئة الحضرية ، من حيث هي كيان مندمج ومتجانس ، وواعي بذاته وبهويته السوسيولوجية الجامعة لدرجة تكثر أو تقل ، وليس من حيث هي مركب فسيفسائي التكوين لكيانات إثنية متميزة بعضها عن بعض ، قُدِّر لها مجرد التساكن والتعايش في جوار جغرافي واحد.

 

          وقد انبرى لحسن الحظ لمسألة فولكلور المدينة هذه مؤخراً ، بعض الفولكلوريين السودانيين ، نذكر منهم على وجه التحديد: البروفيسور محمد المهدي بشرى ، الذي عقد لهذا الموضوع فصلاً في كتابه الموسوم ب "الفولكلور السوداني: مقالات ودراسات" ، وقد جاء ذلك الفصل تحت عنوان: "الفولكلور في المدينة:ملاحظات أولية" ، ضمّنه جملة من المباحث والرؤى التنظيرية والمفاهيمية ، والموجهات التطبيقية المفيدة في هذا الباب ، فضلاً عن عدد كبير من الإشارات البيبليوغرافية والإحالات المرجعية ذات الصلة. فكان مما أورده البروفيسور بشرى في هذا المضمار مما له صلة بموضوعنا ، هذا الاقتباس  الذي نود أن نثبته ههنا على الرغم من طوله النسبي الذي نستبيح القارئ عذراً عنه:

  

"على الرغم من حداثة علم الفولكلور في السودان ، إلا أنه تأثر ببعض أوجه أداء الفولكلوريات الأوروبية الكلاسيكية. ولعل من أكبر الأدواء ، التركيز على دراسة الفولكلور في المجتمعات الريفية أو "البدائية" ، مع إهمال تام للمجتمعات المدنية أو المتمدينة ، ومناطق الإنتاج الحديث بشكل عام. وليس أدل على هذا القصور من قائمة الأطروحات الأكاديمية والدراسات التي أعدها طلاب الفولكلور في المستويات المختلفة في معهد الدراسات الإفريقية والآسيوية الذي يمثل الجهة الأكاديمية الوحيدة على امتداد القطر لدراسة الفولكلور بمستوى فوق الجامعي. فمن هذه الجماعات التي تناولتها هذه الأطروحات على سبيل المثال: المسبعات في غرب السودان ، والهمباتة في وسط السودان ، والجعليين في شمال السودان. ولعل عوامل عدة ساعدت على التركيز على المجموعات العرقية التي ما زالت تحافظ على تقليديتها ، وما زالت بمبعدة  إلى حد ما عن لاعقات الإنتاج الحديثة ، إضافة إلى أن نفراً من هؤلاء الباحثين هم من أبناء تلك المجموعات العرقية ، مما سهل عليهم وأغراهم بدراسة مجتمعاتهم ، زد على ذلك عدم اهتمام الكثير من طلاب الدراسات والباحثين باللغات الوطنية المتعددة في السودان. لكن العامل الرئيسي هنا هو الفهم الخاطئ لتعرف الفولكلور نفسه ، هذا الفهم الذي ورد لنا من إرث أدبيات الفولكلور الكلاسيكية ، حيث ساد فهم خاطئ ربط بين الفولكلور وبين الريف (ليش 1949 – 402 ، وجون موس 1949 – 410). فقولدشتاين الذي وضع المرشد للعمل الميداني في مجال الفولكلور ، كان أكثر استجابة لذلك الفهم الخاطئ (قولدشتاين 1949) ، إذ نجده يشير لعدم جدوى استخدام المرشد لغير المجتمعات التي هي أصلاً ريفية وتعتمد على الزراعة ... لكن الدراسة الحديثة سرعان ما تجاوزت الفولكلوريات التقليدية وهذا الفهم الخاطئ ، وعملت على تحضه ، وانتبهت هذه الفولكلوريات للمجتمعات الحديثة أو المتمدينة ، وركزت على ضرورة دراسة الإبداع الشعبي لإنسان هذه المجتمعات. ولا شك أن هذا التصحيح في حد ذاته كان دفعة قوية لعلم الفولكلور ، حيث تطورت أدواته ومناهجه ، وأصبح قادراً على دراسة أي مجتمع بشري بصرف النظر عن درجة تطوره الاجتماعي. وتجدر الإشارة في هذا الصدد لحدثين هامين هما بلا شك علامتان بارزتان في تاريخ الفولكلور هما: مؤتمر التجربة الحضرية والتقليد الشعبي (1968) ، والذي ظهرت أوراقه في مطبوع قدم له الباحثان. (انظر اسنيكر 1971 المقدمة وما بعدها). وقد سعت هذه الأوراق لتصحيح الخطأ السائد حول غياب الإبداع الشعبي في المجتمع الحضري. نلمس هذا في دراسة دورسون: هل ثمة فولكلور في العالم الحديث ، والذي عقد في عام 1973. (ريتشارد دورسون 1978 المقدمة وما بعدها). ولقد أشار دورسون للمساهمة الرائدة لهذين المؤتمرين ، حيث قال إن أطروحتهما علامات بارزة حتماً ستهدي دارسي الفولكلور الحضري.." انتهى الاقتباس.

