وقفات مع مقاطع وصور وألفاظ بعينها في الديوان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هنالك طائفة من المقاطع الشعرية ، والصور البيانية ، والتراكيب والألفاظ التي وردت في متن هذا الديوان ، والتي استوقفتنا بصفة خاصة ، وذلك لدواعٍ جمالية ، أو بلاغية ، أو دلالية شتى ، وأحببنا أن نشرك القراء معنا  فيما عنّ لنا من خواطر وتأملات وتساؤلات حول هاتيك المقاطع والصور التراكيب والألفاظ.
قال الشاعر في رسم ملمح لصورة من صور الخريف في كردفان:

سحاب العينة من دُغشاً كبير مِضّايقْ
هَرَعو انشرّ كيف نَعَم المراحيل سايقْ
سيله المندفِرْ في الرّمله بسبح فايقْ 
سوريبو وزقيِّو انشبكو بقيو خلايقْ 

فهذه الصورة الخريفية الرائعة ، هي بلا شك صورة كردفانية بحتة ، فضلاً عن أنها واقعية التفاصيل ، ومطبوعة الملامح من حيث الألفاظ والمعاني معاً. ومؤداها العام هو أن الشاعر يصف سحاب العينة ، أي المنزل من منازل القمر ، أو النوء المرتبط بنزول أكثر الأمطار غزارة ، ولعله نوء ( الطرفة البكّاية ) ، آو ( الجبهة النّداية ) كما يسمونهما هناك ، يصف ذلك السحاب بأنه ( مضّايق ) من شدة تزاحمه في الأفق ، ومن فرط  تشبُّعه أو امتلائه بالماء الوفير. فكأنه متورم أو منتفخ ، ويريد أن " ينفشّ " كما قال " الحاردلو " في المسدار الشهير:

سارية تبقبقْ للصباح ما انفشّتْ 

ويشبه الشاعر حزق الطخا ، وهي أفواج السحاب الأبيض الخفيف الذي يندفع مسرعاً في أجواء السماء ، وهو الذي يسميه الناس في كردفان " الهَرَعْ " بفتح الهاء والراء ، يشبهها بأسراب من النَّعَم ، أي المواشي ، والمقصود هنا الأبل خاصة التي تسير مسرعة في الفلاة.
هذا وكلمة " الهرع " الكردفانية ، ذلك الذي يسميه أهل البطانة " العفْرَتْ " ، فصيحة الأصل ، إذ هي مشتقة من الفعل " هُرِعَ " بضم الهاء بمعنى أسرع ذاتها ، فكانه السحاب الذي هُرع.
وقد استخدم صديقنا الشاعر المفلق الاستاذ إبراهيم الدلاّل هذه اللفظة المحلية أبرع استخدام ، عندما وصف السودان في معرض قصيدة رثى بها الأديب الراحل الطيب صالح ، حيث قال:

جرى النيلُ المباركُ في يديهِ     ويُرزِمُ فوقَهُ الهرعُ المطيرُ

وقد لاحظنا أن الشاعر عندما شبه ذلك الهرع المسرع في الأفق بأسراب النعم الراحلة ، قد استخدم أداة التشبيه العامية المحلية ( كيف ) بمعنى ( مثل ) كما في الفصيح ، أو " مِتِلْ "  بالتاء المثناة ، أو " زي " كما في بعض العاميات الأخرى.
والحق أن استخدام ( كيف ) أداة تشبيه لغة كردفانية. وعندي أن أصلها هو لهجات عرب بلاد المغرب العربي ، والأندلس أيضا ، وإن كانت ليست ببعيدة عن الفصحى المشرقية نفسها. ذلك بأن قولك مثلاً " كيفما تكونوا يولى عليكم " ، معناه: " مثلما تكونوا يولى عليكم ".
أما أندلسية لفظة " كيف " كأداة تشبيه ، فإن الشاهد عليها هو قول لسان الدين بن الخطيب في الموشحة الشهيرة " جادك الغيث ":

