عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
نشر البروفيسور عبد الله علي إبراهيم بتاريخ 25 ابريل 2012 م المنصرم ، مقالاً في غاية الإمتاع والفائدة والسداد ، بل الطرق المحكم على رأس المسمار كما يعبر الفرنجة ، تحت هذا العنوان الطريف: " السودان: الطيش عند الله يعيش ". والطِّيش – على وزن الرِّيش - هي كلمة من العامية السودانية بمعنى: الأخير ، أو من يتذيل الناس في أي محفل ، وخصوصاً في الصفوف الدراسية ، فكأنها مشتقة من الفعل العامي السوداني الآخر: " طَشَّ " بمعنى: تاه وتخلف عن الركب ، ومن تكن تلك حالته ، فلا شك أنه سوف يصل آخراً ، فهو " الطيش ".
أنحى عبد الله علي إبراهيم في مقاله ذاك باللائمة على أولئك النفر الذين يصدقون قولاً واحداً ، أو يودون أن يصدقوا ، على كل حال و هكذا ضربة لازم ، ودونما أي تمحيص ، أو إعمال فكر ، أو تساؤل مشروع ، لجهة احتمالات وشبه التحامل والانحياز السياسي والإيديولوجي ، أو سوى ذلك من مختلف ضروب الأهواء والأغراض والمواقف المسبقة ، ما تخرجه على الناس بعض المؤسسات التي تطلق على نفسها صفة العالمية من تصانيف وقوائم وطبقات مرتبة لدول العالم ، عبر جملة من المؤشرات والمعايير التي توصف هي الأخرى بأنها عالمية ، وذلك في مجالات من قبيل: الشفافية ، والحكم الرشيد ، وحقوق الإنسان ، والحريات المدنية ، والديمقراطية ، وبقية تفاصيل تلك القائمة من المطلوبات إياها ، التي لا تزلّ قدما شخص في قيامة العولمة أو النظام العالمي الجديد حتى يُسأل عنها !.  
وخص البروفيسور عبد الله بالانتقاد بعض السودانيين الذين يميلون بسبب مواقفهم السياسية من السلطة تحديدا ، وليس من قبيل إتباع الحق ، وإنما بالأحرى من قبيل ما هو صائب ومفيد سياسيا ، يميلون  إلى تصديق أقاويل وتصنيفات تلك المؤسسات المزعومة عالمية ، التي درجت على جعل السودان في ذيل القائمة عالمياً على الدوام ، وفي كل شيء تقريباً ، حتى ولو كان ذلك الشيء هو إنتاج الصمغ العربي مثلاً ، الذي لم يشأ الخواجة الحسود عالم النبات الذي صنف شجرته ( الهشاب ) – والشيء بالشيء يذكر – لم يشأ أن يربطها بالسودان ،  إذ أطلق عليها الاسم العلمي: Acacia Senegalis  ، فألحقها بالسنغال البعيدة ، فتأمل !
وللتدليل على أهوائية وانتقائية ما يسمى بالمعايير والمؤشرات الدولية في تصنيف البلدان وترتيبها ، قال البروفيسور عبد الله إن مجلة " فورين بوليسي " الأمريكية الشهيرة ، التي أوضح أنها هي نفسها  شريك في إصدار مؤشر الدول الآيلة للانهيار ، قد شككت هي ذاتها في نفع تلك المؤشرات وجدواها ، محيلاً القارئ إلى عدد شهر ( يوليو وأغسطس 2011 ) من تلك المجلة ذائعة الصيت ، ومشيراً إلى أن الأستاذ فوزي بشرى هو الذي نبهه إلى خطر هذه المجلة. ولا شك في أنّ فوزي بشرى هو من مفاخر أبناء جيلنا ودفعتنا في الجامعة ، وما نزال نحس بالزهو يملأنا عندما نستمع إليه وهو يقدم تقاريره الرائعة ، بلغته البليغة ، وحنجرته الذهبية ، من خلال شاشة قناة الجزيرة التي يبدو أن محرريها السياسيين خاصة ، يفزعون إليه كلما حزبهم أمر ذو بال ، مثلما كانت إذاعة أم درمان تلجأ في المواقف والحوادث المشابهة في السابق ،  إلى الأستاذ محمد خوجلي صالحين رحمه الله. ويا بلادي كم فيك حاذق كما قال خليل أفندي فرح.
