عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لا شك في أن توريث أنظمة الحكم الجمهورية بدعة سياسية مقيتة ، وخارجة عن المألوف في ديناميات تداول السلطة السياسية ، خصوصاً في البلدان التي تتبنى النظام الجمهوري في الأساس ، الذي تقوم أسس السلطة فيه ، وآليات التعاقب عليها ، على مبادئ الديمقراطية ، وحكم الأغلبية ، والشرعية الشعبية ، وحق الشعب في اختيار من يحكمه بحرية وشفافية ، وهلم جرا. وهذا النوع من الأنظمة السياسية، هو الذي تنتهجه الغالبية العظمى من دول العالم القائمة في الوقت الراهن.
ومن المعلوم أنه حتى في الحالات التي يتم فيها اغتصاب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية ، فليس من المألوف أيضاً أن يخلف الجنرال الذي يستولي على تلك السلطة بقوة السلاح ، جنرال آخر من صلبه ، أو من بين أقاربه ، وإنما تنتزع عنه انتزاعاً ، إما عن طريق انقلاب آخر ، أو عن طريق انتفاضة شعبية ، أو في أحسن الأحوال بالنسبة لذلك الجنرال المعني ، أن يتحلى بالروح الرياضية اللازمة ، فيعمد هو طوعاً واختياراً أحياناً ، أو على مضض وتحت الضغط غالباً  ، إلى إفساح المجال أمام الحكم المدني ، والنظام الديمقراطي التعددي.
ومهما يكن من أمر ، فإن بدعة توريث الحكم الجمهوري هذه ، هي بكل تأكيد وليدة طبع صريح من طبائع الأثرة  والاستبداد السياسي والطغيان والدكتاتورية لا غير. وهي في أحسن حالات تفسيرها وتحليلها كظاهرة اجتماعية ، أنها تمثل على الصعيد النفسي والإنساني ، حالة من حالات المحسوبية ، بل البر الضار – إذا جاز التعبير - ، أو إيثار الأقربين بالمعروف ، سواء كان هذا المعروف مادياً أو معنويا ، أو يجمع ما بين المادي والمعنوي في أسمى تجلياتهما ، ألا وهي تلك السلطة الحلوة النضرة ، التي عبر عن حلاوتها المثل السوداني الدارفوري أبلغ تعبير بقوله: " حكم للساق ولا مال للخناق ". ويأتي في مقدمة أولئك الأقربين بالطبع ، الأبناء الذين هم أكبادنا التي تمشي على الأرض.
ولعل من طبيعة الأشياء ، ومن حقائق الوجود الإنساني أيضاً ، أن يرغب المرء غريزياً في أن يؤول ما قد يحوزه من ثروة وجاه ، أو سلطان زمني أو روحي إلى ولده وأحفاده من بعده ما استطاع إلى ذلك سبيلا. قال تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم الخليل عليه السلام: " وإذا ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن. قال إني جاعلك للناس إماما. قال ومن ذريتي. قال لا ينال عهدي الظالمين " الآية. ويرى عامة المفسرين أنه إنما أراد أن تكون تلك الإمامة التي وعده سبحانه وتعالى باقية في عقبه أيضا ، فرد عليه جلّ وعلا بأن وراثة السلطة الروحية لا تكون لمجرد القرابة الرحمية ، وأن مناطها هو الأهلية الذاتية ، وليس عن طريق الانتساب. ويمثل هذا الموقف في حد ذاته درساً كونياً تربوياً بليغاً لسائر القادة الروحيين والسياسيين على حد سواء.
ولحكمة يعلمها الله تعالى ن أنه جعل تركة أبرز رسولين جمعا كلاهما بين السلطتين الروحية والسياسية معاً ، وهما سيدنا موسى عليه السلام ، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، جعلها تؤول إلى أناس من غير أسرتيهما المباشرتين تأكيداً لهذا المعنى ، حيث خلف موسى فتاه: " يوشع بن نون " ، بينما خلف النبي صلى الله عليه وسلم خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما هو معلوم ، فبقية الخلفاء الراشدين ، ثم جاءت من بعدهم الكسروية والملك العضوض الذي كان قد تنبأ به النبي الكريم قبل وفاته.
وقد قيل إن معاوية (رض) عندما أراد أن يخلف ابنه يزيد ، جمع الناس في المسجد بدمشق ، فقام رجل من قبيلة حارقي البخور ، ومداح السلاطين ، والمثقفين الانتهازيين ، والصحفيين المطبلين الذين لا يخلو عنهم مصر أو عصر ، وما تزال منهم نماذج تسعى إلى يوم الناس هذا فقال: " أمير المؤمنين هذا ، وأشار إلى معاوية ، فإذا مات فهذا ، وأشار إلى يزيد ، وإذا أبيتم فهذا ، وأشار إلى السيف .. " وجلس. فزعموا أن معاوية قال له: " أنت أخطب العرب .. ! ".
