عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أهدى إلي أخي الأصغر ، الشاعر والأديب الشاب ، الأستاذ محمد زين العابدين أبو جديري ، نجل  أستاذنا الفاضل في المرحلة الابتدائية ، زين العابدين أحمد آدم أبو جديري ، عليه رحمة الله ، أهدى إلي مشكوراً ، خلال مناسبة سعيدة جمعتنا معاً بالخرطوم مؤخرا  ، نسخة من ديوان: " واواي الوناقيب: دوبيت عن الطبيعة والإبل في بادية كردفان " لمؤلفه الشاعر الشعبي الأستاذ عمر الشيخ محمد رباح ، وهو من أبناء (المزروب) ، معقل قبيلة (المجانين) العربية الشهيرة بشمال كردفان.
ولما كنت  على أهبة الاستعداد للسفر إلى فرنسا عقب تلك المناسبة السعيدة بأيام قلائل ، فإن الوقت لم يسعفني – بطبيعة الحال – لكي أتصفح ذلك الديوان مليا ، فاحتملته معي كالعلق النفيس إلى باريس ، فقرأته بها ، واستمتعت بقراءته غاية الاستمتاع. ويا للمفارقة .. " واواي الوناقيب " يُقرأ على ضفاف نهر السين ، وتحت أضواء  برج  إيفل الباهرة. فتأمل.
لقد كانت تلك المناسبة السعيدة والجامعة في الواقع ، هي حفل عقد قران  كريمة صديقنا و ( نديدنا ) الأستاذ محمد الحاج الشيخ الزاكي . (يا للهول .. سوف يصير  أحد لداتنا جداً عما قريب.. ). لقد هرمنا يا رجل ، كما قال خطيب الثورة التونسية المصقع   ، فأطلقها مثلا. ولكن تلك قصة أخرى.
كان ذلك الحفل البهيج إذن ، غاصاً بجموع كبيرة من المدعوين المهنئين والمباركين ، وخصوصاً من آل الزاكي وآل العراقي ، وأقاربهم وأنسبائهم وأصهارهم ومساكنيهم وأصدقائهم ومعارفهم في كردفان والنيل الأبيض والعاصمة المثلثة وسائر ربوع السودان الأخرى  ، وعلى رأس هؤلاء ثلة صالحة من أعيان قبيلة المجانين ووجهائها شيباً وشبابا ، وخصوصاً من بلدة المزروب  التي هي مسقط رأس والد العروسة .
أما المجانين ، فإنهم قوم أولو فضل  ونبل وفطنة وشجاعة وكرم وديانة وخلق كريم ، ما في ذلك شك. وهم على وجه الخصوص  ، فيما يلي الأمر الذي نحن بصدده تحديدا ، قوم  ذوو فصاحة وبيان وإبداع ، وتفنن في القول نثراً كان  ذلك ام شعرا. 
وربما كانت شهادتي إنا خاصة  ، مجروحة نوعاً ما في ( المجانين ) ، إذ أنني تربطني بهم رحم ماسة ، وأعراق واشجة.. ذلك بأن جدي والد أمي ، كانت أمه تُدعى: " خادم الله بت الفكي منصور " ، ووالدة جدتي " خادم الله " هذه ، هي: " طاهرة بت قاعور " من المجانين " أولاد ماضي " ، ويقال  إن شقيقها " البليلة ود قاعور " كان من فرسان القبيلة الصناديد المشهورين.
والشائع عن هذه القبيلة ، بحسب ما يقول أفرادها هم أنفسهم ، أنها تنتمي في أصلها البعيد إلى الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، هي وقبائل " المسلمية "  ، و " المشايخة " و " الزنارخة " ، وفقاً لروايات النسابة التقليديين في السودان ، ولست أدري  كيف تأتى لصديقي الأديب الأريب ( الأمين كاكوم ) في تقديمه الضافي  لهذا الديوان ، أن ينسب ( المجانين ) إلى قبيلة ( هذيل ) اليمنية القحطانية ، دون أن يوضح المصدر الذي استند إليه في تعضيد صحة  هذه المقولة ، بينما أن  أهلها أنفسهم يقولون بانتسابهم  إلى قبيلة الصديق  ( رض ) القرشية العدنانية ، ألا وهي: تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. هذا ، و " اللمين ود كاكوم " غير متهم البتة علماً وتحقيقاً وتمحيصا.
ذكر الأمين كاكوم من بين مقدًمي شعراء المجانين الشعبيين كلاً من " ماذون " ، و " كويلة "  ، و " عبد الله الدريويش ". وشعر هذا الأخير كان هو في الواقع من أوائل ما طرق أذني  من الأدب الشعبي  في كردفان  بصفة عامة ، إذ كان والدي –  متعه الله بالصحة والعافية – يروي لنا ونحن صبية صغار ، مقاطع من قصيدة " الدريويش " الشهيرة ، وذائعة الصيت في مناطقنا آنئذ ، تلك التي مطلعها.