ومهما يكن من أمر ، فإن السبب الجوهري في هذا ( الخم ) المجاني ، وهذه اللهوجة الجوفاء ، التي ما تنفك تطنطن بها تلك المؤسسات والمنظمات الغربية في الأساس ، بحسبان أنها معايير ومؤشرات كونية راكزة ، وموضوعية ثابتة ، لا يأتيها الباطل ولا الغرض من بين يديها ولا من خلفها ، ما هو في تقديرنا ، إلا مثلبة التمركز حول الذات التي طالما اتصف بها الغربيون عموماً من جانب ، بالإضافة إلى منقصة الانبهار والاستلاب وإلقاء السلم بالكلية لمرئيات تلك الذات الغربية المتغطرسة ، التي لا ترى العالم إلا من خلال ذاتها هي ، ومواقفها ، وخصوصاً مصالحها ، تلك المنقصة التي ظل يقع فريستها – مع الأسف – نفر كثيرون من أبناء العالم الثالث المغلوب على أمره من جانب آخر ، ولسان حالهم يردد مع ذلك الممثل الهزلي: " ده انتو حكومة العالم .. وبتعرفوا كل حاجة .. هو أنا حأعرف نفسي أكثر من الحكومة ! ؟ ".
أما استهداف هذه المؤسسات الغربية المصنِّفة ( بكسر النون مع تشديدها ) للسودان على وجه التحديد ، شأنها في ذلك شأن غالبية وسائل الإعلام الغربية ، فإنه لعمري أمر شائع ومشهور لكل متابع محايد نزيه ، وخصوصاً لكل سوداني ذي حس وطني سليم ، من ذلك النوع الذي يكاد يتميز من الغيظ كلما وجد تلك المؤسسات وهي تصنف السودان في أدنى درجات السلم في كل شيء تقريبا مهما كان جليلاً أو حقيرا ، ويقدِّمون عليه في أحيان كثيرة بلداناً من قبيل: " ناس زعيط ومعيط ونطاط الحيط " التي لن أسميها ، ففي فمي ماء كثير بحكم مهنتي ، لا لسبب سوى أن تلك المؤسسات المغرضة والمتحاملة ، لا تريد أن تعلي للسودان شأنا ، أو أن: " تطلِّعه قوزاً أخدر " لأسباب سياسية وأيديولوجية فلا تكونّن من الممترين.
إنّ من أسخف العبارات التي أغاظتني كثيرا من بين أدبيات مرحلة ما بعد انفصال الجنوب ، وقيام دولته المستقلة ، ما ظل يتردد من أن ما يسمى بالمجتمع الدولي يود رؤية دولتين قابلتين للحياة أو  
Two viable states   . يا لسخرية الأقدار ويا لهواننا على الناس. السودان الذي عرف الدولة المركزية ذات الإرث المتواصل منذ آلاف السنين ، أيام كان جل العالم الحالي يرزح في غياهب التاريخ ، تقال في حقه مثل هذه العبارة المسيئة التي توحي باحتمال افتراضي بعكس ذلك. إن السودان لم ولن يكون دولة فاشلة في يوم من الأيام بعون الله ، وهو الذي ظل صامدا بل ومتطورا رغم مشاكله الجمة المعروفة للجميع ، و لقرابة الثلاثة عقود من دون أن تقدم له أي من الدول الغربية ، أو المؤسسات المالية الدولية المؤتمرة بأمرها قرشا واحداً على سبيل العون الإنمائي الذي أوقفوه جملة واحدة منذ عام 1984. إنه بالحري دولة يُراد لها أن تكون فاشلة عمداً ، a deliberately wanted to be seen as a failing state أو a deliberately caused to fail state وهذا هو مصطلح جديد نتبرع به لوجه الله تعالى لمنظري العلوم السياسية وطلابها.
هذا ، ومن طريف ما وقفت عليها أنا شخصياً في هذا الباب ، هو أنّ أبنائي قد لاحظوا منذ حين ، أنّ شخصية " ياكو " الكاريكاتورية التي تردد أسماء دول العالم ، وهي تؤشّر على مواقعها في خريطة الكرة الأرضية ، من خلال مسلسل ( الضاحكون ) أو Animaniacs  للرسوم المتحركة التلفزيوني الأمريكي ، يؤشر على خريطة السودان في نهاية العرض تماماً ، ناطقاً اسمه بسرعة رهيبة لا تكاد تتبين معها حروفه ، وفي آخر نفس ، مما يجعل أطفالي الذين ليس لديهم أي وعي قطعا بنظرية المؤامرة : " وييييييه ... السودان الطيييييش !!! ". وهو كذلك هاهنا .. ولكنه عند الله بعيش .. فنعم بالله ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.