 

          ويشير البروفيسور بشرى في موضع آخر من ذلك الفصل إلى ما قد تعتبر نماذج ذات صلة على نحو ما بفولكلور المدينة ، ولكن ليس بالمفهوم الذي ندبنا أنفسنا لمحاولة تقصيه في هذا المقال ، حيث أشار إلى دراسة أجريت في سبعينيات القرن الماضي بعنوان: "أثر التمدين على شعر الشكرية" والتي تتناول أثر التطور الاقتصادي والاجتماعي الناشئ عن توطين أهالي حلفا في شرق السودان على شعر جماعة الشكرية سكان المنطقة القدامى ، والذين هم أصلاً رعاة إبل. كما أشار إلى أطروحة للباحثة آسيا محجوب عنوانها: "التقليد والتمدين في بقعة إفريقية حضرية" ، والتي تناولت من خلالها مقارنة للإبداع الشفاهي لجماعة المسيرية التي تقطن غرب السودان في موطنهم الأصلي ، مع إبداع ذات الجماعة بعد نزوح جماعات وافرة منها للعاصمة لكسب وسائل الرزق.

 

          بيد أنه على الرغم من مشروعية وأهمية هذين المبحثين المشار إليهما آنفاً ، من منظور علمي الفولكلور والأنثربولوجيا الثقافية معاً ، إلا أنهما لا يلبيان في تقديرنا متطلبات البحث في الفولكلور الحضري من حيث هو. ذلك بأنهما يظلان متعلقان بجماعات ريفية في الأساس ، وإن تأثرت بمظهر ما من مظاهر التمدين ، سواء فيما يلي تفاعل مسيرية العاصمة مع مجتمعهم الحضري الجديد ، أو فيما يتعلق بالتداخل مع مجموعة "متحضرة" ، كما هو الحال بالنسبة للشكرية مع الحلفاويين. وإنما نريد الفولكلور الذي ينتجه ابن المدينة مسيرياً كان في الأصل أو حلفاويا أو غير ذلك. ونقصد بذلك على سبيل المثال: ما هي مظاهر الفولكلور المديني أو الحضري المشترك الذي ينتجه سكان حي الديوم بجنوب الخرطوم  من حيث هم جماعة متداخلة ومنسجمة مثلاً ؟ ، علما بان هذا الحي يجمع سودانيين من قبائل وأصول شتى: شايقية ، وتعايشة ، ونوبة ، وعناصر أخرى تعود بأصولها إلى مختلف أنحاء السودان الخ ..

 

          لقد أشار عالم فولكلور أمريكي يدعى مارتن لابا Martin Laba لما نحن بصدده في الواقع في كتاب له بعنوان: "علم الفولكلور الحضري: مقاربة سلوكية" Urban Folklore: A Behavioral Approach ، وهو كتاب صدر في عام 1979 عن جمعية فولكلور أمريكية تسمى Western States Folklore Society . فكان مما قاله هذا العالم في هذا الخصوص ما يلي:

  “The discipline of folklore has yet to develop a theoretical perspective which is consonant with urban experience. Folklorists have failed to apprehend the city a as whole, and continue to dissect the urban environment into ethnic or generic compartments for the examination of items of folklore transplanted from urban settings etc.”     