الجبنة التمام عدتها
فنجان والكبوتة
والتالتة أوقايتها

والتي يصور فيها بطريقة درامية غاية في الطرافة والبراعة ، قصة فتاة بدوية جميلة ، أوى إلى خبائها ضيفاً ذات يوم في إحدى الفلوات ، ولم يكن معها حينئذ شخص آخر سوى خادمة لها ، فأكرمته وصنعت له ( جبنة )  قهوة حلوة وسقته منها .
ويصور التنازع بين نفس المؤمن التقي اللوامة ، وبين نوازع الضعف الإنساني المعتمل في الروح الشاعرة التواقة دوماً لتملي الحسن والجمال الطبيعي والبشري أروع تصوير فيقول في استدراك متشيطن فكه:

غضيت طرفي قلتْ ما بتصح لي نظرتها
لكن قلت معليش ! أنشوف خلقتها
وكان يطربني  جداً مقطع أو ختام هذه القصيدة الرائعة الذي يقول فيه الشاعر:

يا عبد الله فرملْ
واختصر قصتها
اللهم ارض عنها وعن والدتها

ولعل أخانا الأمين كاكوم لم يسمع بالشاعر الشعبي ( المجنوني ) المفلق ، إبراهيم محمد جمع الله ، الملقب ب " المعوتل " بكسر التاء ، فإنه بلا شك من فحول شعرائهم المعاصرين. وكان أخونا الأستاذ " بشير عساكر " ، حيله الله ورعاه حيثما كان ، قد أسمعني شريطاً مسجلاً لفن هذا الرجل المدهش ، وهو يلقيه بصوت بدوي أجش  ، خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي  ، ونحن  عصرئذ نسكن " عزابة " بالثورة الحارة التاسعة بأم درمان. فلا والله ما سمعت مثل فصاحته وجزالته وقوة أسلوبه. وكنت قد أهبت ببعض الأخوة الأفاضل مثل محمد زين العابدين ، والشيخ إبراهيم الطاهر  وغيرهما ، العمل على تتبع شعر المعوتل هذا وجمعه ، توطئة لطباعته ونشره بأعجل ما تيسر ، لأنه يمثل بحق ثروة فنية قومية بكل المقاييس. وليُعهد إلى الأستاذ رباح ذاته  بمهمة شرح غريب ألفاظ شعر المعوتل  ، نظراً لوعورة مسلكها ، وصعوبة فهم مدلولاتها ، خاصة بالنسبة  لكثير من المعاصرين.
صحيح ما ذهب إليه الأستاذ الأمين كاكوم في تقديمه لهذا الديوان ، من أن الشاعر عمر الشيخ رباح قد احتفى احتفاء ظاهراً بلهجة قومه ( المجانين ) ، وذلك لعمري شيء بديهي ، إذ أن اللغة من حيث هي ، هي مادة الشعر الأولى ، وهي من بعد ، مستودع الرؤى والأفكار والصور التعبيرية   النموذجية ، فضلا عن كونها مستودعا للقيم الاجتماعية والأخلاقية والجمالية . ولذلك فإن من الطبيعي  أن يصدر أي شاعر مطبوع عنها ، وأن يصوغ فنه من خلالها وبواسطتها. 
وصحيح أيضاً ما ذكره الأستاذ كاكوم  من  أن لهجة المجانين تمت بوشائج قربى ، وأوجه شبه ظاهرة كثيرة مع طائفة من لهجات بعض القبائل العربية  المترحلة  في شمالي كردفان ودار فور مثل, سائر بطون دار حامد ، والشنابلة ، والحَمَر ، والمعاليا  ، والزيادية  .. الخ. غير أني خاصة أحس أن لهجة المجانين هي أقرب إلى لهجة " الحًمًر " بالذات من دون سائر  اللهجات المذكورة الأخرى ، ربما بسبب الجوار الجغرافي منذ قديم الزمان . ذلك الجوار  الذي تمخض  في بعض  الحقب التاريخية عن نوع من الحلف ( السياسي والعسكري ) في بعض الأحيان. ومن ذلك أن  إحدى الروايات التاريخية  تشير – على سبيل المثال – إلى أن  المجانين كانوا قد تحالفوا  مع الحمر ضد الكبابيش في حرب " العقال " الشهيرة التي جرت وقائعها في عهد الحكم التركي المصري للسودان في القرن التاسع عشر ، وكان زعيم الحمر آنئذ هو الشيخ مكي ود منعم الملقب المكنى بأبي المليح ، بينما كان زعيم الكبابيش هو الشيخ فضل الله ود سالم.