هذا ، وأول من استن هذه السنة السيئة ، واجترح هذه البدعة المقيتة بحسب ما نعلم في العصر الحديث ، هو الرئيس الكوري الشمالي: " كيم إيل سونغ " ، الذي ورّث ابنه " كيم جونغ إيل " ، فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. ثم جعلت هذه البدعة تنتشر ، خصوصاً في الأنظمة البوليسية المستبدة شرقاً وغربا ، وفي بعض دول إفريقيا ذات المؤسسات والتقاليد الديمقراطية الهشة أصلاً ، أو الغائبة بالكلية ، والتي ما عرفت النظم الحزبية التعددية إلا اضطراراً ، وتحت تأثير الضغط الغربي وخصوصاً من قبل فرنسا ميتران بعد مؤتمر ( لابول ) الشهير الذي انعقد في عام 1990 م.
على أن موقف معظم القوى الغربية نفسها من بدعة توريث الأنظمة الجمهورية هذه ، قد اتسم في الغالب بغير قليل من النفاق والانتهازية والمخاتلة ، فكأن لسان حالها يقول كما يقول المثل السوداني: " جناً تعرفو .. ولا جناً ما تعرفو ! " .. أو بعبارة أخرى: أن الدكتاتور الذي يخدم مصالحك ، خير من الديمقراطي الذي لا يخدمها.
بلى ، قد اشتهرت عائلات احترفت السياسة ، وتتطلع أفراد منها إلى الرئاسة وإلى عضوية مجالس النواب والشيوخ ، بل نالها بعض منهم ، في إطار أنظمة حكم جمهورية ، ولكن ذلك لم يتم عن طريق التوريث ، وإنما عن طريق الكسب الشخصي ، والتحصيل السياسي الذاتي عبر صناديق الاقتراع.. فمن بين تلك العائلات السياسية على سبيل المثال: آل كندي وآل بوش في الولايات المتحدة ، وآل غاندي وآل بوتو في الهند وباكستان على التوالي ، بالإضافة إلى عائلات الزعامة السياسية التقليدية التي كانت تستند إلى الولاء الطائفي في لبنان مثل: آل الصلح ، وآل فرنجية ، وآل الجميّل ، وآل كرامي ، وآل الأسعد الخ ..
لقد أضحت بدعة توريث الأنظمة السياسية الجمهورية هذه في الواقع ، ظاهرة اجتماعية وسياسية ملحوظة ومرصودة ، وآخذة في التنامي والصعود خلال العقدين الأخيرين ، وذلك بعد أن تولى كبرها ، وجرّأ الحكام عليها النموذج الكوري الشمالي الذي أشرنا إليه آنفا. بيد أن من الملاحظ أن هذه الظاهرة قد ظل تناولها يقتصر تقريبا على المقاربات الفكرية والبحتة والأكاديمية البحتة، ولم يتم تسليط الضوء عليها، أو مناقشتها من خلال المنابر السياسية أو الدبلوماسية حتى الآن، في حدود ما نعلم.
ولعل من المساهمات البحثية الرائدة في هذا الموضوع، خصوصاً فيما يلي المنطقة العربية، كتاب بعنوان: " التوريث السياسي في أنظمة الحكم الجمهورية العربية " ، وهو مصنف من تأليف الكاتب اللبناني: " خليل أحمد خليل " ، وقد صدر في عام 2003 م ، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
أما فيما يتعلق بالمصنفات التي تناولت هذه الظاهرة في اللغات الأوروبية ، فإنها هي الأخرى كثيرة ومستفيضة ، وذلك في شكل مقالات وتحليلات منشورة في كلا الصحافتين الورقية والالكترونية. فمن ضمن ذلك على سبيل المثال، مقال يرصد هذه الظاهرة ويحللها، مكتوب باللغة الفرنسية، ومنشور على شبكة الانترنت تحت عنوان: Monarchisation du pouvoir des régimes républicains.
على أن الأمر الذي هدفنا إليه من خلال هذا المقال حقيقةً ، هو أن نشير إلى أن من المرجح أن يؤدي اندلاع الثورات العربية الأخيرة ، وخصوصاً إذا ما مضت هذه الثورات في تحقيق أهدافها الحقيقية إلى آخر الشوط ، ولم تجهض آو تنتكس لأي سبب أو آخر ، سيؤدي في تقديرنا – ولعله قد فعل سلفاً – إلى قطع الطريق أمام بدعة التوريث هذه ، وإبطالها إلى غير رجعة. ذلك بأن هذه الثورات قد خلقت حالة ذهنية محلية وعالمية أيضاً ، مناهضة بالضرورة لمسألة التوريث هذه ، فضلاً عن أن من أبرز أسباب اندلاع تلك الثورات ذاتها ، على الصعيد السياسي ، هو التذمر الشعبي العارم مما كان يشاع عن اتجاهات لتوريث الحكم الجمهوري ليس داخل هذا البلد العربي أو ذاك فحسب ، وإنما حتى في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء كما يقال. ولا عزاء للعيال ، وممنوع اصطحاب الأطفال.