بعض المدن السودانية وما تستدعيه إلى الخيال والتصور الشعبي السوداني:

  

          هنالك بعض الألقاب والنعوت والانطباعات المتكونة عن بعض المدن السودانية داخل الخيال والتصور الشعبي لأهل السودان ، ولا شك أن تصور الشيء ينبيء دائماً عن ماهيته ، أو هو جزء من ماهيته. وحسبنا أن نذكر ههنا على ما ارتبط في هذا الباب بالمدن التالية على سبيل المثال:

  

* أم درمان: البقعة (أي بقعة الإمام المهدي) ، أم در ، العاصمة الوطنية ، مدينة الحركة الوطنية والسياسة ، والفن ، والرياضة ، والأدب. فلا غرو أن قال بلسان حالها شاعرها الفذ عبد المنعم عبد الحي مزهوا: " فخير بنيكَ يا سودان مني     سلوا الحادي سلوا الشادي المغني ". وهي مدينة من تراب كما سماها علي المك يشير إلى بيوتها المبنية من الطين. مدينة الباحات (الحيشان) الواسعة والدور المتداخلة التي تفصل بينها "النفاجات" ، جمع نفاج ، وهذه اللفظة الأخيرة هي من فولكلور أبناء أم درمان القولي بلا ريب ، على الرغم من أن الكلمة نفسها فصيحة لفظاً ومعنى ، وهي من نفس الحقل اللفظي و الدلالي لكلمة " نفق " ومشتقاتها. فقد جاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير قوله على لسان بعض الصحابة: " أنفجنا أرنباً " ، أي أثرناه حتى خرج بالنفاج فتأمّل !

 

* الخرطوم: عاصمة السودان. وهي " كرش الفيل " ، وقيل بل كرش الفيل هي أم درمان. أي أن كل شيء موجود بداخلها. ومن الفولكلور القولي الذي ارتبط بها المثل القائل: "المعدوم في سوق الخرتوم" ، ويقال أيضاً: "شن معدوم في سوق الخرتوم ؟". ومن العبارات السائرة المستحدثة في وصف الخرطوم أيضاً قولهم: " الخرطوم .. محل الرئيس بنوم والطيارة بتقوم ". ومن ابتداعات فولكلور المدينة القولي المرتبط بالخرطوم وصف شيء ما بالكثرة بقولهم مثلاً: " لقيت زي خرطومية واحد " ، يعني لقيت أناساً كثيرين مثل سكان الخرطوم.

 

* ود مدني: مدني السني ، مدني الخضراء ، أرض المحنة وقلب الجزيرة. انطلقت منها فكرة مؤتمر الخريجين ، وهي أيضاً مدينة الفن والرياضة ، كما أنها تفخر بأبنائها الأذكياء النابهين.

 

* الأبيض: أب قبة فحل الديوم: أي فحل المدائن وسيدها. أكبر سوق للصمغ العربي في العالم ، عروس الرمال ، ومرقد السيد إسماعيل الولي. ومما ارتبط بها من الأمثال الشعبية: "إنت قاعد في اللبيض وما بتعرف ود اب صفية؟" ، يعنون الشيخ بدوي ود أب صفية البديري ، الرجل الصالح والداعية المشهور الذي نشر الإسلام في جبال النوبة.

 

* الفاشر: فاشر أبو زكريا ، اشتهرت في الفولكلور السوداني بصناعة الأحذية الشعبية الجياد ، أو " المراكيب الفاشرية ". ويفتخر أهلها بأنهم أول من أحرق العلم الإنجليزي في مظاهرة شعبية في زمن الاستعمار.

 

* كسلا: التاكا ، مدينة الخضرة والجمال والسواقي ونبع توتيل ، مرقد سيدي الحسن أب جلابية ، وملهمة الشعراء.

 

*عطبرة: مدينة الحديد والنار ، عاصمة السكة حديد ، مدينة العمال والحركة العمالية والنقابية والنضال ضد الاستعمار. ومن فولكلورها الحضري المادي شيوع استخدام سكانها للدراجات الهوائية (العجلات) ، وتجويد مطاعمها الشعبية لطهي الفول.

 * رفاعة: رفاعة أب سن. مدينة التعليم والاستنارة وريادة تعليم المرأة الخ.   

