عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
بما أن الشعر عموماً ، وشعر الغناء على وجه الخصوص ، وفي كل بلاد الدنيا ، من المفترض أن يكون مرآة صادقة تعكس مختلف أوجه الحياة الاجتماعية والثقافية والمناخية والطبيعية في البلد المعني ، فقد عنّ لنا ونحن نعيش هذه الأيام في السودان مع تباشير فصل الخريف المبهج والجميل بمقاييسنا بالطبع ، أو كما نحس به ، أن نعرض هاهنا إلى بعض الصور البيانية الأخاذة التي وردت في شيء من الشعر السوداني التقليدي ، وخصوصاً في نماذج  من شعر الغناء تحديداً ، وهي صور ذات صلة بينة بفصل الأمطار الذي يسمى الخريف عندنا ، فضلاً عن عالم الزراعة والنبات على وجه العموم.
ونحن نقر من بين يدي هذه الخواطر ، أن ليس كل ما ورد في شعر الغناء السوداني القديم منه والمعاصر من صور بلاغية ، وتعابير وألفاظ بعينها ، مما له صلة بالزراعة والنبات ، يعبر بالضرورة عن الواقع السوداني البحت حصراً. فلربما تتجاوز تلك الصور المستخدمة أحياناً ذلك الواقع ، بحكم الضرورات التي يمليها نظم الشعر نفسه الذي هو مظنة المبالغة والافتنان والتزيد ، فضلاً عن الميل إلى تزويق الكلام وتنميقه وتزيينه بغير المألوف والمعتاد والمحلي ، رغبةً في إظهار سعة المعرفة ، والانفتاح نحو آفاق كونية أخرى ، والتدليل على عمق الثقافة التي هي صيقل الشعر من حيث هو كما يقال.
ولذلك فإن قول المغنية السودانية القديمة في الأغنية التراثية: " الوافر ضراعو ":
الصدير رمان والشلوخ مطارق... الخ
أو قول صالح عبد السيد أبو صلاح في رائعته " قلبي همّالو "
أفدي جوز تفاح صدرو لولالو
داخل في تقديرنا ، في إطار هذا التزيد أو الاستعراض الثقافي الذي طالما ارتبط بالشعر ، لأن الرمان والتفاح ليسا من الفواكه التقليدية في السودان ، ولكن ورودهما باستفاضة في الشعر العربي في مثل هذا السياق ، هو الذي برر ذكرهما في الشطرين المشار إليهما أعلاه ، وذلك من قبيل المثاقفة والتأثر بلا ريب.
وفي هذا السياق ذاته ، ربما عاب بعض النقاد – انطلاقاً من الواقع السوداني بالطبع – على الشاعر المرحوم " عبد المنعم عبد الحي " قوله في أغنيته " ليالي المصيف " ، التي يؤديها الفنان الكبير " عثمان حسين ":
ياليالي المصيف قولي لخلِّنا
أوراق الخريف ثارت حولنا
ذلك بان أوراق الخريف في السودان لا تثور ولا تسير. فالخريف في السودان هو فصل المطر ،وشدة اخضرار أوراق الأشجار والنباتات ، وعنفوان نموها ، وقوة ثباتها والتصاقها بأغصانها ، فهي بالتالي لا تسقط حتى تثور أو تسير. وإنما يكون ذلك في البلاد التي يرتبط فيها فصل الخريف بذبول الأوراق واصفرارها وسقوطها على الأرض ، وذرو الرياح لها ، وهي لعمري ذات البلدان التي يُعبّر فيها عن الشيخوخة ونهاية العمر بالتعبير المجازي: " خريف العمر " ، في الوقت الذي نعتبر نحن فيه الخريف عز الفتوة والشباب ، والتفتح والازدهار ، لدرجة أننا نطلق في بعض المناطق في بلادنا اسم " خريف " علماً على الذكور من مواليدنا ، من قبيل التفاؤل.
قالت المغنية تمدح أحد وجهاء قبيلتها وفرسانها:
يا خريف الرتوع
أب شقّة قمر السبوع
خال فاطنة
ليهم بلالي
البدرّج العاطلة ... الخ
وربما اعتذر معتذر لعبد المنعم عبد الحي بكون أن هذا الشاعر السوداني الأصيل، كان قد عاش ردحا طويلا من حياته في مصر، حيث تزوج وأنجب هناك، ومكث فيها لسنوات طويلة ، إلى أن توفي ودفن بالقاهرة في سبعينيات القرن الماضي. فلعل ذلك الخريف الذي كان يعنيه هو خريف مصر ، آو خريف لبنان مثلا ، وليس خريف السودان بأي حال من الأحوال.
ذلك ، ومن الملاحظ – والشيء بالشيء يذكر – أن العُمانيين يسمون فصل الأمطار عندهم خريفاً مثل السودانيين تماما. وقد اشتهر عندهم موسم سياحي مشهود عندهم باسم " خريف صلالة " ، وهو مهرجان سياحي يقام سنويا بجنوب سلطنة عمان. وخريف العمانيين يحل في نفس وقت خريفنا ، أي خلال الفترة ما بين شهري يوليو وأكتوبر من كل عام ، وتحمل أمطاره إلى بلادهم ذات الرياح الموسمية الجنوبية الشرقية التي تهب من نواحي المحيط الهندي وبحر العرب التي تجلب معها الغيث إلى أرض السودان.