وروى النُّعمانُ عن ماء السّما
كيف يروي مالكٌ عن أنسِ

أي مثلما يروي مالك عن أنس.
وقد كنت إلى وقت قريب أعتقد بأن أكثر مناطق مصر تأثراً باللهجات المغاربية والأندلسية ، هي نواحي إسكندرية وما جاورها غرباً إلى السلوم ، فإذا بي ألاحظ في مسلسل " أحلام لا تنام " التلفزيوني المصري ، بطولة إلهام شاهين ونبيل الحلفاوي ، الذي عرض في السودان مؤخراً ، والذي يصور شخصيات في إحدى قرى صعيد مصر ، لاحظت أنهم يستخدمون " كيف " كأداة تشبيه أيضاً ، ويرددون عبارت من قبيل: " إنت حلوة كيف القمر " ، أو " وه ! بقينا كيف ناس مصر ". على أنني كنت أحس مع ذلك  بشيء ما من الإفراط والمبالغة Overdoing  من جانب كاتب السيناريو في هذه الناحية.
هذا ، ومن الثابت أن قبائل مغاربية كثيرة لعل من أشهرها هوارة ، كانت قد نزحت واستقرت بصعيد مصر منذ عدة قرون ، فلعل هذا هو ما يفسر وجود مثل هذه الظواهر اللغوية الخاصة بلهجات المغرب العربي في الصعيد.
ثم يمضي الشاعر في رسم هذه اللوحة البديعة ، فيصف السيل وقد اندفعت مياهه مندلقة فوق الكثبان والوديان الرملية بلا ضابط ولا حاجز ، وهو ما عبر عنه بالصفة ( فايق ) ، وقد اقتلعت تلك السيول القوية نباتات ( السوريب ) و ( الزِّقيْ ) ، وهما من نبابات البيئة الكردفانية ، وطوحت بها بعيدا ، حتى صارت أشكالها شائهة وليست في خلقة سوية فهي ( خلايق ) ، جمع ( خليقة ) وهو الكائن الناقص الخلق ، آو الذي خلق بعاهة ، كما هو في العامية السودانية.
ويشتمل الديوان على ألفاظ غاية في الفصاحة مثل كلمة " الشُّبوب " بضم الشين المشددة ، ومعناها بالضبط هي " الشآبيب " ، أي( زخات) المطر كما يعبر عنها في الفصحى المعاصرة ، فانظر يا عافاك الله إلى فصاحة هؤلاء القوم. يقول الشاعر:

في الليل البروق حزمَنْ سحابهنْ وساقنْ
من كل السِّهمْ فوق الشُّبوب بتلاقنْ

ويقارن الشاعر بين سكنى المدينة وسكنى البادية في الهواء الطلق وبين المناظر الطبيعية الخلابة ، فيرجح كفة البادية بطبيعة الحال ، وينتصر لها في مقابل سكنى المدن والحواضر ، الذي كأنه يستهجنه ، إذ أنه يقول في هذا المعنى:

أرحكَ معانا من سخانة الدّيمْ
سكنا شُقّة في خيشاً مشبّحْ خيم
تكييف خلقة بعد الرّشة بتجيب ريم
ويومك كلّو في ضُل الهرع والغيم

ولعمري فإن هذا هو ذات الموقف الذي وقفه من قبل الشاعر الضخم عبد الله محمد عمر البنا عندما أهاب بساكن المدينة أن يذهب ليسكن معهم في بادية البطانة ، وزين له ذلك بقوله:

يا من ألفتَ سكن البيوت       وما بها من ملبسٍ وقوتِ
فلو سكنتَ معنا البطانة        لما وجدتَ مثلها مكانة
يكفيك من دنياك كلبُ صيد    يكون للغزلان مثل القيدِ .. الخ

وبمثلما يعرب الشاعر عن تفضيله لسكنى البوادي على سكنى المدن والحواضر ، فإنه لا يخفي كراعي إبل في الأساس – على الأقل من الناحية الفنية أو النظرية – لا يخفي سخريته وزرايته برعاة الضأن وراكبي الحمير منهم بصفة خاصة ، الذين يراهم رعاة الإبل عموماً  مجرد أناس فقراء وبائسين وقليلي الحيلة ، وخصوصاً بعيدين عن روح الجسارة والجرأة التي تحمل مربي الإبل ورعاتها أو الوناقيب عادةً  ، على  ادراع الفلوات والفيافي البعيدة ، والتعزيب فيها لفترات طويلة بحثاً عن أفضل أنواع الكلأ لجمالهم ولنوقهم في جوف الصحاري المخوفة ، على نحو ما ظل يفعله سكان أقاصي شمال كردفان فيما يعرف برحلة " الجزو ". فهاهو يسخر من راعي الضأن الذي يلقبونه تندراً به ب " الكبْسُور " الراكب على حمار محتقباً حملانه معه ، قائلاً:

ممّا قاموا عربِكْ جضّو بالحنّانْ
ما باراهم المالي الحمار حُملانْ
قلّوا منشّشفين عقبوا الوطه ام خيران
ما باراهم غير بقر الخلا ابقرّانْ

ويشدد الشاعر عمر ربّاح على فكرة إدلال البادية على الحضر ، وافتخارها بنفسها ، وتفضيل نفسها على الحاضرة من حيث صفاء الطقس ، ونقاء البيئة ، وجمال المناظر الطبيعية ، وخصوصاً البعد عن التصنع والتكلف ، بهذا المقطع:

ود البندر الدايماً معاكس ذوقو
لى شمّ الدّعاش في العالي فوق وا شوقو
ما شاف كردفان وهرعاً مقرّن طوقو
يوم قمريها في فرع التبلدي بقوقو

قلتُ ، وهذا المعنى ، أي فخر أهل البادية على أهل الحاضرة قديم في الأدب العربي عموماً ، ومنه قول الإعرابية التي كرهت معيشتها في المدينة ، وكان قد تزوجها بعض الولاة والأمراء ، وحبسها في قصره ، فاشتاقت إلى فضاء باديتها الأفيح ، فأنشدت قائلة:

لبيتٌ تلعب الأرياحُ فيه       أحبّ إلي من قصرٍ منيفِ
وكلبٌ يمنع الطرّاق عني     أحب أيّ من قطٍ أليــــــف
ولبس عباءة وتقرُّ عيني      أحب إليّ من لبس الشفوف
وأكل كسيرة في عقر داري   أحب إلي من أكل الرغيف

ومنه بلا ريب قول المتنبئ في وصف نساء البادية وتفضيلهن على نساء الحضر:

أفدي ظباء فلاة ما عرفنَ بها       مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيبِ
ولا خرجنً إلى الحمّام بارزةً أوراكهنّ صقيلات  العراقيـــــــــــــبِ

وبما أن حب الوطن من الإيمان ، وأن التغني بمحاسن المرابع والديار التي ولد  ونشأ فيها الإنسان الشاعر ، هو من قبيل البر والوفاء ، فإننا نجد شاعرنا وقد رفع عقيرته في أكثر من موضع من ديوانه هذا ، بالتشبيب بجمال الطبيعة في كردفان ، التي يرى أنها هي الحائزة على قصب السبق في هذا المجال من دون سائر ولايات السودان ، وذلك حين يقول:

طبيعة كردفان ما منافسة فيها ولايه
وقت اشبوبها هطلت والرعود دوداية
هرعْها الكلُّ ما اتفرّق عقب بتنايا
بسقي الفوقها ضبّانة الزهور نوناية

وضبانة الزهور هو كناية عن النحلة ، وهو استخدام فصيح. قال عنترة في وصف حديقة في معلقته:

وخلا الذباب بها فليس ببارحٍ     غرداً كفعل الشاربِ المُترنّمِ

وفي الحقيقة فإنه قد ندر في الواقع من بين شعراء السودان الأوائل من لم ينظم قصيدة في التغني بجمال الخريف في كردفان.
ويضيف الشاعر إلى هذا المقطع ، مقطعاً دعائياً سياحياً آخر ، يدعو من خلاله السياح لزيارة كردفان في فصل الخريف ، يقول فيه:

طبيعة كردفان جابت من بعيد سياحها
يات من شافها مجروح اندملْ جرّاحه
تعال للبادية تشبع في الخريف ليك راحه
من مغرب سرب دهرابها بى أرياحه

إن هذا المقطع قد نبهني في الواقع إلى لفت انتباه الفاعلين في القطاعين العام والخاص في كردفان ، وعلى رأسهم السيد الوالي ، الأستاذ معتصم مرغني ، إلى إمكانية استغلال فصل الخريف في الترويج لمهرجانات سياحية راتبة في كردفان ، من شأنها ان تكون عالية المردود الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والترفيهي الخ ، على غرار مهرجان " خريف صلالة " بسلطنة عمان مثلا. وبوسع كردفان أن تقيم مهرجانين سياحيين في خريف كل عام ، واحد للأبالة وليكن اسمه مثلاً: " مهرجان الشوقارة السياحي " ، والثاني للبقارة ، وليكن اسمه " مهرجان المُرحال السياحي ". ويقيني هو أن هذا المشروع الذي سوف يكون رائدا في مجال تحريك السياحة الداخلية أولاً على مستوى البلاد ، سوف يكون ناجحاً جداً ، خصوصاً نسبة لسهولة الوصول إلى الأبيض ، ومدن الولاية المعنية الأخرى من جميع أنحاء السودان.
وأخيراً فإنني أرى بأن قول الشاعر في وصف الخريف والمطر في المقطع التالي:

منشوف الخريف زرقنْ تحنّى سحابو
ريحةْ سَمرو برّاقو البكتِّحْ جابو
هرعو الماشي أروى ورقّد النّي دابو
يعزم للصباح مُرَضَى الغارم ما طابو

أرى أنه قد نظره فيه نظراً واضحاً لقول أبي العلاء المعري في ذات المعنى:

يا ساهرَ البرقِ أيقظ راقدَ السّمُرِ
لعلّ بالجذعِ أعواناً على السّهرِ

وذلك بآية ما أنه قد ذكر ( السّمُر ) و ( البرّاق ) في مقطعه ، رابطاً بين انبعاث رائحة شجر السمر وفعل البرق ، والمقصود هو المطر الذي يلي البرق. وهو لعمري ذات ما قصد إليه المعري. وهاهنا أيضاً يظهر النفس المدرسي الواضح الذي ينتظم بنية هذا الديوان كلها ، وذلك بسبب أن مؤلفه – كما أسلفنا – متعلم تعليماً نظامياً ، ودارس للأدب العربي الفصيح ، ومن هنا جاء تناصّ مقاطعه ، وتأثرها  البيِّن بمحفوظهِ من ذلك الأدب في تقديرنا.