فمما تقدم يتبين لنا أن معظم تلك الألقاب والنعوت التي أطلقت على تلك المدن ، سواء من قبيل الفولكلور الشعبي العام ، أو مما تولد عن فولكلور المدينة ، إنما يندرج في إطار الزهو بالمدينة المعنية ، وبتاريخها ، وبخصائصها ، وبأعلامها النابهين ، وبمنجزات أبنائها وبناتها. وذلك كله قطعاً يمثل مظهراً أساسياً من مظاهر فولكلور المدينة.

  

من فولكلور المدينة السودانية المتعلق بالتسلية والألعاب والاحتفالات:

  

          لا شك أن لعبة الورق أو "الكوتشينة" ، هي من أقدم مظاهر فولكلور المدينة في السودان فيما يلي باب الألعاب ، إذ أنها ارتبطت تاريخياً بالمدن والمجتمعات الحضرية وإنما انتشرت في الأرياف بفضل طوائف الموظفين والمدرسين وموظفي السكة حديد الخ الذين نقلوها من المدن إلى مختلف أصقاع البلاد. على أن هذه اللعبة تتمثل في مستويات متباينة ، وبها نوع من التراتب ما بين الريف والعوام من جانب ، وبين الحضر والمتعلمين من جانب آخر. فأهل الريف وأشباه الأميين ، تنتشر بينهم ألعاب معينة مثل: كش الولد أو عشرة طيبة ، وربما كنكان ستة ، وبصرة ، وحكم الشايب الخ ، بينما معظم سكان المدن ومتعلمي الأرياف يحبذون إما كنكان اربعطاشر أو ما يسمى ب "الحريق". أما لعبتا الويست والهارت وكذلك البوكر فهي من ألعاب الصفوة نوعاً ما.

 

          هذا وقد نسج السودانيون في أثناء لعب الكوتشينة وخصوصاً الكونكان والحريق ، فولكلورا قولياً طريفا هو أشبه قطعا بفولكلور المدينة. ومن ذلك ترديد عبارات معينة لتعبر عن مقتضى الحال ، وتلك العبارات تكون مقتبسة في الغالب من بعض الأغنيات الشهيرة ، وذلك مثل قولهم: " غيب وتعال! " و " زاد وجدي " ، و " نشتاق ليك وانت معانا " في إشارة إلى أغنية إبراهيم عوض: "ملاذ أفكارنا الهيمانة " الخ. وهذه الأخيرة يقولها من يفتح أو ينزل بورقة تكون موجودةً  سلفاً من بين أوراقه. وهنالك بعض الأمثال الشعبية التي يرددها البعض أثناء لعب الحريق خاصة مثل قولهم:" العندو المال ما يباري السفهاء " ، أي من يكن ورقه جيدا يمكنه من النزول ، فلينزل بسرعة حتى لا تدور عليه الدوائر فيتحسّر. وكان لنا زميل مثقف عندما " يعصره " من هو في شماله ، ويمطره " دوهات وتريسات " وأشباهها فقط ، ثم تفرج عليه ويسحب ورقة من الصندوق تمكنه من النزول ، يرفع عقيرته في فرحٍ و تحدٍ ظاهر مستشهدا ببيت نزار قباني: " بدراهمي لا بالحديث الناعم !! ".

 

من الألعاب الجديدة والمستحدثة التي تنتمي إلى فولكلور المدينة بامتياز في تقديرنا ، لعبت تسمى " فلْفلتْ " ، انتشرت في أحياء العاصمة منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وكان كاتب هذه السطور قد وقف بالفعل عند جماعة من الأطفال وهم يلعبون هذه اللعبة بأحد أحياء الخرطوم قبل سنوات وسألهم عن اسمها فقالوا له " اسمها فلفلت ". وحقيقتها أن يعمد أطفال المربوع إلى عمود كهرباء في أحد الزوايا فيربطون عليه كرة شراب بحبل أو خيط متين ، ويلتفون حول الكرة فيضربونها بطريقة معينة. فتظل الكرة تدور حول العمود وكل منهم يحاول ضربها. فهذه اللعبة إذاً ، هي لعبة خرطومية بحتة لا علاقة لها بأية جهة أو مجموعة عرقية في السودان. فهي من هذا المنطلق واحدة من أوكد مظاهر فولكلور المدينة.