فمن بين الألفاظ الأساسية التي تشترك فيها اللهجتان المجنونية والحمرية كلاهما ، دون غيرهما من اللهجات المذكورة على ما أعتقد – وأرجو ألا اكون مخطئا – قولهما للجدة التي يسميها سائر السودانيين " حبوبة " هكذا " حلولة " بلامين أولاهما مشددة مفتوحة عوضا عن البائين في حبوبة. هذا ، ومدلولا " حبوبة " و " حلولة " متقاربان ، إذ كلاهما يفيد محض التدليل للجدة والتودد إليها. فكأن معنى حبوبة هو " المحبوبة أو ما أحبها " ، ومعنى حلولة هو " الحلوة او ما أحلاها ".
ولا شك في أن هذه المجموعة من لهجات بدو غرب السودان ، بما في ذلك لهجة المجانين ، تتفق في الكثير من الخصائص الصوتية والصرفية والدلالية المشتركة والمتميزة ، التي تميزها عن سائر اللهجات العربية سواء تلك التي تتحدثها سائر قبائل كردفان المستعربة ، فضلا عن عاميات السودان العربية الأخرى.
فمن ببن الخصائص الصوتية مثلا التي تميز تلك اللهجات ، إثباتها لصوت الهاء في الضمائر المتصلة بالافعال والاسماء تماما كما في الفصحى ، ومثال ذلك ما جاء في أبيات عبد الله الدرويش آنفة الذكر
الجبنة التمام عدتها الخ
بتحقيق الهاء من عدتها ، التي تنطق في عامية وسط السودان " عدتا " بحذف الهاء وتخفيف التاء ، بينما تنطق في بعض لهجات كردفان والبطانة وشرق الجزيرة مثلا " عدتا " بتشديد التاء المفتوحة وحذف الهاء ، مثل قولهم (ما فوكا حاجة) بتشديد الكاف.
ومن بين تلك الخصائص الصوتية أيضا ، تحقيقها لصوت الصاد في بعض الألفاظ تماما كما تفعل الفصحى ، بينما تميل عربية وسط السودان ، وكذلك غير سكان البوادي في كردفان إلى إحالته إلى صوت السين ، ربما لسهولة مخرجه ، مثل – " مغص .. مغس ، ومخصوص .. مخسوس ، وصدر .. سدُر ، وغميص .. غميس الخ ".
والشاهد على ذلك من شعر هذا الديوان هو قول الشاعر

يا بروق الصباح الغايصة أملن وسوقن
في القيع والقفاري القحطة بالليل فوقن

فهاهو قد أثبتها هكذا " الغايصة " بمعنى البعيدة ، أو المستترة التي لا تكاد تبين ، بينما سينطقها غيره من السودانيين ممن لا يرتضخون هذه اللهجة هكذا " الغايسة " بذات المعنى.
ومن الظواهر الصوتية في هذه المجموعة من اللهجات التي تنتمي إليها لهجة الشاعر ، حذف صوت الهمزة من نطق بعض الألفاظ الدلالة على بعض الصفات والنعوت بما في ذلك أسماء بعض الألوان ، ثم نطق اللفظة المعنية ابتداء من الحرف التالي لها مفتوحاً ، عوضاً عن تسكينه كما هو في الفصيح ، وكذلك في عامية وسط السودان. مثل قولهم – حَمَرْ في أحْمر ، وخَضَرْ في أخْضر ، وعَرَجْ في أعْرج الخ.
ومثال ذلك من شعر هذا الشاعر قوله في رثاء زعيم القبيلة الراحل الشيخ الحبيب جمعة سهل –
تمساح لية النيل الغلب شراكو
جفل غادي سياح الضفاف كوراكو
مو العجل البلفح ضيلو فوق أوراكو
أسداً سادل الوبر الحَمَر في حناكو