على أن فصل الأمطار قد يعرف في بعض بلدان الخليج العربي باسم " الربيع " ، وهي تسمية عربية قديمة فيما يبدو. قال ربيعة بن ربيعة العامري في المعلقة:
رُزقتْ مرابيعَ النجوم وصابها       ودقُ الرواعدِ جودها فرهامُها
ويسمى فصل الأمطار في البلدان التي يسقط فيها المطر في فصل الشتاء " الشتاء " مثل سائر بلاد الشام. ومن ذلك قولهم بالعامية " عم تشتي " بمعنى " إن السماء تمطر ".
يذخر الشعر التقليدي في السودان ، المُغنّى منه وغير المُغنّى ، بالعديد من الصور البيانية ذات الصلة بفصل الخريف ، وبما يرتبط به من عالم الزراعة والنبات بصفة عامة. فمن ذلك قول الشاعر أحمد عوض الكريم أبو سن الشهير بلقبه " الحاردلو " ، في قصيدته المطولة المسماة " مسدار الصيد ":
الخبر الأكيد قالوا البطانة اترشّتْ
ساريةً تبقْبقْ للصباح ما انفشّتْ
ناح فحل ام صريصرْ والمنايح بشّتْ
وبت ام ساق على حدب الفريق اتعشّتْ
وليس من غرض هذا المقال شرح النصوص أو تفسيرها ، إلا في حدود ضيقة. وإنما هدفه هو محض التنبيه والاستعراض والتذوق والتوثيق.
وقالت شاعرة أخرى من " الجزيرة " في الأغنية الشعبية الشهيرة التي يؤديها المطرب الراحل " خلف الله حمد ":
النعيم يا فحل القبايل
كريم لمّام الهمايل
شيتاً بلاك ما أظنو خايل
إيدو ام رويق والقبلي شايل
يا بابا قول النعيم دراج المسامكة .. الخ
قولها " أم رويق " ، تعني به المطرة التي يكون سحابها منضداً في شكل " رويق " وهو تصغير " روق " أي صف متراكم من الغيوم المتلبدة والداكنة اللون ، يظهر في منظر جميل مبهج ، من جهة الأفق الشرقي تحديداً ، ويكون مطره عادة غزيراً جدا. أما القبلي فهو البرق الذي يسطع من جهة القبلة ، التي هي جهة الشمال الشرقي بالنسبة لمعظم أرض السودان.
قالت فتاة " حمرية " من كردفان:
داك براقاً قبلي
فوق عربي وفوق إبلي
قوم يا بخيت أحلب لي
لبن ام زور طايب لي
وقد ارتبط البرق القبلي في المعرفة والثقافة التقليدية في السودان بغزارة المطر. وهو ذاته الذي يسمى بالبرق " العبادي " في بعض أنحاء السودان ، ويلقب كذلك ب " مربط العجيل " في كردفان. ولمبرط العجيل الكردفاني هذا قصة طريفة نود أن نختم بها هذا الجزء من هذا المقال:
قالوا: كان هنالك خواجة إغريقي يعيش في السودان في أربعينيات أو خمسينيات القرن الماضي ، وكانت له شاحنة سفرية " لوري " ، ينقل بها البضائع والركاب ما بين مدن السودان المختلفة نظير أجر معلوم. فزعموا انه كان يستقل شاحنته تلك في مشوار له داخل كردفان ، أظنه بين الأبيض والنهود ، وكان الفصل خريفا. فلما وصلت الشاحنة إلى إحدى القرى العامرة في وسط الطريق ، نصحه السائق الذي تصادف انه كان من أبناء كردفان ، بأن يبيتوا ليلتهم تلك في تلك القرية ، لكي يستطيعوا حماية البضاعة من البلل لأنه رأى برقاً من جهة الشمال الشرقي " مربط عجيل " ، ومن المؤكد عنده أن المطر الغزير نازل لا محالة. قالوا: فزجره الخواجة وقال له إن تلك مجرد خرافات وأوهام ، وأمره بمواصلة المسير في تلك الليلة ، فانصاع السائق لأوامر رب العمل. فما إن ساروا مسافة عشرين ميلا أو أقل من ذلك ، حتى انهمر المطر عليهم كأنه من أفواه القرب ، فأتلف للخواجة جل بضاعته ، فوعى الدرس تماما.
ولما كانوا في طريق العودة ، لمح الخواجة برقا من جهة الغرب ، فصاح في السائق: " هيا بنا نبيت هاهنا ، ونغطي البضاعة من المطر " ... فرد عليه السائق " لكن البرق ده ما مربط عجيل ". قالوا فأجابه الخواجة: " ياخ ربنا مخير محل عايز يربط عجيلو يربطو !! ".