 

يعتبر علماء الفولكلور الكتابة والرسم على الحوائط أو ما يسمى بال Graffiti ، أحد مظاهر فولكلور المدينة بصفة عامة. وليس صبية و أطفال المدن السودانية ببدع في هذا الباب. ذلك بان الكتابة والرسم على الجدران ظاهرة مشاهدة في مختلف المدن السودانية ، وخصوصاً تلك الكتابات التي تمجد هذا الفريق أو ذاك من فرق كرة القدم على سبيل المثال.

 

كذلك ربما جاز لنا أن نعتبر ما يسمى ب " التفحيط " ، وهو قيادة السيارة بطريقة معينة تجعل الإطارات تصدر صفيراً مزعجاً ، ربما جاز لنا أن نعتبره مظهراً من مظاهر فولكلور المدينة ، وخصوصاً بين طبقة معينة من الشباب المتأثرين بفولكلور المدن الخليجية بصفة خاصة التي تنتشر فيها هذه الظاهرة.

 أما السينما فهي من تراث المدينة بامتياز ، لأنها دخيلة على الثقافة السودانية التقليدية ، كما أنها مرتبطة بالمدن حصراً في السودان. ولقد نشأ حولها فولكلور حضري مميز بوسعنا أن نذكر بعض مظاهرة متمثلةً في: كتابة الإعلانات عن العروض السينمائية بخطوط  ومواد ذات ألوان معينة تشبه لون الصبغة (التفتة) التي تعلم بها الجوالات في الطاحونة. وكذلك هنالك الدعاية الصوتية أو الدعوة لمشاهدة الفيلم من خلال مكبرات صوت تحمل على كارو كما كان في السابق وخصوصا في بعض المدينة الصغيرة (وهذا من ذكريات طفولتي عن مدينتي النهود وأم  روابة ) ، وربما من على ظهر عربة بوكس لاحقا. يضاف إلى ذلك: بيع التسالي والفول السوداني والكبكبي والترمس واكلها أثناء العرض. وكذلك التدخين ، والتصفير احتجاجاً على انقطاع الفلم أو اختفاء الصوت أو رداءة الصورة ، فكل ذلك من فولكلور المدينة. ومن فولكلور المدينة القولي فيما يتعلق بالسينما وصف الأوغاد أو الأشرار ب "الخيانة" جمع خائن ، ووصف مهرج الفيلم ب "العوير" الخ. ومن ذلك أيضا اشتهار ممثليْ أفلام الوسترن أو " الكاوبوي ":  تيرانس هيل باللقب " ترنتي " ، و فرناندو سانشو باللقب " ديجانقو " ، وجوليانو جيما باللقب " رينقو "  وهكذا.

من البدع الفولكلورية الحضرية الجديدة في السودان ، تخلي بعض الناس وخصوصاً في العاصمة عن الزفة السودانية التقليدية للعروسين ، بإيقاعاتها وأهازيجها التقليدية مثل: "الليلة ساير لى بت القبايل" أو "يا عديلة يا بيضاء" الخ ، وتبني الزفة المصرية ، مثل ما كانوا قد تبنوا قبل سنوات من قبل ارتداء ثوب الزفاف الأبيض حتى صار تقليداً فولكلورياً مدينياً راسخاً في السودان. ومما يمكن أن يذكر في هذا الباب اتجاه بعض الأسر المتيسرة إلى إبراز العروس في أكثر من طقم من الملابس والحلي أثناء حفل رقص العروس ، مما قد يدخل في باب ما يسمى بالفشخرة والبوبار.

 

كذلك من البدع الفولكلورية الجديدة أيضاً في المدن السودانية ، إصرار بعض العرسان المتعصبين لتشجيع فريق المريخ على لبس نجمة ذهبية بدلاً من الهلال الذهبي التقليدي. ولا أدري إن كان هنالك في المقابل بعض العرسان المتعصبين لفريق الهلال الذين يصرون على لبس حريرة زرقاء مثلاً بدلا من الحريرة التقليدية الحمراء.