فقوله ( الوبر الحَمَرْ ) بتحريك الحاء والميم المفتوحتين ، معناه " الوبر الأحمر " ، وذلك كناية عن لبدة الليث المستديرة الصهباء اللون التي تحيط بلحييه وعثنونه.
ومنه قوله كذلك

البرق السحابو حجَلْ
دلى شبوبو كربيل الوريدها حَفَلْ
دايماً ليهو شادين في القفاه حَفَلْ

فالصفة ( حَفَلْ ) بفتحتين فسكون هي أحْفل ذاتها ، بمعنى ممتلئ وسمين وتام الخلقة. والضرع الأحفل أو الحافل هو الممتلئ في الفصيح. قال أبو تمام في وصف يوم عمورية

يا يوم فتح عمورية انصرفت      عنك المنى حُفلا معسولة الحلب

أما من حيث الألفاظ ودلالاتها ، فإن هذه المجموعة من اللهجات قد تميزت ببعض الألفاظ التي تختلف عن سائر اللهجات العربية في السودان في بعض المسميات. ومن ذلك على سبيل المثال ، إطلاق كلمة " الجرانة " على الضفدعة التي يسميها كثير من السودانيين " القعونجة " او " القعوية ". ولقد جرى ذكر " الجران " ، وهو جمع جرانة ، في أكثر من موضع في مقاطع هذا الديوان. ومن ذلك قول الشاعر

المزروب عطش يا رب تفرج همو
والعد قط من ملي الصفايح جمو
دايرين سيله جرقل وابعراقيب لمو
وكرتوب الجران لي بكره ما انصم فمو

فكرتوب الجران هو كبير الضفادع القابع في مخبأ بياته الشتوي المتطاول حتى جف أديمه وتغضن ، أي " كرتَب ". وبهذه المناسبة ، فإن كلمة " الجرانة " بمعنى " الضفدعة " ، هي اللفظة الوحيدة المستخدمة إلى يوم الناس هذا ، للدلالة على هذا الحيوان البرمائي في سائر عاميات بلاد المغرب العربي الكبير من لدن ليبيا وحتى موريتانيا.
ونود أن نشير أخيراً في هذا الجزء من قراءتنا في ديوان " واواي الوناقيب " إلى ملمح ظاهر تنبه إليه محقاً ، صديقنا الناقد الألمعي الأستاذ الأمين كاكوم ، وهو ما أسماه ب " النفس المدرسي الذي زاحمه في جانحته وخاطرته الروح البدوي المتنسج في أعصابه وشبك أوردته وشرايينه " أ. هـ
وفي اعتقادنا ، فإنه لا مندوحة لهذا الشاعر عن هذا النفس المدرسي ، وذلك بالنظر إلى كون أنه هو نفسه من خريجي المدارس النظامية ، ولكون أنه قد عمل موظفاً ، وعاش في بعض الدساكر والمدن ردحاً من الزمان ، فلا غرو إذاً أن خالطه هذا النفس المدرسي ، وان ألحت عليه في أحيان كثيرة هذه الحداثة وهذه المدنية ، بلهْ الثقافة العالية التي هي صيقل الشعر بكل تأكيد ، كما يقول النقاد. قال المتنبئ

من مبلغ الأعراب أني بعدها     جالستُ رسطاليس والإسكندرا

فقول الشاعر مثلاً

تمساح لية النيل الغلب شراكو
جفل غادي سُياح الضفاف كوراكو

تنبو منه بصورة واضحة عبارة " سُياح الضفاف " بوصفها عبارة صاغها إنسان متعلم ، ومتمدن ، يعرف السياح والسياحة ، ويسمي فرضة النهر " ضفة " ، ولا يسميها " قيفة " مثلاً كما يفعل السودانيون الأميون والعوام. وإلا فقد كان من الممكن له أن يستبدلها بعبارة أوغل في العامية من نفس الوزن مثل " وُراد البحر " مثلا ، ليكون الشطر كالتالي

جفل غادي وُراد البحر كوراكو

على أن لغة هذا الديوان هي في معظمها جزلة وقوية و " كلاسيكية " ، بل موغلة في الإغراب  في بابها ، وذلك من مثل قول الشاعر في وصف الإبل بصفة عامة ، وبعير منها بعينه
جعكيكاً عكل في حدارتو
فوقو مغفر الملتْ الوريد هُدارتو
حس جرقومه ديك رُبداً مباري انتايتو
ديمة مقشط الكنكون عرق قطارتو

والمعنى واضح ، على رأي عبد الله الطيب ، ونواصل بإذن الله.