 

زفة المولد النبوي الشريف هي الأخرى من مظاهر الفولكلور الحضري الأصيل الذي لا عهد لأرياف السودان وبواديه به ، ومن أوكد دلائل حضريته ورسميته ، وجود سرادق رسمي خاص بالحكومة من ضمن السرادقات الأخرى ، يسمى شعبياً بخيمة الحكومة.

 

وأخيراً فإن الإفراط أو ما يسمى بال Overdoing في التمسك بمتعلقات الفولكلور الشعبي أو الريفي من قبل بعض قاطني المدينة ، وخصوصاً العاصمة ، يعتبر هو نفسه في تقديرنا مظهراً من مظاهر فولكلور المدينة. وذلك مثل حرص بعض بنات المدينة من فئة ما يسمى بالحناكيش على لبس الودع وعقود الجزع (السوميت) أو التيلة ، وكذلك لبس بعض شبان المدن لأساور النحاس والحديد على معاصمهم ، وكذلك انتعالهم للأحذية الشعبية مثل الشدة والتموت تخلي أو الشقيانة الخ. ثم أضف إلى ذلك إقدام بعض الشبان في المدن إلى حلق شعور رؤوسهم بالكامل ، وهو من فعل أبناء البوادي والأرياف عادة ، أي ما تسمى ب " الزيانة ". ولكن ربما احتج محتج بأن أبناء المدن الذين يفعلون ذلك إنما يقلدون كوجاك ، أو المارينز ، او حليقي الرؤوس الأوروبيين.

 

مهما يكن من أمر فإن طرق تصفيف الشعر وحلاقته بحسب التقليعات السائدة والمتعاقبة ،تعد من مظاهر فولكلور المدينة بالأساس ، ثم منها قد ينتقل إلى المناطق الريفية. فقبل سنوات  فتن بعض الشباب بطريقة المغني الجامايكي "بوب مارلي" في تصفيف شعره وتضفيره في شكل جدائل كثة وسميكة فيما عرف بطريقة " الراستا " ، نسبة ل " راس تفرّا " وهو لقب هيلا سلاسي قبل أن يصير إمبراطورا لإثيوبيا. والمعروف أن بوب مارلي كان يستلهم في إبداعه معاني الحرية والانعتاق والنهضة الإفريقية  ، على النحو الذي كانت تجسدها إثيوبيا بوصفها أول دولة افريقية مستقلة ، بل بوصفها الدولة الإفريقية الوحيدة التي تمتعت بعضوية عصبة الأمم.    

  

في الفولكلور القولي للمدينة السودانية:

  

من القصص وليدة الفولكلور الحضري السوداني  ، التي تماثل ذلك النمط من القصص التي تحكى تقليديا في الموروثات الشعبية لجميع البلدان والمجتمعات ، من أجل تعليل أصول الأشياء ، وتقديم بعض التفاسير الشعبية  لبعض الظواهر الطبيعية ، هذه القصة التي ربما تكون معروفة لأناس كثيرين في السودان ،و التي نود أن نختم بها هذه الكلمة:

  

" عارفين لأيه الغنماية لمن تكون واقفة في الشارع  وتجي عربية ماشية عليها بتجري منها لى غادي ؟ وعارفين لأيه الكلب بسك أي عربية ؟ ، ولأيه الحمار بقيف في نص الشارع وما بزح أصلو لامن العربية تقرب تصدمو أو يضربوه ؟. ما أصلو قالوا زمان الغنماية والحمار والكلب ركبوا في بص. قامت الغنماية عملت نايمة وما دفعت حق المشوار ، وقام الكلب دفع أزيد من الأجرة لأنو ما كان عندو فكة ، لكن الكمساري قام زاغ بالباقي بتاع الكلب. أما الحمار ، فكان دفع حق المشوار بالضبط ، وبقى لا دايرين منو ، ولا هو داير من زول حاجة. وعشان كدا قال ليك الغنماية كلما تشوف ليها عربية بتقوم جارية منها ، والكلب كلما يشوف عربية يسكها لأنو داير الباقي حقو ، والحمار ما بزح من الشارع لأنو دفع العليهو ، وما خايف من حاجة ".

  * مقتطفات من محاضرة قدمها الكاتب أمام الجمعية السودانية للفلكلور التي يتمتع بعضويتها ، بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم نهار الخميس الموافق 13 نوفمبر 2008 م.